رسم التقرير السنوي الذي أصدرته منظمة صحفيات بلاقيود عن الحقوق والحريات للعام الماضي,صورة قاتمة ربما لم تختلف كثيرا عن الأعوام السابقة وإن كان الجديد فيها أن هذه الانتهاكات تحدث بعد التغيير الذي شهدته البلاد ولا تزال تعيش على وقعه لنقلها لشاطئ الأمان. التقرير سجل وقوع 138 حالة انتهاك تعرض لها الصحفيون تنوعت بين التهديد بواقع 30 حالة, والشروع في القتل بعدد 10 حالات، فيما بلغت حالات الاختطافات والإخفاء 9 حالات،بينما تعرض ثمانية صحفيين للاحتجاز. ووثق التقرير مقتل صحفي ومحاولة اختطاف وثلاث حالات اعتقال,وبلغت حالات المحاكمات والأحكام الصادرة عنها ست حالات وتكررت حوادث السب والتحريض والمنع من التغطية والفصل التعسفي,فضلاً عن الاختراق والحجب وإحراق الصحف واقتحام منازل الصحفيين. ولا تزال الجهات التي تقف وراء الانتهاكات – وفق التقرير – هي ذاتها التي اعتادت على التنكيل بالصحفيين باعتبارهم الصيد السهل قبل ثورة 11 فبراير 2011 والتي لا يروق لها عمل الصحفيين وأداء رسالتهم الكاشفة للحقيقة للرأي العام. لكن رغم هذه الصورة القاتمة إلا أن سقف الحريات مرتفع باضطراد أكبر من ذي قبل ولا مقارنة في حرية الإعراب عن الرأي بالكتابة والصوت والصورة أو بمختلف أشكال التعبير,بل إن الممارسة الصحفية تجاوزت الضوابط وأخلاقيات المهنة واستغل البعض ثورة الحرية للإساءة للمهنة باختلاق الأخبار ونشر الشائعات والاعتماد على المصادر المجهلة في نسب المعلومات. لقد رفعت الثورة سقف الحرية إلى عنان السماء ووجد اليمنيون جميعاً متنفسهم في التعبير عن حقهم قولاً أو فعلاً في أي وقت دونما خوف أو مراعاة منصب هذا الشخص أو تلك الجهة وأصبح جميع المسئولين في مرمى النقد والتناول الإعلامي. على الصعيد الرسمي,لم تعد الحكومة طرفاً في الجبهة المعادية للصحفيين كما كان الحال في السابق,حيث كانت الحكومة تعد القوانين المقيدة للحريات وتقدمها للبرلمان لإقرارها وتحرض عبر مسئووليها جهاراً وفي منابر الإعلام الرسمي على استهداف الصحفيين وتصويرهم كأحد المخاطر التي تهدد البلاد وتمس وحدته ونسيجه الاجتماعي ولهذا تم تأسيس محكمة الصحافة التي يقول عنها خبراء القانون إنها استثنائية وغير قانونية وهكذا كان يتم استنزاف الصحفيين لجبهات غير ميدان معاركهم الحقيقية وشهدنا محاكمات سياسية وأحكاما بالجملة لإسكات المعارضين للأداء الخاطئ للقائمين على حكم البلاد. صحيح أن بعض المنتسبين للجيش والأمن يمارسون الانتهاكات بحق الصحفيين ولا يزالون يسيرون على ذات المنهج القمعي الذي طوته الثورة لكن هذا لا يعني أن الانتهاكات ممنهجة ومدبرة من الجهات التي ينتمون إليها بدليل أن هذه الجهات اعلنت إدانتها في أكثر من حادثة استهدفت شخصيات مختلفة كما اعتذرت للضحايا وأجرت تحقيقات مع المتهمين وأكدت احترامها لعمل الصحفيين,وهذا لا يبرر ضعف أو عجز الحكومة عن القيام بواجبها تجاه حماية الصحفيين. المشكلة في الجهات غير الرسمية التي تريد تغييب شهود الحقيقة عن تصرفاتها وسلوكياتها العابثة بالأمن والاستقرار ولا تستطيع فعل ذلك إلا في غياب الكاميرا والقلم وهذا ما يبرر رفض بعض أطراف الصراع السماح للصحفيين ومراسلي وسائل الإعلام الخارجية التواجد في جبهات القتال لنقل الحقيقة للناس حتى لا تظهر جرائمها ويسقط القناع عنها. في أجواء الصراعات ومراحل التحول الديمقراطي كالتي تشهدها اليمن يسعى كل طرف لتوظيف الصحفي كبواق