عندما جاء الإسلام كانت اليمن موزعة إلى مخاليف وممالك صغيرة بعد أن انتهى حكم التبابعة الذي يجمع اليمن تحت سلطان واحد . أسلم اليمانيون جميعهم وكانوا في انتظار ظهور البعثة المحمدية من خلال العلوم التي توارثوها من تبابعتهم بدء من التبع أسعد الكامل وانتهاء بسيف بن ذي يزن الذي بشر عبدالمطلب بظهور النبي وعرفه به . الاحاديث التي وردت في فضائل اليمانيين كانت تعبر عن حقيقة إيمانهم و سابقيتهم منذ العصور الأولى في نصرة الدعوة فقد انفذوا بعوثهم الى يثرب قبل نحو الف عام من البعثة المحمدية بانتظار الدعوة مثلما أنفذ اليهود بعوثهم الى يثرب بانتظارها مع فارق ان اليهود كانوا يرجون أن يكون الرسول منهم فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين . من أعجب عجائب ايمان اليمانيين ليس انقيادهم وطاعتهم للدعوة بغير قتال بل بمجرد مجيء الرسل من رسول الله إليهم لأن علومهم السابقة كانت ترفد هذا الايمان بل والأعجب من ذلك وهذا هو المهم أنه عندما فكر الخليفة ابو بكر الصديق رضي الله عنه في أن يبعث بعوثه للشام ارسل كتابه الى ملوك اليمن يبعثون اليه بالمقاتلين لفتح الشام ورغبهم في الجهاد فلم يلبث إلا قليلا حتى جاءه ملوك اليمن بنسائهم وأولادهم وأموالهم ولم يدخروا شيئا . جاء في كتاب فتوح الشام للواقدي .. فلما قرب ذو الكلاع الحميري من الصديق رضي الله عنه أحب أن يعرفه بمكانه وقومه وأشار بالسلام وجعل ينشد ويقول : أتتك حمير بالأهلين والولد أهل السوابق والعالون بالرتب أسد غطارفة شوس عمالقة يردوا الكماة غدًا في الحرب بالقضب الحرب عادتنا والضرب همتنا وذو الكلاع دعا في الأهل والنسب دمشق لي دون كل الناس أجمعهم وساكنيها سأهويهم إلى العطب قال : فتبسم أبو بكر الصديق رضي الله عنه من قوله ثم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : يا أبا الحسن أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إذا أقبلت حمير ومعها نساؤها تحمل أولادها فأبشر بنصر الله على أهل الشرك أجمعين) قال: نعم وأنا سمعته منه . في العام الماضي طًلب مني القيام بمهمة بسيطة في جزيرة سقطرى وبرغم أن السفر يصبح في مرحلة من مراحل العمر مشقة على الانسان إلا أن حلم رؤيا سقطرى قد استوطن القلب كما استوطنت شجرة دم الاخوين تلك الجزيرة الحبيبة من أرض التبابعة . ذهبت وأنا مسكون بالدهشة ونزلت بها وفي ذهني كل أطياف الماضي والحاضر وكل المعارف الغريبة منذ قرأت قبل نحو أربعين عاماً عن سقطرى في مجلة العربي وكان هذا أول العهد بمعرفة سقطرى التي ارتبط اسمها بشجرة دم الأخوين التي ظلت صورتها منذ ذلك الحين محفورة في الذاكرة . أشد ما آسفني أنني أتيت الجزيرة وهي تشكو من الجفاف وقد كان هذا الحال بادياً على ملامح الجزيرة ولازال الحال قائماً فيها منذ العام الماضي حيث ظللت من حينها أسال كل من جاء من أهلها هل نزل المطر و ظل الجواب بالنفي أسأل الله أن يسقينا الغيث الهنيء المدرار وأن يجعل لسقطرى نصيبها الوافر من رحمته.. أول ما لاحظت أن أشجار الجزيرة التي كنا نمر عليها من المطار وحتى مدينة "حديبو" على مستو ى واحد من العلو وأنها تصطف كالجند في الساحات متسقة رغم أن يد الانسان لم تعمل شيئا في زراعتها ولا تقليمها ولا ترتيبها . وكانت الأحجار والصخور التي نحتتها الرياح عبر الأعصار تتخذ لها مواقع وأشكالا خرافية كأنما هي لوحات سريالية . تمر عليها وكأنها جميعا تسلم عليك وتخاطبك بمختلف إيحاءاتها , وكانت الرمال البيضاء التي تسفها الرياح من الشاطئ تتسلق الجبال فتبدو لك من قريب ومن بعيد كأنها غطاء من الثلج الابيض . أما المياه الزرقاء الصافية التي تكشف ما تحتها من شعب مرجانية ومخلوقات مائية فتصطادك إليها قبل أن تفكر باصطيادها . سقطرى كانت جزءاً أساسياً من ممالك التبابعه منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة وقد ورد اسمها في التاريخ باسم "سكرد" وكانت مصدرا أساسيا من مصادر المر والبخور ومختلف المنتجات العطرية التي كانت تحتاجها معابد مصر والهند وفارس والصين وكانت في فترة من تاريخها سوقاً عالمياً تتلاقى فيها كل منتجات الأرض . كم تمنيت أن كل أسرة يمنية تذهب لترى جزيرة أجدادنا التبابعة وليروا أصولنا الحميرية والسبئية فيها .