الثورات العربية أطلقت اللجام وحررت الأقلام وأصبحت ساحاتنا السياسية والثقافية والفكرية مثل الماراثون الذي تختلط فيه الفئات والأعمار, بدون ضابط وتحفّظ, وأصبح مصطلح التحرر وحرية الرأي مثل حبل الغسيل, وكلٌ يفهم أدواته وآلياته ويستخدمها ويباشر تنزيلها على الواقع وفق هواه, وعلى ضوءه – الهوى – يحدد لنفسه معيار التعامل من حيث القوة والشدة والعنف أحيانا مع غيره, وكل هذا يدرج – ظلما وتعديا – تحت سقف مبدأ التحرر وحرية الرأي. هذا الواقع فرض علينا التعايش معه والتمشي مع مخرجاته, وليس معنى ذلك الرضا والإقرار والتسليم, فكم من الخلاف المذموم لا نستطيع دفعه وإلغاءه ونلزم الصمت أحيانا, والصمت أحيانا هو المطلب الشرعي, ولئن تظل هذه اللوثة داخل دائرة الفكر و الرأي النظري, أهون من أن تتحول إلى دينمو ومحرك ودافع يتجاوز دائرة الفكر والنظر والرأي, إلى دائرة التسلط وفرض الرأي بالقوة واسكات الآخرين. مهما كانت الأفكار التي تحملها وتسلم بها وتظن أنها الحق المبين؛ لن يوافقك عليها كل أحد, وسيكون هناك طرف آخر يمثل الاتجاه المعاكس لفكرتك, وهناك طرف ثالث يقف في الجانب الآخر منكما وينظر إليكما كمشروعين مغايرين لمشروعه, وربما رابع وخامس وسادس, هكذا هي الحياة كما خلقها الله تعالى وجعل أحد نواميسها الكونية, الاختلاف وعدم التطابق في كل شيء فقال ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين . إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ( , ومع حتمية الخلاف وفرضيته كحالة ملازمة لحركة الإنسان, لابد أن يكون هناك قانونا يمثل السقف الأعلى في ضبط اختلاف وجهات النظر يحكم التصرفات والمواقف المتخذة. هذا الاستطراد ما كنت لأرغب في طرحه لولا أني رأيت أن إخواننا في الحراك الجنوبي أكثر التيارات تجاوزا وتعديا في قضية فهم الاختلاف ووجهات النظر, وتبنّياً لخيار فرض الرأي الواحد وحمل كل الناس عليه بالقوة بل والتهديد كما حدث مع بعض الشخصيات والجهات التي لا توافقهم ولا تماشيهم في حركتهم, واستخدام بعض الأساليب الرخيصة لقمع ومنع أي مشروع لا يتوافق مع وجهتم, ولعل الحوادث والوقائع التي مضت منذ انفجار الثورة وقبلها تشهد بهذا وتؤكده. والحراك كقضية وحق لا نختلف عليها, ولن يستقيم أمر اليمن إلا بالحل العادل لهذه القضية, وسبق أن أشرت إلى هذا الأمر في أكثر من مقال, ولكن خلافنا معهم حول هذه الدمى الماركسية التي تبحث من خلال هذا الصراع عن إرثها التاريخي من خلال استغلال طاقات الشباب الراغب في حياة كريمة نزيهة, لتعود لسابق عهدها بدون أدنى محاكمة ومطالبة بالحق منهم, هنا وهنا فقط أرى أن الصفوف لابد أن تتميز, والمواقف لابد أن تتباين, مع الالتزام بأخلاقيات وآداب الخلاف. في تصوري أن هذه القضية لا زالت غائبة أو مغيبة عند إخواننا في الحراك قادة وقواعد, وأخص بالذكر قادة الحراك الذين يباركون بعض الممارسات العنترية التي ترتكبها قواعدهم بالصمت وعدم الإنكار عليهم والأخذ على أيدهم, وتعليمهم أبسط قواعد الخلاف وأبجدياته, وحق ال ( غير ) في اتخاذ الموافق والآراء التي يؤمن بها ويعتقدها, وأنهم مهما حشوا خطبهم ومحاضراتهم بالدعوة لسلمية الموقف والرأي والحرية المزعومة, إلا أننا نجد أن الأحداث التي مضت وآخرها الاعتداء على حفل إشهار علماء ودعاة الجنوب يبطل ما تلوكه ألسنتهم, وتلفظه أفواههم. لقد أدرك العالم أجمع بما فيه التيارات الفكرية والسياسية التي يزدحم بها عالمنا العربي والإسلامي أن خيار القوة لإسكات الآخر أصبح من الماضي, ولكن إخواننا في الحراك لم يستوعبوا بعد هذه الحقيقة, ولازالوا مدثرين بعباءة الماضي, فلهذا يرون أن الجنوب لا ينبغي أن يحتضن مشروعا آخر غير مشروعهم, وأن أبناء الجنوب لابد أن يعودوا لصمت تلك المرحلة والسمع والطاعة لولي أمرهم الماركسي الاشتراكي.