الدور السعودي في اليمن بين الواقع الداعم للدولة وخطابات التشويه    الأشول: الحكومة شكلت لجنة لمعالجة أزمة الغاز ونعمل على تعزيز مخزون السلع    تقرير بريطاني يكشف كيف تحاول واشنطن إبقاء السعودية "زبوناً حصرياً" للسلاح الأمريكي!    ردفان تغلق أبوابها أمام لجنة سعودية وتعيد خلط أوراق النفوذ جنوباً    عدن في قلب الأزمة.. قيود الحوار الجنوبي واحتجاز المقر يزيدان الاحتقان الشعبي    تراجع أسعار النفط عالميا    الأرصاد يخفض التحذير إلى تنبيه ويتوقع ارتفاعاً تدريجياً في درجات الحرارة    بعد سقوط "إل منتشو".. مونديال كأس العالم مهدد    مصادر: انقطاعات الإنترنت مرتبطة بصيانة وتحديثات لخدمة «يمن فور جي»    اللغة فعل حي    تعليق رسوم ترمب الجمركية يهبط بالدولار والنفط والعملات المشفرة    الخارجية اليمنية تؤكد دعم سيادة الكويت على مناطقها البحرية ومرتفعاتها المائية    كذب المطبلون وما صدقوا.. مجلس العليمي وأبوزرعة يفشلون في اختبار أسطوانة الغاز    الفرح: السعودية تسعى لإدامة الصراعات في الجنوب    شركة الغاز تعلن مضاعفة الإمدادات لعدة محافظات وتدعو السلطات المحلية لمنع أي تلاعب    يوفنتوس يخطط لإقالة المدير الرياضي والمدرب    هيئة المواصفات تدشن حملة تعزيز الرقابة وحماية المستهلك بذمار    الرئيس المشاط يهنئ امبراطور اليابان بمناسبة العيد الوطني لبلاده    دعا الى مواجهة العدو الإسرائيلي بالطرق السليمة والنافعة.. قائد الثورة: تصريحات ((هاكابي)) تعبر عن توجه أمريكا الداعم للعدو الصهيوني    المشروع يستهدف أكثر من 41 ألف أسرة بشكل منظم... النعيمي ومفتاح يدشنان مشروع السلة الرمضانية لمؤسسة بنيان للعام 1447ه    اليمن: حين كشف التباين الخليجي حقيقة المعركة    علوم المسلمين أسست للنهضة الأوروبية    سابقوا لتشرقوا واتقوا لتعتقوا    الإحسان في رمضان    وثائق عرفية وقبلية من برط اليمن "35"    المهندس الشغدري: انزال مخططات لقرابة 17 وحدة جوار في مديرية عنس    عبرت عن روحية التكافل الاجتماعي.. الهيئة العامة لرعاية أسر الشهداء تدشّن توزيع السلة الغذائية الرمضانية    لجان المقاومة الفلسطينية: تصريحات هاكابي تمهد للعدوان على البلدان العربية والإسلامية    تواصل بطولة الشهيد الصمَّاد للوزارات والهيئات الحكومية    نتيجة القمع الحوثي.. إب تسجل كرابع محافظة في حالات النزوح خلال العام الماضي    يجب أن تعي كلُّ النساء هذه الحقائق المهمة .. فيديو    سلطنة عمان تؤكد انعقاد جولة ثالثة من المفاوضات بين واشنطن وطهران الخميس    مأرب.. إقامة بطولة رياضية رمضانية باسم الشهيد أمين الرجوي    الحكومة: مليشيا الحوثي حولت شهر رمضان إلى موسم للقمع    صنعاء.. تعزيز قطاع الطوارئ ورفع مستوى الجاهزية    وزير الشباب والرياضة يوجّه بالبدء في ترتيبات انطلاق بطولة "المريسي" الرمضانية بعدن    أزمة سيولة خانقة في عدن ومحافظات أخرى والسوق السوداء تزدهر    افتتاح توسعة تاريخية للرواقين الجنوبي والغربي بالجامع الكبير بصنعاء    تسجيل هزتين أرضيتين في خليج عدن    تراجع الازدحام في منفذ الوديعة الحدودي    عدن