لم يكن أدونيس الشاعر والمفكر السوري وحده من تعرض إلى محاكمة موقفه من الثورات العربية، فالمحاكمة الثورية لم تتوقف على المتورطين في العمل القيادي للأنظمة السابقة فقط بل امتد إلى الفنانين من ممثلين ومطربين وحتى الكتاب والشعراء والإعلاميين إلى الناشطيين الإجتماعيين وغيرهم، هذه المحاكمة التي دارت على القنوات التلفزيونية وأوراق الصحف وفي مختلف مواقع الانترنت، لم تكن تهدف فقط إلى توضيح المواقف بل محاكمة أصحابها وتصنيفهم على خط الخيانة والوطنية. ليس خطأ أن تدور الأسئلة عن النخب ومواقفها من الأحداث سواء كان هذا الحدث هو الثورة أو أي حدث آخر، لكن أن تنحرف هذه الأسئلة عن محورها لتصبح أداة للتخوين والتكفير وللتعصب الطائفي فهو ما يفتح باب النار للحروب الأهلية، فالأهالي اذا اقتتلت في ما بينها لن يكون ذلك بسبب حكومة دكتاتورية أو انقلاب عسكري عليها، قوانين الطوارئ رغم تعسفها واستبدادها لا تستطيع اشعال فتيل الحرب في الشعب الواحد، هي تملك أن تضع شعبا ما في أصغر هامش للحياة حتى يفقد أي معنى للكرامة الإنسانية، هي تستطيع أن تعز طائفة دون أخرى وتيارا دون غيره، لكنها لا تملك خلق بلبلة بين الناس في أعراض بعضهم ولا تحريم الحب بينهم، أما هذه الأسئلة التي تتطاير كالباعوض في قنواتنا الإعلامية عن موقف كاتب أو ممثل أو لاعب كرة قدم فهي تحديداً ما ينشر جرثوم الطائفية والمذهبية. الناس في الشارع العربي تتجاور بيوتها الإسلامية بالمسيحية، السنية بالشيعية، الإخوانية بالعلمانية، ربما هم رفضوا أن يتزاوجوا أو يتعاشروا بانفتاح على بعضهم، لكنهم لم يعجزوا عن التجاور، هنا يكمن الفرق بين أن نعرف هوية الفنان فقط لأننا نعرفها من اسم عائلته، وبين أن نبحث في السجلات الرسمية لنصنف هويته كموقف من الثورة وباسم الحرية. لم يسأل أحد جماهير باب الحارة يوماً عن دين أو طائفة أبوعصام الممثل السوري عباس النوري، لكن عندما اشتعلت الثورة ذهب الكثير إلى اصدار قوائم الشرف والعار للفنانين السوريين، والناس في الوطن العربي تعرف أبوعصام وتحبه ولا تعرف من هو رئيس الاستخبارات السورية. أدونيس الشعب العربي الذي ظل في حكم الدكتاتوريات أكثر من ثلاثين أو أربعين عاماً لا يلعن رئيس سوريا اليوم لأنه علوي بل لأنه سفاح، موقف الشارع العربي من الرئيس لن يتغير لو لم يكن بشار علوياً، لكن موقفهم من أبوعصام أو العقيد في باب الحارة بدأ يتحول ويتبدل لمجرد معرفة هوياتهم في هذا التوقيت الثوري. أن يكون موقف الفنان من الدم حساساً جداً ولا يشبه في رغبته الانتقامية رغبة البقية، لا يقلل ولا يدني من قيمة أعماله الفنية ولا حتى حقيقته كإنسان، أن يقف أدونيس على موقف واحد من الدم السوري في طرفيه لا يعني أنه يقف على الحياد بين نظام مستبد وشعب ثائر، أن نكره شكل الدم وانسيابه في الشارع من أي طرف لا يعني أننا نعادل بين السفاح والضحية. النظام السوري بقيادييه ليسوا على كفة واحدة مع كل جنوده وموظفيه الإداريين، والشعب السوري الحر بكل أطيافه ليس على كفة واحدة أيضا مع كل عناصر الجيش الحر وأي امتداد لجماعات أخرى. ثمة طرفان اليوم على ساحة المعركة، لكنهما سيتشظيان إلى عشرة أطراف وأكثر اذا سقط النظام، ولهذا لم يكن من المنصف أن تتم محاكمة أي رأي لمجرد انفراده عن طرف الجماعة، أن يكون أدونيس يحلم بثورة على قياس فكره ليس عيباً ولا يقلل منه، ولا يعني قطعاً تأييده للنظام لمجرد انتقاده لجلباب الإسلام السياسي، ثمة ضرورة اليوم لتقبل مائة رأي مختلف حول الثورات دون مسائلة صاحبها أو محاكمته إلا إذا تضمنت حالة واحدة فقط هي التورط الفعلي في جريمة حرب. يقول أدونيس” انتهت المعركة لكنّ الناس ما زالوا يموتون. لا الذين أُصيبوا فيها وحدهم، بل أيضاً جميع أولئك الذين لم يُصابوا”. * من ليماء سويلم