بالتزامن مع مرور ثماني سنوات على اختطاف التربوي الأستاذ زكريا أحمد قاسم، شهدت منصة "إكس" حملة إلكترونية واسعة أعادت قضيته إلى الواجهة، وسط تفاعل لافت يعكس تصاعد الغضب الشعبي من استمرار الإخفاء القسري دون مساءلة أو توضيح رسمي. وانطلقت الحملة مساء أمس تحت وسم #زكريا_قاسم_8سنوات_من_الاختطاف، وسرعان ما تحوّل إلى ترند، متصدّرًا قوائم التداول بآلاف المشاركات من صحفيين وناشطين وحقوقيين وإعلاميين، لتصبح خلال ساعات قضية رأي عام حاضرة بقوة. ودعا المشاركون في الحملة المجلس الرئاسي والحكومة والسلطة القضائية إلى تحمّل مسؤولياتهم، مطالبين بفتح تحقيق شفاف يكشف مصير زكريا قاسم وكافة المختطفين قسريًا، وسرعة الإفراج عنهم ووضع حد لحالة الإفلات من العقاب. كما أعادت الحملة تسليط الضوء على عشرات القضايا المماثلة في العاصمة المؤقتة عدن، مؤكدين أن استمرار تغييب شخصيات مدنية دون محاكمة يشكل انتهاكًا صارخًا للقانون ويقوض أي حديث عن دولة ومؤسسات. نموذج لسلوك قمعي ركز ناشطون وإعلاميون على وصف جريمة الإخفاء القسري وآثارها الممتدة. حيث قال الناشط عبدالكافي مرشد إن تغييب زكريا قاسم خلّف معاناة طويلة الأمد لا تطال الضحية فقط، بل تمتد إلى أسرته ومحيطه الاجتماعي. واعتبر مرشد أن استمرار احتجاز زكريا ورفاقه يمثل نموذجًا لسلوك قمعي، منتقدًا صمت المنظمات الحقوقية والنخب الثقافية وصناع الرأي، ومؤكدًا أن تجاهل هذه القضايا أسهم في إطالة معاناة أسر المخفيين قسريًا. من جهته، أعاد الصحفي توفيق أحمد التذكير بشخصية زكريا التربوية والاجتماعية، مشيرًا إلى أنه شخصية معروفة في عدن وناشط تكافلي وعضو مجلس محلي منتخب، اختُطف من أمام منزله دون معرفة الأسباب أو توجيه أي اتهام. كما وصفت الإعلامية فيروز حميد سنوات الاختفاء بأنها دليل على فجوة خطيرة في تطبيق القانون، مشيرة إلى أن الإخفاء القسري ليس حادثة عابرة، بل عقوبة جماعية تطال الأسر، وتحول الانتظار إلى معاناة نفسية وإنسانية يومية. بدوره، وصف الصحفي عبدالرقيب الهدياني تجربة الأسر بأنها مأساوية، قائلاً: "ثماني سنوات على اختطاف زكريا قاسم هي نموذج واحد فقط من عشرات القصص. آلاف الأيام مرت على أسر المخفيين، كل يوم منها يترك جرحًا جديدًا ويعقد عقدة ألم في قلوبهم." دعوات للتحرك والمساءلة برزت في الحملة دعوات صريحة لتحمل المسؤولية وإنهاء الصمت الرسمي، حيث شدد الناشط حسين الأصبحي على أن استمرار الإخفاء القسري مسؤولية مباشرة تقع على السلطات المحلية، مطالبًا بتدخل عاجل لكشف مصير زكريا قاسم وضمان حقوق المخفيين. ودعا الأصبحي مجلس القيادة الرئاسي والجهات الأمنية والتحالف العربي والمجتمع الدولي إلى ممارسة ضغط جاد لتحريك الملف، معتبرًا أن الصمت الدولي يسهم في استمرار الظلم ويقوض فرص العدالة لأسر الضحايا. وقالت الناشطة أمة عارف من عدن: "كان زكريا قاسم في الصفوف الأمامية للعمل الإنساني، وفُوجئ بالإخفاء القسري. ثماني سنوات مرت على اختفائه بلا تهمة أو محاكمة، والصمت