تحتفل بتخرّج 97 حافظًا وحافظةً للقرآن الكريم    باريس سان جيرمان يواصل صدارته للدوري الفرنسي    اتلتيكومدريد يدك شباك اسبانيول برباعية    السيتي يتخطى نيوكاسل يونايتد ويشعل سباق الصدارة مع ارسنال    مليشيا الحوثي تنهب مخصصات دار الحبيشي للأيتام في إب    الفريق السامعي يدين العدوان الاسرائيلي المتواصل على لبنان    الحديدة.. حادث سير مروع يودي بحياة شخصين احتراقًا    الصحة العالمية: أوقفوا استهداف المستشفيات في السودان فوراً    نبيل هائل يدشن سلسلة اللقاءات التشاورية مع موظفي المجموعة    بنك الدواء يستقبل قرابة 300 حالة لمرضى القلب والضغط    المنتخب الوطني الأول يدشن معسكره الداخلي استعداد للجولة الأخيرة لتصفيات آسيا    فنانون عالميون يطالبون مهرجان برلين بموقف ضد جرائم "إسرائيل" في غزة    تسجيل أكثر من 14 ألف إصابة بمرض الملاريا في تعز خلال 2025    باحث في الآثار: تهريب نحو 23 ألف قطعة أثرية يمنية خلال سنوات الحرب    سوء فهم أم عجز أكاديمي خليجي؟    الثور مقطوع الذنب "الذيل".. والإخوان المسلمون    المجلس العالي للدولة في السلطنة القعيطية يرفض إعفاء العلامة بن سميط ويؤكد ثقته بكفاءته وخدمته لأهالي شبام    التضامن مع حاشد شهادة على الوفاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تاريخ اليمن .. مقبرة الغزاة:للباحث / عبدالله بن عامر (الحلقة الثالثة)
نشر في 26 سبتمبر يوم 30 - 07 - 2019

بحث مقارن لحملات الغزاة المتعاقبة على اليمن عبر التاريخ خلص إلى آن الغزاة لايستفيدون من التجارب
الزامل الشعبي هو السلاح اليماني المعنوي القديم الجديد الذي ألهب حماس الثوار في وجه كل حملات الاستعمار وساهم في رسم لوحة الانتصار
ما قصة الشهداء السبعة الذين كسروا أسطورة البحرية البرتغالية وما حقيقة العصي والسيوف التي كتبت بداية الخسوف لأسطورة الإمبراطورية البريطانية التي لا تقهر؟
بالكمائن وسياسة الأرض المحروقة تم إرهاق الغزاة ووضع حد لفسادهم وإرغامهم على العودة مدحورين إلى بلادهم
الشهداء السبعة
وفي مقاومة البرتغال اعتمدت عدن على تحصيناتها الدفاعية القوية وفي الشحر قاومت الأيادي بالسيوف والأحجار ومصاحف القرآن بنادق البرتغال ومدافعهم وكتبت دماء الشهداء السبعة والمئات من أبناء الشحر وحضرموت النصر المؤزر فانكسرت الأسطورة البحرية للغزاة وعلى سواحل اليمن تحطمت معنوياتهم بعد أن كانوا يعيثون في السواحل الفساد ، وأمام التوغل المملوكي الذي وصل إلى تعز وشق طريقه نحو صنعاء مستقوياً بأسلحته النارية قرر اليمنيون المواجهة بالسيوف والمقاليع والأحجار وأبدعوا في تطويع الجغرافيا لصالحهم وضد العدو الذي تعرض لانتكاسة مدوية بثورة أهالي صنعاء التي كان لها أثر كبير في حسم المعركة وتكفلت بكسر تفوق المماليك وقلبت المعادلة رأساً على عقب ثم تتولى القبائل فيما بعد تنفيذ عمليات هجومية متعددة تفضي إلى نهب أسلحة الغزاة النارية واستخدامها فيما بعد ضدهم ، ولم يصل الأتراك إلى السواحل حتى كان اليمنيون قد تعرفوا بشكل جيد على السلاح الناري وصاروا يمتلكون هذا السلاح ولو بأعداد قليلة مقارنة بالغازي .
