هذه الحكايات تشبه القصص القصيرة، والفارق أن القصص القصيرة من صنع خيال الروائي، وهذه من الواقع المعاش. ليس مهماً أن تكون قديمة أو حديثة، المهم أن تكون واقعية. وبسم الله أواصل: الحكاية (21): مملكة مالي كان يا ما كان في قديم الزمان إمبراطورية واسعة المساحة ومزدهرة الزراعة. عندما كان آخر خليفة لها، أبورك، يزور مكة للحج كان يأخذ معه حمولة أربعة جمال من الذهب يوزعها على الفقراء المسلمين في طريق الذهاب والإياب. وفي أوائل القرن السابع عشر الميلادي دب الخلاف بين أبناء المملكة وتشرذموا إلى عدة دول، بينها السنغال وبوركينا فاسو وموريتانيا وغيرها من الدول الحالية المحاذية لدولة مالي، وزادت ضعفاً في فترة الاحتلال الفرنسي والأوروبي خلال القرن التاسع عشر الميلادي. وحالياً ما زالت مالي الإفريقية تعاني من الفقر المدقع. المفارقة العجيبة حالياً أن في مالي 869 منجم ذهب، لكن احتياطها من الذهب صفر، بينما فرنسا لا تمتلك منجماً واحداً وتمتلك من احتياطي الذهب 75 ألف طن. انتهت الحكاية. الحكاية (22): انهبوا بنظام في عام 1948 قامت في بلادنا الثورة الدستورية، وغايتها تبديل الملكية المطلقة بملكية دستورية. نعم، هدفها تبديل الإمام يحيى محمد حميد الدين بالإمام عبدالله أحمد الوزير، لكنها للأسف فشلت. فانطلق ولي العهد أحمد بن يحيى من تعز إلى حجة عبر الحديدة، وهناك حرّض قبائل شمال الشمال بدخول العاصمة صنعاء ونهبها وإذلال سكانها. قالوا: سمعاً وطاعة يا مولانا الإمام الجديد. وانطلقوا إلى صنعاء يحملون "البياسن"، وبدأوا النهب. أحسن النهابة كانوا ينهبون ما خف وزنه وغلا ثمنه، وهم الأقلية، وبقية النهابة، وهم الأغلبية، كانوا ينهبون كل شيء، بما في ذلك أوعية "الكدافة"، واستمر النهب عدة أيام. في إحدى المرات دخلت مجموعة من النهابة إلى منزل أحد الشيبات الأثرياء وباشروا بالنهب، فصرخ في وجوههم: انهبوا بنظام.. انهبوا يا عيالي بس انهبوا بنظام.. الحكاية (23): الوصية الملعونة في خمسينيات القرن الماضي دعا الملك عبدالعزيز عبدالرحمن آل سعود، عاهل المملكة العربية السعودية، أولاده وبناته إلى اجتماع أسماه: "اجتماع ضروري". في بداية الاجتماع تأكد من حضورهم: أولاده 36 من زوجاته الأربع والجواري، وبناته 16 من زوجاته الأربع والجواري، وجميعهم حاضرون. اقتصر الاجتماع على نقطتين، وهي: علاقة المملكة مع اليمن – ما يستجد. استعرضوا ما حصل في مجزرة تنومة عام 1923م ومقتل 3960 حاجاً يمنياً وسموها ملحمة، كما استعرضوا ما حصل في حرب عام 1934م بين المملكتين السعودية واليمنية. وفي نهاية الاجتماع أوصى أولاده بوصية ملعونة أسماها وصية تاريخية، قال حرفياً: "إذا أردتم توحيد صفوفكم فعليكم بإضعاف وتشتيت اليمن.. ثم اعملوا جاهدين على إضعاف وتمزيق اليمن.. إن قوة اليمن تعني ضعفكم، وضعف اليمن يعني قوتكم". هذه هي وصية عبدالعزيز، والمنطق والعرف أنه ما فيش حاكم في العالم يوصي أولاده بالإضرار العمد بالآخرين غير المذكور ووصيته سيئة الصيت والسمعة ما زالت تسير على قدمٍ وساق رغم مرور أكثر من 70 عاماً من إطلاقها. الحكاية (24): لا صوت يعلو فوق صوت الشعب أنا عضو في الحزب الاشتراكي اليمني منذ تأسيسه في 11 أكتوبر من عام 1978م، وأصدق بكل برامجه ونهجه وشعاراته باستثناء الشعار القائل: "لا صوت يعلو فوق صوت الحزب". قلتُ لأكثر من قيادي في الحزب إن الشعار المنطقي: "لا صوت يعلو فوق صوت الشعب". قالوا بما معناه: المقصود أن الحزب هو القائد والموجه لشغيلة وكادحي بلادنا نحو التطور التقدمي. لم أقتنع، وجاءت الفرصة، انعقدت ندوة في مقر الحزب وطرحت مقترحاً بأن يُعدّل الشعار إلى: "لا صوت يعلو فوق صوت الشعب". أيّده أعداد لا بأس بها من الحاضرين في قاعة الاجتماع، وخضع المقترح للتصويت: 48% وكسور وافقوا عليه، و51% وكسور لم يوافقوا. ثم خرجت وأنا زعلان، وصدفة مر من الشارع أحد الفلاحين ومعه حمار محمل برسيم، ونهق، فصرخت في وجهه قائلاً له: سكت حمارك يا جني، لا صوت يعلو فوق صوت الحزب. فضحك الجميع إلا الرفيق أحمد عوض المحروق، سكرتير ثاني منظمة الحزب في محافظة أبين، تجهم وجهه وهمس لي: عيب يا ملازم، تهكم على الحزب وأنت عضو قيادي فيه. ولم أرد عليه. وفي أول اجتماع لمنظمة الحزب في لواء الوحدة المرابط في أبين عاقبوني بلوم شفوي. وفي عام 1988م تعدل الشعار إلى: "لا صوت يعلو فوق صوت الشعب". وبعد ذلك كل من صادفته من رفاقنا أعضاء الحزب قلت له: أنا الذي اقترح تعديل الشعار. انتهت الحكاية.