على هذه الجريمة يوازي المشاركة فيها. نطالب بالإفراج الفوري عنه وكشف مصيره، ومحاسبة المسؤولين عن اختطافه." من جهتها، أكدت الناشطة زينب الشريف أن الذكرى الثامنة لاختطاف زكريا قاسم تمثل دعوة للتحرك لا مجرد تذكير، مشيرة إلى أن أسرته عاشت سنوات طويلة على أمل خبر أو مكالمة، في ظل غياب أي إجابة رسمية. وأضافت الشريف أن غياب زكريا، بما يمثله من قيمة تعليمية وإنسانية، لا يُعد فقدان شخص واحد، بل تغييب دور مجتمعي مؤثر، مؤكدة أن استمرار الصمت الرسمي يجعل الانتهاك قائمًا ويضاعف معاناة الأسر عامًا بعد آخر. واقعة الاختطاف تعود تفاصيل القضية إلى فجر 27 يناير 2018، حين أقدمت قوة مسلحة تابعة للمجلس الانتقالي على اقتياد زكريا قاسم من أمام منزله في مديرية المعلا، في عملية مفاجئة لم تُسبق بأي مذكرة قانونية أو توضيح رسمي لأسباب الاحتجاز. وعقب الحادثة، تلقت الأسرة تطمينات من إدارة أمن عدن بأن الاحتجاز مؤقت ويخضع لإجراءات تحقيق روتينية، ما دفعها إلى تجنب التصعيد الإعلامي أملاً في الإفراج القريب، وهو ما لم يتحقق رغم مرور سنوات طويلة. وتشير إفادات لاحقة للأسرة إلى أن مدير أمن عدن حينها أقر في البداية بوجود زكريا رهن الاحتجاز، قبل أن ينكر لاحقًا أي معرفة بمكانه، ما حول القضية من اعتقال تعسفي إلى إخفاء قسري مكتمل الأركان. ويمثل زكريا قاسم نموذجًا لشخصيات مدنية لعبت أدوارًا تربوية وإنسانية بارزة خلال الحرب، وحظيت بثقة المجتمع المحلي، قبل أن يتحول اسمه إلى واحد من أبرز ملفات الإخفاء القسري في العاصمة المؤقتة منذ سنوات. قرارات بين الأمل والتنفيذ أعادت التطورات السياسية والأمنية الأخيرة في عدن والمحافظات المحررة ملف السجون السرية إلى الواجهة، مع صدور قرارات رسمية بإغلاق كافة السجون والمعتقلات السرية والإفراج عن المحتجزين خارج إطار القضاء، ما أنعش آمال عشرات الأسر التي طال انتظارها. وتزامن ذلك مع تصاعد مطالب شعبية وحقوقية بترجمة هذه التوجهات إلى خطوات عملية تكشف مصير المئات ممن تعرضوا للإخفاء القسري خلال السنوات الماضية، وتنهي حالة الغموض والمعاناة التي لا تزال تثقل كاهل أسر فقدت أبناءها دون تهم أو محاكمات. وفي تصريح سابق ل"الصحوة نت"، قالت سهام قاسم، شقيقة التربوي المختطف، إن الحديث عن إغلاق السجون غير الشرعية أعاد بصيص أمل للأسر المنهكة، معتبرة أن هذه القرارات تمثل فرصة حقيقية لإنصاف الضحايا إذا ما نُفذت على الأرض. وأوضحت قاسم أن سنوات الغياب الطويلة جعلت أصوات الأسر تصطدم بحواجز من الصمت والتجاهل، مؤكدة أن التنفيذ الفوري للقرارات المعلنة هو السبيل الوحيد لإنهاء معاناة ممتدة لا تزال آثارها النفسية والإنسانية حاضرة بقوة. وشددت على أن قضية الإخفاء القسري تجاوزت إطارها الأسري لتصبح أزمة مجتمعية عميقة، داعية مجلس القيادة الرئاسي ووزارة الداخلية والحكومة إلى متابعة تنفيذ القرارات، وإغلاق السجون السرية، والإفراج عن المختطفين، وإنهاء أحد أكثر الملفات الإنسانية إيلامًا في البلاد.