في السياسة والحروب، لا تكون الأخطاء في التقدير مجرد تفاصيل عابرة، بل قد تتحول إلى مسارات كاملة من النتائج غير المتوقعة. وهذا تحديدا ما يبدو أن الكيان الصهيوني يواجهه اليوم على جبهته الشمالية. خلال الأشهر الماضية، ساد داخل إسرائيل اعتقاد واضح بأن حزب الله تلقّى ضربات كافية لتقليص قدرته على التأثير، وأنه بات أقرب إلى الاحتواء منه إلى الفعل. فبعد ضربة "البيجر" وتصفية القادة العسكريين من الصف الأول، ومن ثم استشهاد القائد رضوان الله عليه، وبعدها قبول الحزب باتفاق وقف إطلاق النار وصبره على الاحتلال والاغتيالات وأكثر من خمسة آلاف من الخروقات من دون رد من الحزب، اعتقد الجميع ليس في الكيان فقط بل في العالم أجمع أن الحزب انتهى، وفي أقل التقادير أن الحزب لم يعد كما كان عليه من قبل. هذا التقدير لم يكن هامشيا، بل انعكس في الخطاب السياسي والإعلامي، وفي طريقة إدارة المواجهة نفسها. لكن ما جرى لاحقا كشف خللًا في هذه الحسابات. فبدلًا من تراجع تأثير الحزب، استمرت الجبهة الشمالية في الاشتعال بوتيرة أربكت التوقعات. ومع مرور الوقت، لم تعد المسألة مجرد تبادل ضربات محدودة، بل تحولت إلى حالة استنزاف يومي لها انعكاسات مباشرة على الداخل الصهيوني. الإعلام الإسرائيلي نفسه بدأ يعكس هذا التحول. لم يعد الحديث مقتصرًا على "الوضع تحت السيطرة"، بل ظهرت نبرة مختلفة: تساؤلات عن فشل التقدير، وانتقادات لغياب استراتيجية واضحة، وتحذيرات من أن الشمال يتحول إلى عبء طويل الأمد، خاصة بعد أن فرض حزب الله معادلة "الإخلاء بالإخلاء". إخلاء المستوطنات في الشمال هو التعبير الأوضح عن هذه النتيجة. ما كان يُفترض أن يكون إجراءً مؤقتًا أصبح واقعًا ممتدًا، حيث يعيش آلاف الإسرائيليين خارج منازلهم منذ أشهر، في ظل غموض حول موعد العودة. ومع تكرار الإنذارات واللجوء المستمر إلى الملاجئ، بدأ الشعور بالأمان -وهو أحد ركائز الاستقرار الداخلي- يتعرض لتآكل تدريجي. هنا تظهر نتيجة الخطأ في التقدير بشكل مباشر: حين يبنى القرار على افتراضات غير دقيقة، تصبح كلفة التصحيح أعلى بكثير. السؤال لم يعد فقط: ماذا يفعل حزب الله؟ بل ماذا تفعل إسرائيل إزاء واقع لم تتوقعه بهذا الشكل؟ ورغم أن مؤسسات الدولة الصهيونية لا تزال تعمل، والجيش يدعي أنه لا يزال يمسك بزمام المبادرة عسكريا، إلا أن التحدي الحقيقي بات داخليا بقدر ما هو خارجي. فإدارة جبهة مشتعلة شيء، وإدارة مجتمع يعيش تحت ضغط مستمر شيء آخر تماما. لذلك، فإن ما يحدث اليوم لا يمكن اختزاله في "نقاش داخلي" فقط، بل يمكن وصفه ببداية انهيار شامل. إنه نتيجة مباشرة لخطأ في الحسابات: أزمة تتشكل من داخل التقدير الخاطئ، وتتجلى في ضغط متزايد على المجتمع والسياسة معًا. في النهاية، قد لا تكون هذه الأزمة حاسمة بعد، لكنها تذكير واضح بحقيقة أساسية في الصراعات: الخطأ في تقدير الخصم لا يظهر فورًا، بل يكشف نفسه لاحقًا، حين تصبح كلفته واقعا يوميا.