اليوم والبارحة، نعيش لحظات انفصال مريرة عن الواقع، لحظة يعلو فيها صوت الألم، وتفيض فيها الدموع على رحيل رجل لطالما كان رمزًا للصمود، قائدًا استثنائيًا أعاد للأمة عزتها وكرامتها. كيف لنا أن نُصدق أن السيد حسن نصرالله، قائد المقاومة، الذي لطالما وقف شامخًا في وجه العواصف، قد فارق دنيانا بفعل غارة صهيونية غادرة؟ لقد كان نبأ استشهاد السيد حسن نصرالله بمثابة الصاعقة التي هزّت كل قلوب الأحرار والمقاومين في هذا العالم، كيف لهذا الجبل الشامخ، الذي كان مصدرًا للإلهام والقوة، أن يتركنا في هذا العالم الكاذب الذي لا يعرف الرحمة؟ ذلك الرجل الذي رأيناه دائمًا في مقدمة الصفوف، متحديًا الطغيان والاستبداد، مصارعًا من أجل حقوق المظلومين والمستضعفين، كيف يذهب دون أن يشهد النصر الذي كان يحلم به ويقاتل من أجله؟ لقد عرفناه قائدًا لا يهاب الموت، رجلًا صنع من المقاومة مدرسة، وجعل من النضال مسيرة حياة. هو الذي عاش سنوات عمره كلها في مواجهة أشرس قوى الظلم والطغيان، ولم يكن يومًا إلا فارسًا يقف في وجه أعداء الأمة، مستنفرًا همم المقاومين، مرعبًا أعداءها. منذ الثمانينات، بدأ مشواره الجهادي، ووقف بعزيمة ثابتة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وتحوّل إلى رمز للحرية والكرامة في كل معركة خاضها. السيد حسن نصرالله لم يكن فقط قائدًا للمقاومة، بل كان أيضًا الأب الروحي لكل مقاوم، الإنسان الذي اختلطت دموعه وعرقه بدماء شهداء المقاومة، والقلب الذي حمل همّ الأمة كلها، صابرًا محتسبًا رغم كل ما مر به. كيف لنا أن ننسى كلماته التي طالما زلزلت الأرض تحت أقدام أعدائنا؟ كيف ننسى وجهه الذي رسمت عليه علامات التعب والإنهاك، لكن كانت عينيه تلمع بالصبر والصمود؟ لقد كان رمزًا للمقاومة في كل مكان، من لبنان إلى فلسطين، ومن سوريا إلى العراق إلى اليمن، جسّد في حياته معاني التضحية والبذل، وضحى بالمال والولد وأخيرًا بالنفس في سبيل كرامة الأمة.. استشهاد السيد حسن نصرالله ليس فقط خسارة لحزب الله أو لبنان أو للمقاومة، بل هو خسارة لكل حر في هذا العالم. إنه فقدان قائد عاش ليدافع عن المظلومين، رجلًا رأينا فيه تجسيدًا للمبادئ النبيلة والشجاعة التي لا تعرف الخوف. لقد عاش من أجل تحرير الأرض والإنسان، وجعل من القضية الفلسطينية هدفًا أساسيًا لمسيرته الجهادية، لم يكن يومًا قائدًا محليًا فحسب، بل كان قائدًا أمميًا. لم يكن السيد نصرالله بعيدًا عن الشعب، بل كان قريبًا منهم، يعيش آلامهم وأحزانهم. ففي كل بيت مقاوم، وفي كل قرية، كانت صوره معلقة على الجدران، شاهدة على الحب والوفاء لهذا الرجل العظيم. كان يتحدث باسم كل واحد منا، ويرفع صوته عاليًا في وجه الظلم والطغيان، مدافعًا عن حقوق الأمة ومقدساتها.. منذ أن كنت صغيرًا وعقب نصر تموز، كان لصورته مكان في منزلنا، معلقة في صدر البيت، مكان لا تطاله أيدينا، تجسيدًا لذلك البطل الذي حمل هموم الأمة على كتفيه. من سُمي أخي باسمه، تيمّنًا بذلك الجبل الشامخ الذي زرع الرعب في قلوب أعدائه وجعلهم يعيشون عقودًا من الخوف والقلق. إن الرجل الذي سُميّت عائلات بأكملها تيمناً به عاشت أجيالاً كاملة بفكرة المقاومة، لا يمكن أن يذهب دون أن نخلّد ذكراه في قلوبنا، وفي ذاكرة أجيالنا القادمة. استشهاد السيد حسن نصرالله يضعنا أمام مسؤولية كبيرة. لقد ترك لنا إرثًا من المقاومة والعزة، مسؤولية متابعة الطريق الذي بدأه، أن نكون جنودًا في سبيل الحق، لا نخاف مهما بلغت قوة لقد علمنا معنى التضحية والصبر، علمنا أن النصر يأتي بعد المعاناة، وأن الأمل يبقى حيًا ما دمنا نحمل في قلوبنا قيم الحرية والإباء. اليوم، ونحن نودع هذا القائد، لا يسعنا إلا أن نقول إن روحه ستظل خالدة في قلوبنا. لقد ذهب جسدًا، لكن ترك خلفه رجالًا يحملون رايته، وجيلًا تربى على حبه وإتباع نهجه. لن ننساك يا سيدي، لن ننسى تلك الخطابات التي كانت تقلب الموازين وتملأ قلوبنا بالفخر، وقلوب أعدائنا بالذعر. لن ننسى وقوفك إلى جانب المظلومين في كل مكان، ولن ننسى أن الفارس الذي حمل راية التحرير سيبقى دائمًا رمزًا للأمة كلها. لقد استشهدت يا سيدي حسن، ولكن المقاومة التي بنيتها لن تسقط أو تخبو لأن الأجساد وحدها تسقط أو بالأحرى ترقى والمقاومة فكرة والفكرة لا تموت. ستبقى كلمتك الحرة تُلهم الأجيال القادمة، وستظل دماؤك الطاهرة نورًا يهدي المقاومين على درب الحرية والنصر. رحمك الله يا ابن الكرام، ابن آل البيت الأطهار، وجعل الجنة مثواك إلى جوار الأنبياء والأولياء والشهداء والأحرار.