السؤال في العنوان هو اختصار لسؤال أطول بقليل: «ما هو الشيء الأهم الذي كان يشغل بال الرئيس وهو يستيقظ صباح اليوم؟» ما الذي يقلقه أكثر؟ وهل يخطر في باله وهو يستيقظ ذات صباح شيء له علاقة بالهموم اليومية التي تثقل كاهل المرأة أو الرجل اليمني البسيط، مثل عامل تعب من الانتظار على رصيف الشارع، ويخشى أن يعود إلى زوجته وأطفاله بدون كيس الخبز وعلبة الزبادي. أسأل عن الأشياء التي استيقظ الرئيس وهو يفكر فيها من أجل شعبه، وأنسى أنه ربما لم ينم الليلة الماضية، همومه كثيرة، ومتاعبه مع الذين يتهددهم بالعقوبات لا تنتهي، وعلى باب منزله ثمة مظاهرات يومية لا تتوقف، وأمامه تركة ثقيلة من الخراب لا يدري ما يفعل حيالها، وهناك القوى الدينية التي لا تزال تتقاتل بسبب مشاكل أبناء قريش قبل 1400 عام، ثم هذه القوى الدولية والإقليمية التي تساومه وتبتزه وتغريه، وأحيانا تملي عليه ما لا يرغب فيه.
الرئيس مشغول جداً أعرف ذلك، ولذلك أشعر بالحزن أن الرئيس الذي تحمستُ له كثيراً غرق وسط تلك التفاصيل والقضايا الكبرى، ونسي ما يجب أن ينشغل به أولاً لأجل المواطن الذي انتخبه، المواطن الذي يشبهني أنا، لا الذي يستطيع أن يزور الرئيس أو يتصل به في أي لحظة.
الرئيس الذي ظننت يوماً أنه يشبه أحد أفراد عائلتي، أكاد اليوم لا أعرفه وهو مسترخٍ في مقعده ويتحدث بهدوء عن «التحول التاريخي غير العادي»، ثم يرطب شفتيه بطرف لسانه قبل أن يعلن كما المرات السابقة أن «عجلة التاريخ لن تعود إلى الوراء».
يبدو هادئاً ومتماسكاً أكثر من اللازم لكن هذا الحديث القوي والجماهيري لم يعد ينفذْ إلى داخلي، كأن هذا الخطاب موجه للقوى المتصارعة ومن الصعب وضعه في خطاب رئيس لشعبه وناخبيه، هو لا يعمل ما فيه الكفاية تجاه الخدمات الأساسية التي يجب على الدولة أن توفرها لجاري وصاحب الفرن وسواق التاكسي وصاحب عربية البصل والطماط.
لقد تحمستُ كثيراً لانتخابات الرئيس هادي، وأجدُ نفسي واقعاً في ورطة أنني لا أستطيع الاستغناء عن هذا الرجل أو التخلي عن الأمل فيه، وأقول دائماً إنه علينا أن ندعم هذا الرجل لأنه الوحيد القادر في هذه المرحلة أن يتحرك، وعندما يقتل الناس في الشارع وتتكرر الاعتداءات على خطوط الكهرباء والنفط، أصرخ مع الكثيرين: « تحرك يا رجل، إعمل شيئاً أفضل من هذا» وهو يستجيب أحياناً لكن بدون تأثير، ولا يظهر كما نود أن يكون الرئيس الذي نريد. ولا أدري إن كان من بين أصدقاء الرئيس وحاشيته من يقول له: «انتبه، ليس كل شيء كما يرام، وعلينا أن نعمل بجهد أكبر».
يحتاج المواطن البسيط إلى الشعور بأن هذا الرئيس قوي ويقف إلى جواره، وأنه يمكن الاعتماد عليه، والرئيس يستطيع أن يفعل ذلك، ويكون صريحاً مع الناس ويخاطبهم مباشرة، ويقول لهم ماذا يفعل ولماذا يحدث ما يحدث، هو الرئيس وعليه أن يتصرف، لا أن يلقي بالأعذار على الآخرين وكأنه مجرد مشاهد يتفرج ويشعر بالأسى وحسب.
في الفيلم الأمريكي الذي يصور عملية ملاحقة بن لادن وقتله (zero dark thirty) تعود بطلة الفيلم إلى مقر الاستخبارات وتعرض على مديرها المعلومات الخطيرة التي قادتها إلى مخبأ بن لادن، لكن المدير يتردد في إرسال الجنود قبل أن يتأكد من صحة المعلومات. تعود إلى مكتبها والقلق يستبد بها، وفي اليوم الثاني عادت إلى مكتب المدير وكتبت في الجدار الزجاجي لمكتبه وأمام وجهه تماماً رقم واحد، ثم استمرت على مدى أسابيع وهي تكتب يومياً عدد الأيام التي مضت وهو لم يفعل شيئاً حتى اليوم الذي أرسل فيه طائرتي الهيلوكبتر إلى المنزل الذي تأكد لهم في لحظتها إن المعلومات صحيحة وأن بن لادن كان يختبئ فيه.
كانت فكرتها تعتمد على إيصال الرسالة التالية: «الأيام تمضي وأنت لم تفعل شيئاً». ولقد خطر في بالي وأنا أتذكر الفيلم عدة لوحات كبيرة في مكتب الرئيس هادي، تشير واحدة منها مثلاً إلى الأيام التي مضت منذ مقتل الشابين في شارع الخمسين والقاتل لا يزال طليقاً، ولوحة أخرى عن الأيام التي مضت منذ آخر تهديد له للمعتدين على خطوط الكهرباء والنفط، ولا أحد منهم في السجن.
مثل هذه الأشياء التي لها علاقة بالأمن والكهرباء وهيبة الدولة التي يحتمي تحت ظلها الذين ليس لهم سند من نافذ أوقبيلة، هي ما يجب أن يشغل بال الرئيس وأن تكون أول شيء يخطر في باله عندما يستيقظ من النوم وعندما يأوي إلى فراشه، وعندما يبدأ في عد الأيام التي تفصله عن شهر فبراير المقبل، إن أراد أن يظل طيب الذكر عند الأجيال المقبلة.