وفي سبيل السيطرة على المزيد من الأسلحة النارية وغيرها من الأسلحة البيضاء كان اليمنيون يهاجمون الحاميات التركية وينهبون ما بها من عتاد إضافة إلى أسر جنود وضباط وقتل آخرين وتجلت البراعة الحربية لليمنيين في الصراع الشرس مع الأتراك خلال الفترة الأولى الممتدة من 1536- 1639م ، وإلى جانب البراعة والإبداع والابتكار في أساليب المقاومة كانت الإرادة خير دافع للاستمرار دون توقف الأمر الذي انعكس سلباً على معنويات الغزاة وأثر على موقفهم العسكري برمته ، وتنوعت أساليب اليمنيين في مقاومة الأتراك بين المعارك المباشرة والمناورات والخدع والحصار والكمائن وفي خضم ذلك الصراع المرير استمر اليمنيون في القتال بسلاح العدو وسطروا في تلك المرحلة أروع البطولات والملاحم القتالية في الجبال والأدوية والسهول والهضاب في القرى والمدن في الريف والحضر ،قاتل الشباب والشيبة الرجال والنساء بمختلف مذاهبهم ومناطقهم ومشاربهم الفكرية من عهد الإمام القاسم الذي التف حوله اليمنيون كقائد لمشروع التحرر من الظلم العثماني ورأس حربة في المواجهة السياسية والثقافية والعسكرية حتى عهد محمد المنصور ويحيى بن محمد الذين واجهوا بالقلم قبل البندقية وخاضوا معارك إعلامية لا تقل شأناً عن المعركة الحربية
من الملوك أليشرح يحصب وشاعرم أوتر ونشا كرب وياسر يهنعم و يوسف أسأر وذي يزن إلى الأقيال يزيد ومرثد وقيس ومن شيوخ ذمار وأمراء شبام حضرموت إلى أئمة شبام كوكبان شرف الدين والمطهر والى الطاهريين عامر والبعداني ومن الشيخ علي الشرجبي إلى الشيخ علي المقداد والى الشيخ راجح لبوزة ، من خولان ومذحج وحمير ونجران وعنس إلى همدان حاشد وبكيل ، ومن المهرة إلى حضرموت وشبوة وأبين إلى مأرب والجوف وصعدة ، ومن صنعاء حتى عدن ومن تهامة حتى إب وذمار وريمة وعمران وحجة والمحويت والبيضاء ومن تعز إلى المخلاف السليماني ومن سقطرى حتى كمران من جبال ردفان إلى جبال الأهنوم والشاهل وشهارة كانت الملاحم العظيمة صناعة يمانية بامتياز شاركت في حياكة خيوطها ونسج تفاصيلها كافة شرائح المجتمع اليمني فهذه البلاد تقاتل بشراسة مهما بدا عليها الضعف أو أصابها الوهن لا يعجز أبناؤها عن الاستمرار فكلما ذهب جيل سلم الراية إلى الجيل الذي يليه.
متى يحدث الغزو ؟
يختار الغزاة الظروف المناسبة لهم لشن عدوانهم العسكري وعادةً ما تعمل هذه الظروف في تشجيع الغزاة على البدء في التحرك العسكري وتتمثل تلك الظروف بتوافر عوامل الضعف بالنسبة لليمن مع وجود قوة عسكرية كافية لتحقيق الأهداف خلال فترة زمنية محددة ، فكل حملة عسكرية تسبقها دراسة ومعرفة واستعداد إضافة إلى خلق الأسباب الممكنة للمساهمة في نجاح العمل العسكري ووضع الخطط الكفيلة للتعامل مع أبرز المعوقات والصعوبات التي قد تواجه الأعمال الحربية ، ولهذا فإن أغلب الحملات العسكرية على اليمن كانت تأخذ في الاعتبار الوضع الداخلي لليمن