في زمنٍ تتقاذفه أمواج الأزمات المتلاطمة، وتثقل فيه كواهل الشرفاء بتبعات الواقع المرير وضيق ذات اليد، تبرز "عزة النفس" كآخر القلاع الحصينة التي تأبى السقوط. إنها مأساة "رب الأسرة" الذي يصارع وحيداً بين مطرقة الالتزامات المتراكمة وسندان العجز القاسي، ليجد نفسه واقفاً أمام نظرات أطفاله الحالمة ببهجة العيد، بقلبٍ يقطر دماً ووجهٍ يفيض صبراً ويقيناً. إن أصعب ما يواجهه الأب اليوم ليس شظف العيش في ذاته، بل تلك النظرة المنكسرة في عيون صغاره؛ نظرة البراءة التي لا تدرك تعقيدات "المحفظة الخاوية" أو مرارة "تأخر الرواتب". بالنسبة للطفل، العيد هو "الكسوة الجديدة" والفرحة المطلقة، ولكن بالنسبة للعائل، أصبحت هذه الكسوة هماً جاثماً أمام أولويات لقمة العيش. إنه "إحراج الأولاد" الذي يفتت الأكباد، حين يضطر للمواراة والتهرب، فتتحول ضحكات الصغار إلى طعناتٍ نافذة في صدرٍ ضاقت به الدنيا بما رحبت. وما يزيد الشجن عمقاً هو تلك "القسوة الاجتماعية"؛ حين يغيب التراحم الصادق ويحضر "ظلم الأقربين" الذين يكتفون بمقاعد المتفرجين، في زمنٍ صار فيه "الجيب" للأسف هو معيار التقدير والتبجيل. لكن الشرفاء، رغم الأنين، يرفضون مد اليد، ويحملون أوجاعهم في صمتٍ مهيب؛ صوناً لكرامةٍ لا تباع ولا تشترى في سوق الأزمات. وفي هذا الوجع، نرتجز هذه الأبيات: أتى العيدُ والجيوبُ بها خواءُ ... وحالُ الحُرِّ يَطويهِ العناءُ يُواري دمعَهُ عن طفلِ عيدٍ ... وتَقتُلهُ المطالبُ والرجاءُ رأى في عينِ طفلتِهِ سؤالاً ... به من غصةِ الحرمانِ داءُ تمنّتْ كسوةً تزهو عليها ... وفي كفِّ الأبِ الحاني فَناءُ رواتبُنا مضت خبراً بعيداً ... وضاقت بالكرامةِ أرجاءُ يمرُّ الشهرُ يتلوهُ نظيرٌ ... وما في الأفقِ للقيا ضياءُ نُقلّبُ في الدفاترِ كلَّ فلسٍ ... لعلَّ بصفحةِ اليأسِ ارواءُ ولكنَّ الغلاءَ نحيبُ صدرٍ ... وجورَ الدهرِ ليس له انقضاءُ وظلمُ الأقربينَ أشدُّ وقعاً ... إذا ما شحَّ وصلٌ أو سخاءُ يرونَ الحالَ ينطقُ بالمآسي ... وكلُّ حديثِ صحبتِهم رياءُ نُداري في المجالسِ كلَّ همٍّ ... وفي الأعماقِ موجٌ أو بلاءُ نهزُّ الرأسَ بالترحابِ دوماً ... وفي الأحشاءِ نارٌ واصطلاءُ ولكنَّ العزيزَ يموتُ صمتاً ... وما لندائهِ أبداً صداءُ يعيشُ العمرَ مرفوعَ المُحَيّا ... وإن عَصفت بساحته البلاءُ يعافُ الناسَ إن بخلوا بلُطفٍ ... ويكفيه من العزِّ الثناءُ كأنَّ الجوعَ في شرعِ المعالي ... وسامٌ لا تناله الأدنياءُ بصبرٍ صاغَ للأحرارِ نهجاً ... وفيه لعزةِ النفسِ ارتقاءُ فلا تشكُ الخلائقَ أيَّ ضيقٍ ... فعندَ اللهِ يُستقى الرخاءُ سيجلو اللهُ كلَّ عظيمِ كربٍ ... ويشرقُ بعدَ عتمتِنا السناءُ فيا ربَّ العبادِ أغِث نفوساً ... لها بالصبرِ فخرٌ واعتلاءُ وأجبرْ كسرَ من جاروا عليهم ... وعجّل بالعطا يا من تشاءُ فأنتَ المرتجى في كلِّ كربٍ ... وأنتَ الجودُ فينا والرجاءُ تولَّ الصابرينَ بفيضِ لطفٍ ... فإنَّكَ كلَّ يومٍ في علاءُ وصلِّ على النبيِّ وآلِ طهَ ... بهم يُرجى من المولى العطاءُ خاتمة: ليس العيد لمن لبس الجديد، بل العيد لمن آمن الوعيد وتراحم مع القريب والبعيد. إن معركة الكرامة التي يخوضها "العائل" في صمته هي أسمى صور الصبر الجميل، لكنها في الوقت ذاته نداء استغاثة لضمير المجتمع؛ ليكون التكافل هو العيد الحقيقي. فخلف الجدران الصامتة حكايا وجع لا تروى، وصيحات خفية لا يسمعها إلا من كان في قلبه حياة. رفقاً بالكرام، وعيداً يغسل بفيضه أوجاع الصابرين.