يروج ويمجد موقفه ويتحول لمحارب في ساحة الكلمة في إطار تجيير كل شيء ضد الطرف الآخر في معادلة الصراع,ويصبح الصحفي في هذه الحالة أخطر من المحارب حامل السلاح كون ضحايا المعلومة الكاذبة يفوقون ضحايا الرصاصة الواحدة التي قد تقتل شخصاً. من حق الصحفيين أن يحصلوا على الحرية الكافية لممارسة مهامهم على أكمل وجه وعلى السلطات المعنية توفير الحماية وتسهيل تحركاتهم وتمكينهم من الحصول على المعلومة الصحيحة من مصدرها دون تحريف أو تضليل ضمن مصفوفة إجراءات شاملة تضم مناخآ قانونيآ وتشريعيآ مناسبآ يضمن أيضاً الحياة الكريمة واللائقة كي لا يتحول الصحفي إلى مشروع استقطاب تتسابق عليه الجهات القادرة على الاحتواء والضم. ثمة واجب وطني وتاريخي وأخلاقي على الصحفيين تجاه البلاد في ظل الأوضاع الذي تعيشها على مختلف المستويات والتي تستوجب توخي الحذر والحيطة من مغبة نشر معلومات كاذبة ودعايات تساهم في تسميم الأجواء وتزيدها تلبداً وغموضاً وترفع درجة حرارة بؤر التوتر وتغذي خطاب الكراهية والعنف وتؤثر سلباً على السلم الاجتماعي والأمن العام. إن الصحفيين مطالبون بالتزام خطهم التنويري الذي ساروا فيه مع أبناء شعبهم في الثورة ودفعوا ثمن فاتورة الحرية وهذا يضاعف المسئولية الملقاة على عاتقهم أكثر من غيرهم سواء بنقل الحقائق للشعب أو توضيح طبيعة المشكلات التي تعاني منها البلاد دون توظيف على حساب المصلحة العليا. المراقب لأداء كثير من وسائل الإعلام يجد تجاوزات كثيرة بشكل يومي وتعمد اللجوء للشائعات التي تضر بمصالح الناس وتفقد المهنة رأسمالها وهي المصداقية حتى أصبح المواطن العادي لا يصدق كثيراً ما تنشره الصحف أو المواقع الالكترونية بسبب ممارسات غير مسئوولة لا تراعي قيما للمهنة ولا للانتماء الوطني. من حق الصحفي أن يدافع عن الجهة التي ينتمي إليها ويبرر مواقفها غير أن هذا ينبغي أن يكون في إطار مسئوول وصائب وليس التعصب الأعمى الذي يجعله يدافع عن الباطل كأنه الحق ويصير همّه مصلحة حزبه أو قبيلته أو منطقته على حساب الحقيقة ورسالته المهنية. نشجع الأداء المهني الجاد لبعض وسائل الإعلام سواء تلك التي تفضح الفساد وتذكر المسئولبن بواجباتهم الدستورية أو تلك التي تحاول قدر الإمكان التزام الصدق والموضوعية فيما تنشره وتضع في اعتبارها احترام عقل القارئ وخدمة قضاياه ونقل معاناته. لا ينتظر أحد وجود جهة رقابية لكي يهذب سلوكه وأدائه لأن خوفه من عدم نقل الحقيقة لن يكون من منطلق احترامها أو التزامه بقيم المهنة التي يعمل فيها وإنما خشية عقاب قد يقع عليه لتجاوزه أو خروجه عن الطريق الصحيح,وفي هذه الحالة لن نصنع صحفياً مسئوولاً يضع قيمة لضميره وأخلاقه وقبل هذا يخاف ربه,وعلى العكس سنجد صحفيين يحملون معاول الهدم وأعواد الكبريت لإشعال النار في أي مكان والخاسر هنا الوطن والمواطن. نريد إعلاماً مسئولاً يلتزم بالضوابط والمعايير المهنية لا إعلاماً منفلتاً هداماً يتجاوز كل الخطوط دون أن يتحاسب القائمون عليه على أخطائهم إن لم يتحولوا إلى رموز مقدسة تستحق التعاطف والتضامن في حال قُدمت للقضاء. الحرية في أبسط تعريفاتها:ممارسة حقوقك دون التعدي على حقوق الآخرين.مثلما نعيش في زمن الحرية علينا في المقابل الحفاظ على سقفها وتنظيم ممارساتها حتى لا تتحول لمهنة غير جليلة ومحترمة أو تصبح ملجئاً لكل من هبّ ودبّ من الدخلاء وما أكثرهم في بلاط صاحبة الجلالة. [email protected]