وكيفية التعاطي مع هذا الوضع بما يعمل على بلوغ الهدف في وقت قياسي و دون خسائر كبيرة ،ومن الحقائق الماثلة أمامنا ونحن نطالع التاريخ اليمني نجد أن تحرك الغزاة لم يأتِ إلا في حالات الضعف والوهن والتفرق والتشظي والانقسام ولم يسبق أن تعرض اليمن لعدوان خارجي وهو في حالة القوة والوحدة فالغزو الروماني حدث في ظل خلافات الريدانيين الحميريين مع السبئيين والحضارم وتوغل الأحباش على وقع خلافات نفس القوى وحالة الضعف الناتجة عن تلك الانقسامات ، والفرس دفعوا بقوة عسكرية لتوطيد حكمهم بعد أن كانت الخلافات قد وصلت درجة اغتيال الملك وكان دخولهم بدايةً باستدعاء ذي يزن وقبله استدعى علهان بن نهفان الأحباش ، والأيوبيون تحركوا بقوتهم العسكرية واليمن تعيش مراحل صراع دامية بين عدد من القوى والأطراف حتى أن بعض تلك القوى رأت في الغزو حلاً في صالحها والمماليك اقتنصوا فرصة ذهبية لاحت أمامهم بخلافات الطاهريين مع قبائل تهامة وكذلك مع الإمام شرف الدين ،والأتراك جاؤوا أيضا على وقع تلك الخلافات والدعوات وفي المرحلة الثانية استدعتهم خلافات القبائل وضعف الدولة ، ولهذا فإن الصراعات والخلافات تعمل على التوفيق بين حاجة أحد الأطراف الداخلية إلى الحسم والرغبة الخارجية في الهيمنة ؛ليتعزز حضور الأجنبي عبر الأدوات المحلية التي سرعان ما يواجهها بعد أن يكون قد تخلص من بقية القوى باستخدام الأدوات الداخلية العميلة بل إن التاريخ يخبرنا أن أول القوى التي يسحقها المحتل ويقضي عليها هي تلك التي مدت له يد المساعدة .
إن التاريخ اليمني مليء بالعبر والدروس وكثيراً ما تكررت الأحداث في صفحاته المختلفة وفي تحولاته المتقلبة وفي مراحله المتغيرة و المتبدلة وكأنها قد استنسخت نفسها من مراحل سابقة لها مع بعض التعديل والتغيير في الشخصيات والقوى والأسماء والمناطق وفي الغزاة أيضا فجو الانقسام الداخلي يشجع كل طامع خارجي على التدخل والفرصة الذهبية بالنسبة لأي غازٍ بلوغ درجة الصراع مرحلة استدعاء الخارج من قبل أي قوة محلية مما يتيح للغازي اقتناص الفرصة واستغلالها. إضافة إلى ما تحدثه الخيانة والعمالة من إضعاف للروح المعنوية للمقاومة المحلية لكن ذلك لا يدوم فسرعان ما تتقد الروح الثورية من جديد بتوافر عوامل القوة وأسباب الثورة على الغازي ،وقد استمد الأحباش ومن ثم الفرس وكذلك الأيوبيون فالمماليك وحتى العثمانيون والبريطانيون قوتهم من ضعف وتفرق اليمنيين وأمدوا فترة بقائهم من تغذيتهم للخلافات وحرصهم على استمرارها والدفع بها في كل لحظة نحو الانفجار، ففي خضم الصراع والتشظي والانقسام لا تصمد أي قوة في وجه الغازي فالجميع يتساقط كأحجار الدومينو وحتى تتشكل المقاومة الشعبية وتأخذ أسباب القوة ومشروعية النضال يكون الغازي قد تمكن من بسط سيطرته على البلاد وهنا تصبح مهمة المقاومة أكثر صعوبة والخسائر المتوقعة أكبر والتضحيات أعظم وأجسم .
