شبوة برس – خاص في مقال تحليلي عميق للكاتب والمحلل السياسي هاني مسهور، رصده محرر شبوة برس، يُعاد طرح واحدة من أخطر معادلات القوة في العالم، حيث لا تُقاس الهيمنة فقط بالسلاح التقليدي أو حتى النووي، بل بالجغرافيا حين تتحول إلى أداة تأثير حاسمة.
يستحضر مسهور حديث الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح عقب حرب 1994 عن "القنبلة النووية"، مؤكدًا أنه لم يكن مجازًا سياسيًا، بل توصيفًا دقيقًا لحقيقة أن من يملك باب المندب، لا يحتاج إلى قنبلة، لأنه يملك القدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي ومسارات التجارة الدولية.
ويشير إلى أن العالم اليوم، ومع تصاعد التوترات في سياق الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، يشهد عودة هذا المفهوم بشكل أكثر حدة، حيث لم تعد المسألة قراءة تاريخية، بل واقعًا يتشكل أمام الأعين، تتحول فيه الممرات البحرية إلى أدوات صراع رئيسية.
ويشرح أن إيران لا تدير المواجهة بمنطق الجيوش التقليدية، بل بمنطق الممرات، فهي تدرك حدود قدرتها في مواجهة مفتوحة مع الولاياتالمتحدة، لكنها تمتلك أدوات ضغط مؤلمة عبر الاقتصاد العالمي، ولهذا تركز على مضيق هرمز، ليس بهدف إغلاقه كليًا، بل لتحويله إلى تهديد دائم يرفع كلفة التأمين، ويُربك الأسواق، ويوجه رسالة واضحة بأن الحرب معها لن تبقى داخل حدودها.
لكن هذا المشهد لا يكتمل دون النظر إلى الجنوب العربي، حيث يتحرك الحوثيون – وفق المقال – ضمن ذات المنطق، كامتداد لدور وظيفي في معادلة أكبر تقودها طهران. فإذا كان هرمز يمثل ورقة الضغط الرئيسية، فإن باب المندب يشكل الورقة الرديفة التي تُكمل الطوق الجيوسياسي.
هنا تتكشف الصورة التي جرى تجاهلها طويلًا، فباب المندب لم يعد مجرد ممر بحري، بل أصبح جزءًا من منظومة ابتزاز جيوسياسي متكاملة، تضغط فيها إيران من الشمال عبر هرمز، بينما يحاول الحوثي إغلاق الحلقة من الجنوب، لتتغير بذلك معادلة الأمن البحري العالمي.
ويؤكد مسهور أن الخطأ الأكبر في قراءة المشهد يكمن في التعامل مع كل جبهة على حدة، بينما الحقيقة تشير إلى استراتيجية واحدة تُدار بأذرع متعددة، تتحول فيها الميليشيات إلى أدوات تنفيذ، والجغرافيا إلى سلاح ضغط، بل إلى سلاح قادر على إحداث شلل اقتصادي عالمي.
وفي هذا السياق، يعيد التأكيد على أن ما وصفه سابقًا ب"القنبلة النووية اليمنية" لم يكن مبالغة، بل تحذيرًا من لحظة تتحول فيها الجغرافيا اليمنية إلى منصة تهديد عابر للحدود، تنتقل فيها الأزمة من إطار محلي إلى معادلة دولية مفتوحة.
ويذهب إلى أن "الشيطان في التفاصيل"، فإغلاق باب المندب ليس قرارًا يُعلن، بل قدرة تُبنى تدريجيًا عبر أدوات ميدانية تشمل الصواريخ الساحلية، والزوارق المفخخة، والألغام البحرية، والسيطرة على الشريط الساحلي، إلى جانب عامل حاسم يتمثل في غياب الردع الفاعل، وهو ما سمح للحوثيين بالتحول من فاعل محلي إلى تهديد مباشر لأحد أهم الممرات في العالم.
ويطرح تساؤلًا جوهريًا: لم يعد السؤال هل يمكن إغلاق باب المندب؟ بل من يملك قرار منع إغلاقه؟ في ظل اختبار حقيقي للدور الأميركي، الذي بُني تاريخيًا على حماية الممرات البحرية، لكنه يواجه اليوم تحديات متزامنة في هرمز وباب المندب وبحر الصين الجنوبي.
وفي قلب هذا المشهد، تعود عدن إلى موقعها الطبيعي كمركز ثقل استراتيجي، ليس باعتبارها مدينة فقط، بل بوصفها مفتاح السيطرة على واحدة من أهم عقد التجارة العالمية، حيث إن فهم عدن يعني فهم باب المندب، ومن يملك هذا المضيق يمتلك جزءًا مؤثرًا من معادلة القوة الدولية.
ويشدد مسهور على أن الواقعية السياسية تفرض الاعتراف بأن هذه المعركة لا تُحسم من البحر وحده، فالضربات الجوية قد تؤجل الأزمة لكنها لا تعالج جذورها، بينما يبدأ الحل الحقيقي من البر، عبر إعادة تعريف الجغرافيا السياسية، ومنع بقاء هذه المناطق تحت سيطرة جماعات مسلحة.
ويؤكد أن ما يجري لم يعد مجرد أزمة ممرات بحرية، بل اختبار حقيقي للنظام الدولي، بين خيارين: إما استعادة الجغرافيا إلى منطق الدولة، أو ترك المضائق تتحول إلى أدوات ابتزاز دائم تهدد استقرار العالم.
ويختم بالإشارة إلى أن "القنبلة النووية" لم تكن يومًا سلاحًا تقليديًا، بل كانت موقعًا جغرافيًا، أصبح اليوم في قبضة جماعات الإسلام السياسي، في ظل إخفاقات سابقة، أبرزها فشل عاصفة الحزم في تحقيق أهدافها، سواء بإعادة الشرعية أو تجفيف منابع الإرهاب.
ويضيف أن العالم بات أمام لحظة مفصلية، حيث تمثل دولة الجنوب العربي وجمهورية أرض الصومال – وفق طرحه – ضرورة استراتيجية لأمن الملاحة الدولية وضمان سلاسل التوريد، محذرًا من أن التخبط في إدارة هذا الملف قد يقود إلى نتائج عكسية، تصل حد الإضرار بالحلفاء بدلًا من حماية المصالح.