(مُوَشَّحُ الأَلَمْ) للأستاذ عبدالفتاح جمال القصيدة التي ولدت في ضوء الشمعة
عام 1978م حضرت مع الأستاذ عبد الفتاح جمال رحمه الله محاضرة في دار الكتب بصنعاء، الوقت بعد صلاة العشاء - المحاضر العالم المشهور الشيخ حسن محمد أيوب - وعنوان المحاضرة (الإيمان الحي والإيمان الميت)، طاف بنا الشيخ في أحوال المسلمين والتحديات التي تواجههم، داعيًا إلى شحذ الهمم للعودة إلى الله، وتقوية الإيمان، واجتماع الكلمة، ونبذ الفرقة والخلاف، وتوحيد الصف لمواجهة التحديات والمخاطر المحدقة بشعوبنا وأوطاننا.
خرجنا من المحاضرة ونحن في غاية التأثر والحماس، وذهبنا سويًا إلى منزلي المتواضع في بير الدار، وقلت للأستاذ عبد الفتاح: الليلة أنتظر منك قصيدة، فقال: اتركني وحيدًا في الغرفة، وأحضر لي شمعة، ففَعلتُ.. وفي الصباح سلمني القصيدة طازجة لأكون أول من يقرأها، وقد خرجت قطعة أدبية رائعة، عميقة المعاني، قوية الكلمات، بالغة التأثير، وحفظتها عن ظهر قلب، ولم نتوقع أن تأثيرها سيكون له دوي في الآفاق، يرددها الدعاة والشباب والأدباء، ويجد فيها المُجهَدُون والخائفون والمشفِقون سلوى لنفوسهم وطمأنة لقلوبهم!!
القصيدة تعكس الألآم والأحزان التي حلت بأمتنا، ومظاهر الضعف التي أدت إلى المزيد من الفرقة والانحراف والفساد الذي انعكس على شعوبنا وأمتنا، لكنها تفتح باب الأمل، وتؤكد أن أمة الإسلام ولَّادة بالخير، تحمل في أحشائها أجيالًا ستخرجها من حالة الركود، والضعف والذل إلى مراقي الحيوية والقوة والعزة.
لقد ظللت أترنم بالقصيدة في المجالس والمحافل، وأتذكر عندما كنت في زيارة رسمية لتونس عام 1987م، وبعد مأدبة غداء حضرها عدد من المختصين والمسؤولين التربويين دار بنا الحديث حتى وصلنا إلى القصيدة فألقيتها عليهم، فأعجب الحاضرون بها إعجابًا كبيرًا، وطلب مدير مركز البحوث التربوية في تونس أن أكتبها له، ليجعلها في مقرر كتاب النصوص ليستفيد الطلاب من المعاني والقيم العظيمة التي تضمنتها.
مازلت أحفظ القصيدة كما ولدت ليلتها، ولكن الأستاذ عبد الفتاح أدخل عليها لاحقًا بعض التعديلات والتحسينات وجعلها في مقاطع موزونة ومرتبة بشكل أفضل، فصارت خمسة وثلاثين بيتًا، موزعة على سبعة مقاطع، كل مقطع يقدم صورة تشعَّ بهاءً وجمالًا، وترسم حروفه وكلماته لوحة فنية بديعة، ويتناول مشهدًا متكاملًا، ويعبر عن فكرة عميقة المعاني، تستجيش مشاعر الاعتزاز بالمبادئ والقيم الإسلامية، وتستثير الحماس لتغيير الواقع المأساوي لأمتنا، وعدم الاستسلام لدعوات الضعف والانهزام.
وظهر جمال الموشح في موسيقى الوزن والقافية الذي يطرب القلب ويريح الجوارح والأعصاب، وقد جعل جميع المقاطع السبعة تنتهي ببيتين بقافية واحدة، تجعل قارئ القصيدة(الموشح) يسبح في عالم الجمال الأدبي ويستمتع بحلاوة الإيقاع والصور البلاغية.
في 2022/11/5م تكرم الأستاذ عبدالفتاح وسجل لي هذه القصيدة بصورتها النهائية، جعلها الله في ميزان حسناته، والآن تعالوا نقرؤها كما قالها بصوته رحمه الله:
كَفىٰ يا شيخُ قدْ أذرفتَ دَمْعِي وأَذكيتَ المَزيدَ من الجِراحِ فعِنْدي من ضَنَىٰ الآلامِ فَيْضٌ يُنَغِّصُ لي سُوَيْعَاتِ انْشِرَاحِي وفي قَلْبِي جِراحَاتٌ وهَمٌّ يُعَاوِدُ في المَسَاءِ وفي الصَّباحِ وأُخْرَىٰ في ضِمِيرِي أرَّقَتْنِي جِرَاحٌ شَاكِيَاتٌ مِنْ جِرَاحِي لقَدْ أَبْكَيْتَنِي يَا شَيخُ لَمَّا طَفِقْتَ اليَومَ تَنْكأُ لِي جِرَاحِي