محاربة اليمنيين بأنفسهم
فكما استغل الغزاة ظروف الصراع المحلي للتدخل إن لم يكونوا هم أصلا من افتعلوا هذا الصراع وعملوا على نشوبه وتفجيره يستغلون أيضا أية خلافات حاضرة في زمن تدخلهم العسكري وعدوانهم لتغذيتها وتأجيجها أو يقومون هم باستدعاء أية خلافات قديمة بنبش التاريخ والتفتيش في صفحاته واستحضار كلما قد يسهم في إثارة النزاعات وشهدت مراحل الأتراك والأيوبيين وكذلك البريطانيين محاولات زرع الفتنة بين اليمنيين لأسباب طائفية مذهبية أو عرقية أو مناطقية وظهرت لنا مصطلحات وصفات تفريقية عنصرية وكذلك مفاهيم جميعها من صناعة المستعمر وثقافته ، ومن أساليب التفرقة بين اليمنيين دعم قبيلة ضد أخرى أو تحريض جماعة ضد جماعة أخرى أو تبني حزب أو مذهب ضد المذاهب الأخرى ومن السوء أن يجند الغزاة جماعات ومراكز نفوذ يمنية بشكل غير مباشر ضد جماعات يمنية أخرى مناهضة للغزو وأما الأسوأ في تاريخ الغزاة فهو استخدام اليمنيين وتجنيدهم بشكل علني في حروب ضد أبناء جلدتهم أي دعوة اليمنيين إلى أن يكونوا عملاء بأجور ومستحقات شهرية نظير خدماتهم التي قد يعجز الغازي نفسه عن تحقيقها ،وهذه الحقيقة المرة تتكرر في أغلب مراحل التاريخ اليمني فعندما يعجز الغازي عن تحقيق أهدافه يستدعي طابور العملاء للقيام بهذه المهمة التي تحفظ له أرواح جنوده ،فعندما فشل أبرهة عن قمع ثورة يزيد بن كبشه استخدم المرتزقة الذين تولوا المهمة والأتراك كذلك أنشؤوا تشكيلات عسكرية خاصة بالمرتزقة وأطلقوا عليها التسميات مثل (الزبطية ، الملة) بما يخفي طبيعة مهمتها ويحول دون استحقارها من قبل اليمنيين لكن ذلك لم ينجح فقد كانت هذه التشكيلات مصدر إزعاج وخطر بالنسبة لهم ،وفي اللحظات الحاسمة يتجه المنتسبون إليها إلى صفوف المقاومة وينخرطون بجدية في الكفاح المسلح ضد المستعمر وهذا ما تحدثنا به مرحلة البريطانيين والأتراك والأيوبيين.
الفصل الاول
الغزو الروماني 24- 25 ق . م
في الكتابات الكلاسيكية الرومانية ما يؤكد أهمية جنوب شبه الجزيرة العربية بالنسبة للإغريق ومن ثم الرومان ،سواء من حيث الموقع الاستراتيجي أو ما يحتويه من ثروات هائلة فقد كانت اليمن من أغنى بقاع الأرض التي سال لأجل خيراته الزراعية والصناعية والتجارية وكنوزه الدفينة لعاب الدول الطامعة بتلك الخيرات ،ناهيك عن تمتع اليمن بموقع جغرافي متميز كان مثار التنازع بين القوتين الرومانية والفارسية (حنان عيسى جاسم السياسة الرومانية تجاه جنوب الجزيرة العربية - مجلة الدراسات التاريخية العدد 17 – يونيو 2013م ص 327) وكانت الكتابات الرومانية تقسم الجزيرة العربية إلى العربية الصحراوية والعربية الصخرية والعربية الميمونة ويقصد بالميمونة «اليمن» (محاضرات في تاريخ العرب القديم أ.د عبد الله الشيبة ص 68-69) ويعود ذلك الاهتمام باليمن إلى القرن الخامس قبل الميلاد، ففي تلك الفترة كان المفكرون الإغريق قد بدؤوا في الوصول إلى اليمن ضمن رحلات استكشافية بتكليف من لإسكندر (ملك مقدونيا واليونان) وعلى رأس أولئك المفكر الشهير صاحب نظرية التأويل التاريخي للأساطير ويدعى (يوهيمروس المسيني) الذي وصل إلى الجزر اليمنية في البحر الأحمر والى السواحل أيضا ويصف اليمن بالعربية السعيدة أو الغنية أو الموسرة ويشير إلى أن اليمن أجمل جزء من بلاد العرب وتنتشر فيه المباني الجميلة