شخص فقيد الصحافة اليمنية عبد الحبيب سالم مقبل قبل "18" عاما حال التجمع اليمني للإصلاح وكيف يدار هذا الحزب من قبل مراكز نفوذ قبلية ودينية وعسكرية، وكيف تنظر مراكز النفوذ هذه إلى الدولة، وكيف تصنع القرارات داخل الحزب، ومثله تصنع القيادات الجديدة، وعلاقة تلك القيادات بالرئيس الأسبق علي صالح. واليوم لا يزال الحال هو نفس الحال فلا تزال قيادات الإصلاح تفكر بنفس العقلية، ولا زالت مراكز القوى هي ذاتها من تتحكم بقرارات الحزب، ولا زالت قيادات الإصلاح تنظر إلى إدارة الدولة بنفس النظرة السابقة، وهي ذاتها القيادات التي تصر على أن تصنع من ذات العجينة قيادات مستقبلية تدير الحزب. "يمنات" يعيد نشر مقالتين للفقيد عبد الحبيب سالم مقبل نشرتا في صحيفة الشورى في العام 1994م تحت عنوان "الإصلاحيون وفقه الضرورة". يمنات (1) لا توجد أحزاب في اليمن أكثر أهمية الآن من حزب الإصلاح.. فقبل حرب ابريل – يوليو 1994م كان الحزب الاشتراكي اليمني يتسيد على الشارع السياسي بغض النظر عما كانت تقوله صحيفة "الميثاق" - وأخواتها -، وبغض النظر عما كان يدفعه المؤتمر الشعبي من مال وأعمال إفساد حقيقي للضمائر حتى يبدو تفوقه السياسي متجاوزا لحلفائه. وقبل الحرب كان حزب الإصلاح بكل تشكيلاته وتناقضاته يبرز مفاتنه في لعبة القوى وهو يقف خلف لافتة عريضة مثل تلك التي تعرض فيها أهم مشاهد أحد أفلام السينما.. فقد أستطاع الإصلاحيون تشجيع دمج شخصية رئيسهم الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر بشخصية رئيس المؤتمر الشعبي علي عبد الله صالح، وكانت التصريحات الصحافية تأتي على غرار "لا فرق بيننا فالمؤتمر والإصلاح شيء واحد".. هكذا قال الأحمر في أكثر من لقاء وتصريح صحافي كما ردد الرئيس ذلك.. وأثناء الحرب تحركت القبائل والمتطوعين من حزب الإصلاح إلى الجبهة ليس دفاعا عن الشرعية، أو الوحدة، أو الديمقراطية، وإنما دفاعا عن بقائهم في السلطة مثل غيرهم.. إذ أن الشرعية كانت تعني لهم (مجلس النواب) – والحكومة – والرئاسة كمظهر مؤسسي فقط.. أما ماذا يعملون في هذه المؤسسات وكيف تنتهك الحقوق والحريات والقوانين والدستور في مجلس النواب بفضل رئيسهم فهذا ليس خروجا على الشرعية، وكيف يفسد حيدر العطاس ، وتعبث الحكومة بالسياسات العامة، والقوانين، وبحقوق المواطنين رغم وجود أمينهم العام في مجلس الوزراء، فهذا ليس انتهاكا للشرعية يستحق المواجهة منذ سنوات مضت.. وكيف يمارس علي عبد الله صالح إدارة الدولة، وكيف يقطع الوعود والعهود ثم لا ينفذ، وكيف يتم العبث بمراكز الوظيفة العامة، وجميع السلطات داخل الدولة، رغم وجود الشيخ الزنداني في الرئاسة.. فهذا عمل لا يمثل انتهاكا للشرعية ولا يستحق غضبا ولا حتى خطبة في مسجد، أو عمود في صحيفة العقيد محمد اليدومي. إن الشرعية إذن لدى قادة حزب الإصلاح، هي مصلحة استثمار خلاف الآخرين والتقوت منها.. الشرعية هي: القضاء على الحزب الاشتراكي حتى وإن كان وجوده مفسدة صغرى – أمام وجود المفسدة الكبرى- كما قالها معكوسة الشيخ عمر أحمد سيف(؟) والحال أن (فقه الضرورة) يتيح مجالا لممارسة ما يسمى بالمكايد السياسية.. مع أن الشرعية تعني خلاف ما قيل طيلة أسابيع الحرب وحتى الآن وما قيل هو فحسب: عبقرية الفقهاء في زمن الجدب السياسي. والإصلاح – كقيادة – لم يدافع عن الوحدة – لأن مواقف الشيخ الأحمر والزنداني مواقف اكتنفها الغموض قبل 22 مايو 90م- وقد كانت قبائل الشيخ الأحمر والشباب المخلص لفقهاء حزب الإصلاح كان بعضهم في خط الجبهة الأمامي قبل إعلان الانفصال بأسابيع، ولا نحسب أن عصر النبوة عاد في أواخر القرن العشرين!!. ولم يدافع الإصلاحيون عن الديمقراطية