في 28/3/1998م تم اغتيال الشيخ علي بن حمد بن حبريش العليي شيخ مشايخ قبائل الحموم الذي اغتيل من قبل جماعة إجرامية مسلحة في وضح النهار قيل إنهم انطلقوا من إحدى المعسكرات التابعة للقوات اليمنية في حضرموت. فتداعى حينها الشرفاء ووجهوا الدعوة لكافة القبائل الحضرمية لعقد لقاء طارئ في منطقة (عين ون) أحد الأودية بمنطقة شرق في ساحل حضرموت.
فحضر جمع كبير من مختلف المناطق الحضرمية، وغاب عدد كبير آخر عن اللقاء، وحقّ لهم أن يغيبوا، فالحبل السري مع الزعيم موصول، وصهيل الخيول اليمانية لها نغمة خاصة يطرب لسماعها الكثير من المحبين والعشاق، فكم كانت صهوة الخيل تغري حتى ولو داست حوافره على كل جموع الشعب الكادحة وحتى لو داست على كل كرامة.
عقد اللقاء في يوم جمعة مهيب وكانت خطبة الجمعة للشيخ المجاهد عوض بانجّار رحمة الله عليه بمثابة بث روح التضحية والوفاء وانتزاع الحقوق من أنياب الوحوش.
وبعد ذلك استمع الحاضرون إلى كلمات مدوية وقصائد حماسية ألهبت مشاعر الحاضرين، وكان من أجمل ما قيل ما قاله الشيخ صالح العوادي شفاه الله بمثل شهير منوها بمدلوله على أرض الواقع "إذا رأيت أخاك يحلق له فنقّع شعرك". أي أن الدور سيأتي عليك أنت.
واختتم اللقاء بعد منتصف الليل بعد إصدار بيان ووثيقة رائعة في محتواها ومدلولاتها وكانت بمثابة نبراس مضيء لو تم العمل بها في أرض الواقع، وقد كان لي الشرف بأنني كنت أحد أعضاء لجنة الصياغة التي أعدّت تلك الوثيقة، وشكلت لجان لمتابعة تنفيذ ما جاء فيها.
وما أن تفرقت الجموع الحاضرة بعد انتصاف الليل وإذا بالجهات الأمنية تستولي على كافة المواد الإعلامية المرئية والصوتية قبل انبلاج فجر ذلك اليوم من المركز الإعلامي الذي قام بالتصوير الحصري كل صغيرة وكبيرة في ذلك اللقاء.
وما أن طلعت شمس اليوم التالي وبدأت الناس تذهب إلى أعمالها وإذا ببعض ممن حضروا اللقاء يتسابقون إلى مكتب المحافظ ومكتب قائد المنطقة وربما كان آخرون قد ذهبوا إلى جهات أخرى.
وعقدت اللجنة على مدى عدة أشهر عدة اجتماعات منتظمة وإذا ببعض ممن حضر اللقاء وكانوا من المنسيين فيما بعد 1994م تمتد إليهم شرايين الحياة الممتدة بكرم الزعيم المبجّل فكان الاستقطاب لكل من طمع في ذلك الكرم سواء بتصحيح وضع أو غيره.
وأما المتسلقون على ظهور جماهير الثورات ومراهقيهم فلم يكن لهم أي حضور يذكر ولربما أنهم لم يسمعوا بمقتل شيخ الحموم لأنهم كانوا يرفلون في سراديب النعيم المقيم في مشارق الأرض ومغاربها، ومناضلو المنتديات والساحات الإلكترونية لم يتعلموا بعد أبجديات النضال وكانوا يرددون كغيرهم (بالروح والدم نفديك يا علي).
ورحم الله المقدام أبا تمام المهندس فيصل بن شملان أحد أبرز الداعمين لذلك اللقاء.
وتوالت فيما بعد الحوادث على حضرموت ورجالاتها وتمت عمليات القتل والتصفية للكثير وتقيد في الأخير ضد مجهول. ولم تجد بيانات الشجب والاستنكار شيئا مهما كان الحشد والحضور النوعي بعد كل حادثة.
وها نحن قبل أسبوع نفجع بمقتل الشيخ سعد بن حبريش ليزداد المشهد كآبة إلى ما هو عليه على الرغم أن الحدث لقي تغطية إعلامية مميزة في الداخل والخارج وتوافدت الرموز والقيادات السياسية والقبلية إلى (شريوف) لتقديم واجب العزاء والنصرة ومازال الجميع يترقب موعد لقاء (وادي نحب) بعد غد الثلاثاء، وما سيسفر عنه، لعله يضع خارطة طريق لما يمكن أن يسير عليه أبناء حضرموت لمواجهة هذا الصلف الاستكباري الذي لا يرقب فيهم إلا ولا ذمة.
ونستخلص مما سبق: 1- أن حضرموت كانت مستهدفة كأرض وهوية وإنسان منذ نصف قرن من قبل مشروع (اليمننة) الذي تولت كبره حركة القوميين العرب بفرعها اليمني التي أنتجت فيما بعد الحزب الاشتراكي اليمني.
2- أن جميع الأحزاب اليمنية بكافة توجهاتها الفكرية والعقائدية لا تختلف عن الحزب الاشتراكي في المشروع المذكور.
3- أن عصابات الفيد والقوى المتنفذة تستهدف حضرموت كثروة تستنزفها دون هوادة ولن تبقي لها حتى ما يسد رمقها، وأنها في النهاية ستقضي على كافة مكونات المجتمع الحضرمي القيادية حتى لا يبقى من يكدر صفوها.
4- إن لم يضع أبناء حضرموت بكافة أفكارهم وانتماءاتهم الفكرية والسياسية مصلحة وطنهم فوق كل ذلك فقل على الدنيا السلام.
5- أسأل الله أن يوفق المجتمعين لما فيه الخير ويسدد على طريق الحق خطاهم.
خاتمة: للشاعر حسين أبوبكر المحضار (رحمه الله) ورا الذيب في القذله بدا يلقط السمان ويعرف ركاك الماشية من سمانها وفاس المشرق كردح المشط واللبان وخلا العشار النوق يبسن لبانها صبرنا وقلنا العطف مطلوب والحنان ولم نكترث بقلوب فقدت حنانها ولكن حان الوقت أن نستفيد حان وأن نحمي الضالة الوسيعة رصانها.