وأرضه خصبة ، وقال عن إحدى الجزر اليمنية التي زارها بأنها المقدسة وتشبه الفردوس وفيها البخور والمر وفيها أقدم نموذج معروف للمدينة المنشودة على غرار جزيرة واق الواق (بلاد اليمن في المصادر الكلاسيكية .. د عبد اللطيف الأدهم .. د حميد العواضي ص 27-28)وقد نقل كل من الأدهم والعواضي في مؤلف بلاد اليمن في المصادر الكلاسيكية ما كتبه المؤرخون والمفكرون الرومان والذي ننقل منه بعض ما ورد في الكتابات الرومانية منها وصف ديدور الصقلي لليمن وجزرها (ويحيط بالعربية السعيدة بحر ينساب لما في لونه من صفاء في أحداث مفاجأة كبيرة ويثير في نفسه الرغبة في البحث عن أسباب هذه الظاهرة وتجاوز الساحل جزر تكنى ب «المحظوظة» وذلك لكون المدن فيها غير محاطة بالأسوار وكافة الحيوانات الموجودة هي بيضاء اللون وليس لإناثها قرون البتة ،ويتردد على هذه الجزر تجار يفدون إليها من كل الأصقاع)(ديدور الصقلي بلاد اليمن في المصادر الكلاسيكية ص113-130)ويحدد أغاثرخيدس الجزء الجنوبي من الجزيرة العربية باسم العربية السعيدة والشعب السبئي في نظره هم أهم شعوب شبه الجزيرة وغناه كان واسعاً ، لقد كان يعتمد في عيشه على منتجات وافرة من الثروة الحيوانية وعلى زراعة أنواع من النباتات العطرة حتى أن روائحها الزكية تسبب الآلام ولذلك يكافحوها بإشعالها بخورا ،والسكان هم من المحاربين والفلاحين والبحارة التجار الذين يصدِّرون بالخصوص بعض الطيوب التي يجمعونها ويستعملون غالباً عوامات كبيرة وقوارب جلدية والبعض منهم يعيش في بطالة وتكاسل بفضل ما هم عليه من رغد العيش ، وهذا الثراء الكبير مصدره دخل تجارتهم وبعدهم الذي جعلهم في منأى عن الغزوات والنهب ، أما زينة مساكنهم وأثاثها ومواعينهم المحلاة بالذهب والفضة والأحجار الكريمة فإنها بديعة فاخرة والعاصمة هي سبأ وتقع على ربوة جميلة ويتوارث ملوكها الحكم ويتمتعون بسلطة كبيرة (بلاد اليمن في المصادر الكلاسيكية جمع وترجمة د. حميد العواضي د. عبد اللطيف الأدهم ص 32-33) ويقول المؤرخ الروماني استرابون عن العربية السعيدة: ذلك الجزء من بلاد العربية الذي يبدو من امتداده أنه يتجه للالتقاء مع إثيوبيا ،تتهاطل عليه أمطار الصيف بكثرة ويتاح فيه موسمان للحصاد في السنة الواحدة مثلما هو الحال في الهند وتوجد فيه إضافة إلى ذلك بعض الأنهار أو الوديان التي ينتهي بها جريانها إما في السهول أو البحيرات ،كما أن كل محاصيل أرضه ممتازة علاوة على انه يجود بالكثير من العسل وترى فيه كمية كبيرة من قطعان الماشية التي لا يدخل ضمنها في حقيقة القول لا الخيول ولا البغال ولا الخنازير مثلما لا نجد كذلك لا الدجاج ولا اللوز من بين تلك الكثرة من أنواع الطيور الداجنة التي تربى فيه ((بلاد اليمن في المصادر الكلاسيكية جمع وترجمة د. حميد العواضي د. عبد اللطيف الأدهم ص 133- 175 )ويضيف : تنعم مختلف هذه الحواضر التي تؤلف فيما بينها دولة ملكية واحدة الذات بكل مظاهر الرخاء وتزدان جميعها بالمعابد والقصور الرائعة ،أما مساكنهم فإنها تذكرنا من ناحية هيكل سقوفها الخشبي بالمساكن المصرية وتفوق المساحة التي تغطيها هذه الأقاليم مجتمعة مساحة دلتا النيل، ولا تنتقل السلطة في هذه الملكية من الأب إلى الابن بل إن من يعين لخلافة الملك الذي آلت إليه السلطة هو أول طفل يولد من دم نبيل (نفس المصدر).