أيضا.. فكانوا أصحاب مشروع إقرار حالة الطوارئ ومؤيدوه، وكانوا يمارسون (ولا يزالون) القمع والترهيب داخل مجلس النواب، إذا وقف عضو في البرلمان للحديث ولم يعجبهم يصيح بعضهم ويسبون ببذاءة لم أعهد بعض ألفاظها حتى في الشارع.. بل أن شيخهم من من كثرة احترامه للديمقراطية وحقوق البرلمانيين يفرض كل الضغوط غير الدستورية على الأعضاء ليمنع الديمقراطية والحرية في مجلس النواب: فهو يقرر ويبارك قطع رواتب أعضاء المجلس من غير حزبه وعشيرته وبنيه و.... دون نص في القانون أو الدستور.. وهو يمنع قرارات المجلس من التنفيذ حتى بعد أن تقر.. وهو الذي يفرض الرقابة الإعلامية (بإذنه) على بث جلسات مجلس النواب.. وهو الذي يصرف بدل العلاج لمن يريد فقط، بينما هو – قانونا – حق للجميع.. فأي مجلس نواب – وأعضاء برلمان هذا حالهم.. حصانتهم تنتهك داخل المجلس وخارجه. وبالتالي أي ديمقراطية سيدها حزب الإصلاح والمؤتمر الشعبي العام، وبأنهم يدافعون عنها إذا كان البرلمان وهو المؤسسة الأولى للديمقراطية تداس فيها الحقوق والحريات ونصوص الدستور بالأحذية – وقبائل الشيخ وعساكر مناصريه وحلفائه يحولونها إلى معسكر من معسكرات النازية.. ومع هذا كله – لا يبدو أن حزبا أخر ينافس حزب الإصلاح في الأهمية على الخارطة السياسية الآن. وهذه نقاط خطيرة قياسا لما مارسه الحزبيون الآخرون – لكن حتى لا يكون مجلس الشورى الحزبي – مثل مجلس نواب الدولة – وحتى لا يكون نفاق قضاة الحزب – مثل حال قضاة الدولة، وحتى لا تكون هيئة الحزب مثل الحكومة - والرئاسة.. يجب على أعضاء حزب الإصلاح أن يتذكروا: إن سياسة الشيخ الأحمر وعبد الوهاب الأنسي، لا تفرق كثيرا عن سياسة الرئيس علي عبد الله صالح فنموذج عبد العزيز عبد الغني، وحسن مكي، وأحمد مساعد حسين، وعبد السلام العنسي.. هي نماذج يطبع منها الشيخ الأحمر لقيادة حزب الإصلاح الجديد نسخا أقل صلاحا للاستخدام.. فهم جميعا يريدون عبيدا ولا يريدون مصلحين حقيقيين – فمؤتمر حزب الإصلاح سيختار قيادة جديدة على اعتبارين اثنين حسب أغلب المؤشرات: فجميع المناطق (المحافظات) تمثل بنموذج عبد العزيز عبد الغني والمعممين من المشائخ وهم (حصة الشيخ الأحمر) أو بمخبرين دربهم محمد اليدومي أيام كان في جهاز الأمن الوطني، أو بالأطول لحية والأقل عقلا وهؤلاء كثر مثل زبد السيل فيهم متطرفون يحتاجهم "الشيخان" ويستثمرهم عبد الوهاب الآنسي بطريقة تضمن له تمثيل الإصلاح في الحكومة التي يحرص عليها- استنادا لفقه الضرورة-. صحيفة الشورى 18/09/1994م (2) الوضع الذي يعيشه الآن حزب الإصلاح، هو واحد من أخطر نتائج حرب ابريل- يوليو 1994م.. ولن نبالغ إذا ما قلنا، أن هذا الحزب صار مؤهلا للحكم بنفس الطريقة التي تأهل لها المؤتمر الشعبي(..!؟) وإن خيار السقوط الذي انتكس به الحزب الاشتراكي سيصيب حسب كل المؤشرات علي عبد الله صالح وحزبه الأقل انضباطا والأضعف ولاء والأكثر فشلا في تجربة العمل الحزبي المنظم.. ويخيل إلي أن اختيار قاعة الكلية الحربية لانعقاد المؤتمر الأول لحزب الإصلاح رسالة تحمل مضامين كافية لأطراف النزاع السياسي شركاء حرب "الشرعية – الوحدة – الديمقراطية" فتشتيت قوة الحزب الاشتراكي "ولا أقول القضاء عليها" منحت الجناح العسكري لحزب الإصلاح فرصة في ترتيب أوضاعه، والتزود بكميات هائلة من الأسلحة الميدانية ذات الهوية الاشتراكية، وكانت الحرب أشبه بمناورة يختبر فيها الإصلاحيون قوتهم، وتكسب القبائل تدريبا مهما بالذخيرة الحية إلى جانب كونها أتاحت مجالا لإثبات امكانية القتال – والنهب في وقت واحد ولغرضين مختلفين.. لقد انتهت الحرب كما قاوم علي عبد الله صالح كل التوازنات داخل الدولة حتى