تمرّ علينا الذكرى الخامسة والثلاثون لتأسيس حزب التجمع اليمني للإصلاح، الحزب الذي وُلد عملاقاً منذ لحظة إعلانه في 13 سبتمبر 1990، في ظرف تاريخي فارق أعقب تحقيق الوحدة اليمنية وإقرار التعددية السياسية. منذ ميلاده برز الإصلاح كتيار واسع الأفق، واضح الهدف، نبيل الغاية، متنوع الوسائل، جامعاً بين الأصالة والمعاصرة، ومعبّراً عن الإرادة الشعبية. لقد أبدع المؤسسون من سياسيين ومفكرين وعلماء ودعاة ووجهاء في وضع اللبنات الأولى لهذا الكيان الكبير، فبنوا حزباً منفتحاً على المجتمع بكل فئاته، ونشروا الفكر الوسطي المعتدل، متجاوزاً العصبيات والانتماءات الضيقة، ليصبح بحق بيتاً لكل اليمنيين، ومظلة جامعة لمختلف المشارب والمناطق. انطلق الإصلاح عبر مسارات متكاملة سياسية، وتربوية، ودعوية، واجتماعية، وإنسانية، وكان حضوره بارزاً في الساحة السياسية منذ أول انتخابات تعددية، حيث شارك الإصلاح في السلطة من خلال مجلس الرئاسة ومجلس القيادة الرئاسي أو عبر حكومات ائتلافية متعددة، وأسهم في إدارة الدولة، مقدماً تجربة ثرية أسهمت في ترسيخ قيم التعددية والعمل المؤسسي، ونموذجاً للتعايش السياسي رغم التحديات والتعقيدات، كما تميزت تجربته البرلمانية بدور فاعل في التشريع والرقابة وتعزيز التجربة الديمقراطية الناشئة، وفي المحطات الوطنية الكبرى، وقف صلباً مدافعاً عن وحدة الوطن ضد مشروع الانفصال، وفي مواجهة الانقلاب الحوثي كان في طليعة القوى المدافعة عن الجمهورية، مقدماً تضحيات جساماً من قياداته وأعضائه وأنصاره بين شهيد وجريح ومعتقل ومشرّد، كما كان الإصلاح في مقدمة من أدان الإرهاب ورفض المساس بالحقوق والحريات، مؤكداً على كرامة الإنسان وحقه في الحياة الكريمة، واهتم بالمرأة، فشجعها على التعليم، ومكّنها من المشاركة في العمل الاجتماعي والسياسي في إطار الضوابط الشرعية، ولم يقتصر دوره على السياسة والفكر، بل تجلّى نشاطه الإنساني في ربوع الوطن عبر الجمعيات والمؤسسات الخيرية التي خففت من معاناة الناس، وكغيره من الأحزاب، لم يخلُ الإصلاح من الملاحظات والانتقادات، بعضها نابع من اجتهادات بشرية قابلة للمراجعة، وأخرى بفعل خصومات سياسية وحملات استهداف، لكنّ شجاعة الاعتراف بالمآخذ تظل ميزة تمنح الإصلاح فرصة لمراجعة مساره وتجويد تجربته. اليوم وبعد خمسة وثلاثين عاماً، يقف الإصلاح أمام تحديات جسيمة على صعيد القيادة والرؤى وتجديد الوسائل بما يتناسب مع متغيرات الواقع، وتبقى التطلعات كبيرة لأن يظل الإصلاح صوتاً للوطن والمواطن، مدافعاً عن قضاياه، حاملاً مشروع الحرية والعدالة والشراكة الوطنية، ليبقى كما بدأ عملاقاً وطنياً شامخاً في مسيرة اليمن الحديث.