جذور التدخلات الأمريكية في أمريكا اللاتينية تمتد لأكثر من 5 عقود زمنية، تصدرها إسقاط الرئيس التشيلي المنتخب «سلفادور أليندي» ذي الخلفية الاشتراكية -عام 1973- بانقلاب عسكري رتبت له المخابرات الأمريكية، وتلاه -عام 1989- شنُّ عملية غزو ضدَّ «بنما» سميت "القضية العادلة" اعتقل خلالها الرئيس البنمي «مانويل نورييغا» داخل منزله، ولن يكون آخرها الهجوم الأخير على «فنزويلا» واعتقال رئيسها «نيكولاس مادورو» بعد تحقيق اختراق فنزويلي داخلي. حياد دفاعي سافر يرجح حصول تآمر يُعد الاعتداء العسكري الخارجي ضد أيِّ بلد عامل توحُّد، ومن شأن ذلك الاعتداء أن يجعل الداخل الوطني كتلة متماسكة إلى أبعد حدِّ تُكبد المعتدي خسائر لا تُعد في الأعداد والعُدد، وهذا ما لم يحدث في «فنزويلا» أثناء تعرضها -فجر أمس الأول- لهجوم أمريكي أسفر عن اعتقال الرئيس من بين ظهراني شعبه وجيشه الذي يفترض أنه قائده العام وجزءٌ لا يتجزأ منه، وكأنه غير معنيٌّ بالدفاع عنه، ويمكن أن يلمس تقاعس الجيش الفنزويلي عن أخص مهامه الوطنية من احتواء تقرير «الجزيرة نت» التحليلي المعنون [تفاصيل اعتقال مادورو وزوجته] الذي نشر بعد ساعات من الجرم الاعتقالي على ما يلي: (هذه السهولة في الاختراق أثارت شكوكاً، إذ رجح الباحث السياسي بول دوبسون للجزيرة من كراكاس فرضية "التواطؤ الداخلي"، مستدلا بتحليق الطائرات الأميركية "بارتياح" فوق العاصمة دون اعتراض من الدفاعات الجوية. ونبّه دوبسون إلى غياب رد فعل منظومات متطورة مثل "إس-300′′، معتبرًا أنَّ إنجاز الاعتقال في "نصف ساعة" يعزز الشكوك بوجود خيانة من داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس أو المؤسسة العسكرية. كما أشار الباحث إلى أنَّ القصر الرئاسي لم يتعرض لهجوم مباشر، ما يشي بوجود "ترتيب مسبق" أو استسلام فوري للعناصر المكلفة بالحماية، مؤكدًا أنَّ نجاح العملية بهذه السرعة يتطلب مساعدة داخلية). تحييد القيادات عن الاعتقال والاغتيال رئيس الدولة هو أهم رموزها، ويتخذ من التدابير الأمنية لحمايته في زمني السلم والحرب ما يجعله في مأمن تام عن نيران وكمائن وإغارات الأعداء، ولا يمسّ -عادة- بسوء إلَّا في حالات نادرة جدًّا وبعد إزهاق أرواح وسفك دماء المدافعين عنه لاسيما الدائرة الضيقة القريبة منه، إلَّا أنَّ أحداث «فنزويلا» التي اعتقل خلالها رئيس البلاد وقرينته من عاصمة دولته شذَّت عن المألوف شذوذًا تامًّا، ففي الوقت الذي يُقتاد الرئيس وزوجته من غرفة نومهما أسيرين في أيدي جنود عدو ليس للأعراف في قاموسه التعاملي مجال، تتحيَّد أهم القيادات السياسية والعسكرية في عموم البلد عن مخاطر الاعتقال أو الاغتيال، وكأنها شريكة في ما حصل للرئيس من اقتياد إلى المعتقل، وذلك ما يُفهم من احتواء تقرير الكاتب المغربي «حسين مجدوبي» المقالي المعنون [هل سهولة اعتقال مادورو هي نتاج اتفاق مسبق بين واشنطن وقيادات عسكرية واستخباراتية فنزويلية؟] الذي نشر متزامنًا في موقع «القدس العربي» على ما يلي: (نفذ الجيش الأمريكي فجر السبت تدخلًا عسكريًّا انتقائيًّا ضد فنزويلا انتهى باعتقال الرئيس نيكولا مادورو بطريقة تثير الكثير من التساؤل لا سيما في ظل عدم اغتيال أو اعتقال باقي القيادات. وعليه، هل تعلق الأمر بإهمال في الحراسة وسوء تقدير أم تواطؤ من الداخل للتمهيد لمشهد سياسي جديد؟ وأمام هذا الغموض، لا يمكن استبعاد وجود اتفاق سري بين قيادات عسكرية واستخباراتية فنزويلية مع واشنطن حول التضحية بالرئيس مادورو للانتقال نحو مرحلة سياسية جديدة في فنزويلا مقابل عدم متابعة غالبية المسؤولين الآخرين. ولم يضرب الجيش الأمريكي القناة التلفزيونية الرسمية بل تركها تتواصل مع الشعب، ولم يتم تنفيذ عمليات اغتيال واعتقال بعض القادة البارزين في السلطة، علمًا أنَّ عملية اغتيال البعض منهم كان في المتناول). اطمئنان «ترامب» إلى «حالة اللاحرب» بالرغم من أنَّ عبء الحروب تقع على عاتق الجنود في ميادين القتال وفي نقاط الحراسة، فإنَّ أعباءها الأشد وطأةً وشراسة تقع على كواهل كبار الساسة -لاسيما المتسنمون منهم للمناصب الحساسة مثل منصب الرئاسة- في ميادين التخطيط والاستراتيجي وميادين السياسة، ففي الوقت الذي يدفع المقاتلون ثمن الانتصار دماءً وأشلاءً وفقدان أخلص الزملاء والأصحاب، يدفع الساسة ثمن ذلك الانتصار سهرًا وترقبًا وقلقًا وتوتر أعصاب، بعكس تعامل «ترامب» مع الهجوم الأمريكي الأخير على «فنزيلا» الذي أسفر عنه اعتقال الرئيس الفنزويلي وقرينته الذي شاهده على الهواء بمنتهى الاسترخاء، وكأنه يشاهد فيلم كوميديا، وذلك ما أشارت إليه متابعات موقع «روسيا اليوم» الإخبارية التحليلية بالفقرة النصية التالية: (وفي تصريحات لاحقة، أوضح ترامب أنه شاهد عملية القبض على مادورو "على الهواء مباشرة"، واصفًا إياها بأنها كانت "مثل برنامج تلفزيوني"). وما كان لمغامرةٍ عسكريةٍ حساسة يفترض أنها اتسمت بقدر كبير من القوة والشراسة أن تمر بهذه الانسيابية والسلاسة، لو لم تكن قد رتبت لها -من خلال إحداث الكثير من الاختلالات وشراء الكثير من الولاءات- ترتيبات شاملة كاملة، حتى أصحبت -من خلال الاختراق الأمني والسياسي المتدرج- محسومة النتائج، فلم يلبث «ترامب» أن تعاطى معها تعاطي المطمئن غاية الاطمئنان إلى ما صاحب وأعقب الاعتقال المرتب من حالة «اللاحرب».