بقي الإصلاحيون وحدهم يمتلكون الأوراق القوية للضغط السياسي.. فالحرب أفقدت الاشتراكيين ورقة القوة العسكرية، وبذل علي عبد الله صالح جهده كل جهده لتعطيل الفاعلية السياسية للحزب الاشتراكي، وأضاف شيئا أخر هو تمزيق التكوين الأولي للمؤتمرات الجماهيرية ولقبيلة بكيل المنافسة قبيلة حاشد، كما عطل جهازي الرئيس الأمني والإعلامي، حرية الصحافة، وبممارسات مخلة بالديمقراطية يتم توجيه حملا ت دعائية وإعلامية وأمنية مبتذلة ضد أحزاب الوحدوي الناصري، واتحاد القوى الشعبية اليمنية، وحزب الحق، والأحرار الدستوري، والتجمع الوحدوي، والرابطيون،.. وصار كل من له رأي مخالف في الحرب وأهدافها ونواياها هو عميل، ومخرب، وضد الوطن.. وانفصالي. إذن أصبح من حق الشيخ عبد الله الأحمر أن يتحدث بملء فمه: عن سيادة القانون، وعن الشرعية الدستورية، وعن التزامه وحزبه وقبائله: بالديمقراطية، والحرية- في الوقت الذي لا زالت رسالته لأمين عام الحزب الاشتراكي (الجديد) – علي صالح عباد- طرية لم يجف حبرها بضرورة حضوره إلى مجلس النواب أو بأنه سيجري انتخاب شخص أخر بديل عنه في دائرته.. ولا زال ابنه الشيخ الصغير حميد الأحمر عضو البرلمان حيا: وهو الذي نقل لي شخصيا رسالة شفهية بمعنى: (أن أبي – رئيس البرلمان- يقول: قد ضحينا كثير ومستعدون للتضحية وأنت عضو غير مرغوب فيه من بين كثير من الأعضاء في المجلس – وأن القانون الذي يحكمنا في البرلمان وفي الدولة هو قانون المصلحة، فلا تتجاوزوا حدودكم...!!؟؟). إذن ابتزاز الديمقراطية – والوحدة – والشرعية لدى قادة حزب الإصلاح لا يبدوا أمرا مثيرا أوجديدا، بل أنه خطاب سياسي مألوف من قادة الدولة أنفسهم، فالذي يشن حربا داخل الوطن من أجل البقاء سيسهل عليه أن يمارس كل ما لا يرضي الله. فالذين ماتوا تحت جنازير الدبابات وفوق حقول الألغام ستتحول دماؤهم إلى انخاب تكرر لتشرب في كل مناسبة.. وكما ظلوا ينهبون الثروة، ويمتصون دماء شهدائنا، سيعزفون ربع قرن أخر لحن "الشرعية - والوحدة" ومن المؤسف أن يكون علي سالم البيض – البطل الوحدوي كما وصفه علي عبد الله صالح قبل ابريل 94م – هو نفسه – خائن الوحدة- كما يصفه الرئيس وجهازه الاعلامي كل يوم، وكما يصفه قادة الإصلاح ايضا.. أن العودة للشمولية التي سيطرت على الدولة قبل 22 مايو 1990م- هي الهدف الحقيقي وراء الحزب.. وأن انقلابا عسكريا قادما شيء محتمل في مثل هذه الظروف السياسية والاقتصادية – والأمنية.. حتى وإن كان الأمريكيون يحضرون لطريقة أخرى(!؟) ووجود دستور جديد أو قوانين جديدة ليس مهما في اليمن.. لكن التوازنات هي الأكثر أهمية.. فعلي عبد الله صالح لم يكن ليستطيع أن يلغي مجلس الرئاسة ويظل يقود الدولة لوحده كزعيم فرد في ظل الوجود السابق للحزب الاشتراكي، والاصلاحيون لم يكونوا قادرين على القيام بعمل يسيطرون فيه على السلطة في ظل الوجود السابق أيضا للحزب الاشتراكي.. ولذلك وجد هدفا مشتركا بين الحلفاء في السعي للحرب، عندما فشل تحقيق الهدف بالديمقراطية، وعندما لم يستوعب قادة الحزب الاشتراكي لعبة القوة.. والتحالفات..؟؟ وتطبيقا لفقه الضرورة، سيستوجب على حزب الاصلاح أن يراهن أن علي عبد الله صالح سيفشل في وضع حلول للأزمات التي تعصف الآن بقاع الدولة، وسيراهن على أن الرئيس يقول شيئا ولا يعمل به بل يعمل عكسه، وأن أصحاب الرئيس اليوم هم أعداؤه غدا ما لم يدفع لهم كل يوم من خزينة الدولة "الفارغة".. وأن سوء العلاقة بين الرئيس وجيرانه هي محور استراتيجية بقاء السلطة أو في اليمن كعرف تاريخي ومصلحة اقليمية.. والأهم من ذلك أن الإصلاحيين "ومنجميهم السياسيين" يتوقعون الانقراض على يد الرئيس. صحيفة الشورى 25/09/1994م