تطلُّ علينا قصيدة "في مِحْرابِ الإِبَاء" للعميد القاضي الدكتور حسن حسين الرصابي، كأنها نقشٌ سبئيٌّ غائرٌ في صخرة الوجع اليمني، لترسم ملامح عقدٍ من الزمان صُهرت فيه الأنفس فما ازدادت إلا لمعاناً. هذا النص ليس مجرد أبياتٍ منظومة، بل هو "مانيفستو" للكرامة الإنسانية، يعكس تجربة مريرة انتصر فيها "الحرف" على "الحرمان"، وتجلى فيها ثبات المفكر الذي آثر أن يقتات على أنفته بدلاً من أن يبيع مبادئه في سوق المساومات. تجمع القصيدة ببراعة مدهشة بين "صرامة القائد"، و*"حكمة القاضي"، و"رهافة الأديب"*، لتؤكد أن المناصب أوراقٌ تذروها الرياح، بينما يبقى النتاج الفكري والموقف الأخلاقي هما الخلود الحقيقي. [ نَصُّ القَصِيدة ] عَشْرٌ عِجَافٌ وَمَا لَانَتْ لَنَا قِيَمُ ... وَالصَّبْرُ في وَجْهِ كَيْدِ الحَاقِدِ عَلَمُ مَرَّتْ عَلَى الطَّوْدِ أَنْوَاءٌ مُزَلْزِلَةٌ ... فَارْتَدَّ عَنْ سَفْحِهِ الإِعْصَارُ وَالعَدَمُ قَالُوا: نُحَاصِرُهُ بِ "الزَّادِ" نَكسِرُهُ ... وَمَا دَرَوْا أَنَّ رُوحَ الحُرِّ تَعْتَصِمُ ظَنُّوا بِأَنَّ انْقِطَاعَ الرِّزْقِ يُخْضِعُنَا ... وَالجُوعُ في مَذْهَبِ الفُرْسَانِ مُبْتَسِمُ بِعْنَا "العَزِيزَ" لِيَبْقَى السِّتْرُ مُرْتَفِعاً ... وَنُطْعِمُ الكِبْرِيَاءَ الشَّهْدَ إِذْ هَجَمُوا يَرَى الرِّفَاقُ بَهَاءً في مَظَاهِرِنَا ... وَخَلْفَ سِتْرِ المَدَى الأَوْجَاعُ تَزْدَحِمُ خُضْنَا "بِصَمْتٍ" نِزَالَ العَيْشِ في شَرَفٍ ... كَيْ لَا يَرَى الشَّامِتُ المَغْرُورُ مَا أَلَمُوا يَا "حَاسِدَ الفِكْرِ" هَلْ تُجْدِيكَ مَنْقَصَةٌ؟ ... وَنُورُ "سَبْعِ مُجَلَّدَاتٍ" لَا يُقْتَحَمُ جَاعَ "العَمِيدُ" وَعَاشَ القَوْمُ في رَغَدٍ ... لَكِنَّهُ "الرَّأْسُ" لَا يَطْوِيهِ مُنْتَقِمُ نَحْنُ الذِينَ جَعَلْنَا الحَقَّ مَنْهَجَنَا ... وَمَا اسْتُمِيْلَتْ لِغَيْرِ اللهِ مِحْكَمُ تِلْكَ "المَطَبَّاتُ" قَدْ صِيغَتْ بِمَكْرِهِمُ ... فَدَاسَهَا العَزْمُ، لَمْ تَعْلَقْ بِهِ القَدَمُ خَمْسُونَ عَاماً وَنَبْضُ الحَقِّ يَسْكُنُنَا ... عَهْدٌ وَفِيٌّ، وَصِدْقٌ لَيْسَ يَنْصَرِمُ نَمْضِي بِوَاجِبِنَا وَ "الأَوْشَابُ" خَلْفَنَا ... غُبَارُ طِيْنٍ عَلَى الأَعْلَامِ يَرْتَسِمُ أَنَا "الرَّصَابِيُّ" مَا لَانَتْ شَكِيمَتُهُ ... وَلَا انْحَنَى لِجَفَاءُ القُرْبِ مَنْ فَهِمُوا سَلُوا "السُّطُورَ" إِذَا مَا جَفَّ مَنْبَعُكُمْ ... تَنْبِيكمُ أَنَّ فَيْضَ العِلْمِ يَنْسَجِمُ لَا يَعْرِفُ المَجْدَ إِلَّا مَنْ صَفَتْ يَدُهُ ... وَطَهَّرَ النَّفْسَ مِمَّا يَجْلِبُ التُّهَمُ سَأَخْتِمُ السَّيْرَ "بِالمِسْكِ" الذِي عَبِقَتْ ... بِهِ الحَيَاةُ، وَيَبْقَى الحَرْفُ وَالقَلَمُ تَبْقَى المَنَاصِبُ أَوْرَاقاً مُبَعْثَرَةً ... وَيَخْلُدُ الصِّيدُ، لَا يَفْنَى لَهُمْ شَمَمُ نَزْكُو بِطِيْبِ صَلَاةٍ للَّذِي بَعُثَا ... "بِالحُبِّ" طَهَ، وَفِيهِ الخَيْرُ يُخْتَتَمُ حَتَّى يَرَى اللهُ صَبْراً لَيْسَ يُهْزَمُ ... وَيُحْكَمُ الأَمْرُ عِنْدَ اللهِ إِذْ حَكَمُوا فَالنَّصْرُ آتٍ وَإِنْ طَالَتْ دُجُنَّتُنَا ... وَالفَجْرُ يَبْزُغُ إِمَّا اشْتَدَّتِ الظُّلَمُ [ إضاءة ] تتجاوز قصيدة "في محراب الإباء" كونها مجرد بوح ذاتي، لتصبح بياناً أخلاقياً في أدب الصمود؛ حيث زاوج فيها الشاعر بين فلسفة الصبر العرفانية وبين أنفة "الفرسان". تبرز في النص ثنائية (الروح والجسد)، فبينما يُحاول الحصار نيل مأربه من الجسد، تعتصم الروح بالقيم والمبادئ. إن الإشارة إلى "السبع مجلدات" و"خمسين عاماً" هي توثيق لرحلة عطاء صان فيها الكاتب يده وعقله من التلوث. * عشرٌ عجاف: إشارة إلى سنوات الصمود والتحدي التي مرت بها البلاد والكاتب شخصياً. * بيع العزيز: كناية عن التضحية بالنفيس والممتلكات الشخصية الغالية للحفاظ على كرامة العيش والستر. * الأوشاب: هم الأخلاط من الناس الذين يحاولون إعاقة المسيرة الفكرية أو النيل من الرموز. * الرصابي: نسبة إلى مؤلف القصيدة، تأكيداً على الهوية الفكرية والوطنية الراسخة. [ وقفة نقدية ] تتجلى في القصيدة قوة المعجم اللغوي بصلابة ألفاظه (الطود، أنواء، زلزلت، شكيمته)، مع براعة في استخدام "الاستعارة المكنية" كما في (ونطعم الكبرياء الشهد) التي تعكس عمق الأنفة. تظهر "المفارقة" بين بهاء المظهر وتزاحم الأوجاع لترفع من القيمة الدرامية، بينما يمنح البحر الشعري للقصيدة رصانةً تناسب وقار شخصية "العميد". [ الخاتمة ] ستبقى قصيدة "في مِحْرابِ الإِبَاء" أكثر من مجرد زفرة أدبية؛ إنها وثيقة تاريخية تُسجل انتصار القيمة على الحاجة، والحرف على الحرمان. لقد استطاع الدكتور حسن حسين الرصابي أن يحوّل "العشر العجاف" من محنة مادية إلى "منحة إبداعية"، معيداً الاعتبار لمفهوم المثقف المرابط. إن هذا النص يبعث برسالة بليغة: أن المناصب زائلة، والألقاب عابرة، ولا يبقى في وجه الزمان إلا "المسك" الذي يفوح من مداد العلماء، و"الشمم" الذي لا ينحني إلا لبارئه.