وبحسب رأي الأدهم والعواضي فإن الصورة التي كانت لدى الإغريق والرومان عن بلاد اليمن يمكن أن تميز بتحليلها إلى مجموعتين من السمات التي تختلط بنسب متفاوتة حسب الأماكن والحقب ، فمن جهة فإن جزيرة العرب هي بلد فعلاً وإن كانت بعيدة وحولها نشأ تقليد علمي منذ هيكاتوسالميلنيسي الذي انهمك في جمع المعلومات الموضوعية والجغرافية والاقتصادية والانثربولوجية والتاريخية والحيوانية والنباتية وكانت مدرسة أرسطو متميزة في هذا البحث العملي المحض التي أسمهت فيه أيضا أجهزة الاستخبارات لأغراض عسكرية وكذلك التجار البحارة المتشبثون بتطوير الملاحة البحرية المثمرة إلى أقصى احد.
النوايا العدوانية الرومانية تجاه اليمن :
الكتابات الرومانية تشير إلى حالة العداء في روما للعرب اليمنيين وهذه الحالة يبدو أنها ناتجة عن الأطماع الرومانية في بلاد اليمن وهو ما يمكن استيضاحه أكثر في وصف الرومان لبلاد اليمن وما كتبه المفكرون الرومان عن أهل اليمن ، وعلى ما يبدو أن الحالة العدائية تجاه اليمن تعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد وتحديداً في التوسع اليوناني الكبير في عهد الإسكندر الذي اتجه بتفكيره إلى غزو شبه الجزيرة العربية (محاضرات في تاريخ العرب القديم أ.د عبد الله الشيبة ص 27)وتمكن من إخضاع معظم البلدان عدا اليمن ،وبعد أن هزم الفرس سارعت الشعوب بإرسال الهدايا لتخطب وده مقدمة ولاءها له ما عدا سكان الجزيرة العربية (اليمن) فإنهم انفوا من ذلك فأثر عملهم في نفسه وتوعدهم بغزو بلادهم ولكنه مات قبل أن ينفذ ما قاله (الدكتور أحمد فخري اليمن ماضيها وحاضرها نقلاً عن وثائق رومانية قديمة ص 114)
أما في مرحلة أغسطس وبعد أن تحول النظام إلى إمبراطوري كان الشعراء هم المروجون دعائياً لهذا النظام وخاصة (فرجيل) و(هوراس) فالأول الذي سبق أن وجد فرصة للحديث عن بخور سبأ وحياة الخمول التي كان يضفيها على «المترفين السبئيين» وضع لاحقاً في الإلياذة(ملحمة تحكي تأسيس روما ألفها في الفترة من 29- 19ق م وفي هذه الفترة كانت الحملة الرومانية على اليمن) العرب والسبئيين ضمن الأعداء الذين على الرومان محاربتهم(بلاد اليمن في المصادر الكلاسيكية جمع وترجمة د. حميد العواضي د. عبد اللطيف الأدهم ص38 ).وأكثر منه وضوحاً واهتماماً كان (هوارس)الذي كان يحلم بثروات العرب ففي أثناء الترتيب لحملة غاليوس طلب من إله الأقدار (فورتون) أن يحمي جيوش الإمبراطور ويمسح عنها عار السلاح الملطخ أثناء الحروب الأهلية بدم الشعوب النائية في أقاصي الأرض وهي بريطانيا والبحر الأحمر (نفس المصدر)وعلى الرغم مما نطالعه في الكتابات الكلاسيكية الرومانية عن اليمنيين ووصف حياتهم بالخمول نتيجة حالة الترف والغنى التي بلوغها في تلك الفترة إلا أن هناك ما يشير أيضا إلى وصفهم بالقوة والمنعة ففي أحد الأناشيد الشهيرة يسخر (هوراس) بخفة من (اكسيوس) الذي في سبيل الثراء يتخلى عن الدروس الفلسفية ويطمع في كنوز العرب الوافرة ويعد حملة قوية ضد ملوك سبأ الذين لم يغلبوا حتى الآن ، والتطلع إلى ثروة ضخمة ليس مدعاة إلى هذا العناء وركوب الأخطار في حملات كهذه (بلاد اليمن في المصادر الكلاسيكية جمع وترجمة د. حميد العواضي د. عبد اللطيف الأدهم).
..يتبع


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.