بقلم العميد القاضي د حسن حسين الرصابي/ يمر عام جديد على ذكرى ثورة 14 أكتوبر المجيدة، ليعيد إلى الأذهان أنها ليست مجرد وقائع تاريخية، بل روحٌ أزلية من الإرادة الوطنية التي أعلنت ميلاد فجر جديد. قبل اثنين وستين عامًا بالضبط، كانت صرخة التحرير التي انطلقت من ردفان الشمّاء، بمثابة ضربة قاصمة لأطراف إمبراطورية كانت تظن أن شمسها لا تغيب. لقد علّمتنا ثورة أكتوبر أن زمن السيطرة المطلقة قد ولّى، وأن بقاء البريطانيين مدحورين في العام 1967م، بعد قرابة 129 عامًا من الاحتلال، لم يكن محض صدفة، بل كان ثمرة إيمان عميق بأن السيادة الوطنية خط أحمر. لم تكن المعركة يومها مجرد خروج لقوات أجنبية، بل كانت انتصارًا لمفهوم الكرامة اليمنية التي أبت أن تبقى أهم مضيق دولي، باب المندب، وقاعدة استراتيجية كعدن، ورقة في دفاتر السياسة الخارجية البريطانية. دلالات الثورة المتجددة: من الأمس إلى اليوم النظر إلى أكتوبر اليوم، بعد اثنين وستين عامًا، يدفعنا إلى تساؤلات أعمق حول دلالات هذه الثورة في سياقنا المعاصر. فالتحديات التي واجهتها الثورة بالأمس، لم تنتهِ بل تغيرت أشكالها. إن الموقع الجيوستراتيجي لليمن، من جزرها الحيوية كسقطرى وميون، إلى سواحلها ومضيقها، يظل مغريًا للأطماع الدولية. إننا نشهد اليوم محاولات مستمرة لإعادة بسط النفوذ، ولكن هذه المرة تحت عباءات جديدة ومسميات مختلفة، تارة عبر التدخلات الأجنبية المباشرة، وتارة عبر إحياء مشاريع تمزيق الهوية الوطنية التي عفى عليها الزمن. إن تغلغل الأجندات التي تخدم مصالح القوى العظمى، بما في ذلك التواجد العسكري غير المشروع أو محاولات إذكاء النعرات المحلية المفرطة، هي امتداد للسياسة الاستعمارية التي واجهها ثوار أكتوبر، وهي أجندات تدخل في صلب مشروع الشرق الأوسط الجديد بأجندته المعلومة. الوفاء للثورة: إبقاء شعلة الوحدة متقدة إن احتفالنا بثورة أكتوبر ليس مجرد إحياء لذكرى سنوية، بل هو جهاد معلن ومستمر. إنه تأكيد على أن القيم الجوهرية للثورة – وحدة الوطن اليمني من أقصاه إلى أقصاه والرفض المطلق للوصاية الأجنبية – هي بوصلتنا اليوم. إن دماء الشهداء الأبرار تُوجب علينا أن نظل يقظين لمخططات الاستعمار الجديد، الذي يسعى لتفتيت المجتمع وتغذية الانقسامات. فكرة "الجنوب العربي" التي يحاول البعض استجرارها هي مشروع استعماري بريطاني قديم، قوبل بالرفض الشعبي في حينه، وتُقابل بالرفض مجددًا، لأن أكتوبر شهر الثورات والكرامة، يأبى أن يكون ألعوبة بيد من يحمل هذا التفكير القاصر. التاريخ اليوم يسجل أن ثورة 14 أكتوبر ليست حدثًا عابرًا، بل هي مخزون حيّ من الوهج والنور يغذي الهوية اليمنية الواحدة. إنها التذكير الدائم بأن مفاهيم الثورة وتحديد أعداء اليمن – الذين يتغيرون في مسمياتهم ووسائلهم ولكن مصدرهم يبقى غالبًا من عواصم أجنبية – تظل ثابتة وواضحة. التحرير الحقيقي يكمن في تحرير الإرادة الوطنية من كل تبعية، وهذا هو الدرس الأعظم الذي بقي متجددًا في نفوسنا على مدى اثنين وستين عامًا، وسيبقى كذلك حتى يرحل كل غاز وتتطهر أرض الجمهورية اليمنية من كل نفوذ غريب.