سألت ذات يوم أحد كبار الدبلوماسيين الجنوبيين السابقين عن سبب الصراعات التناحرية التي حدثت في تاريخ الجنوب؟! ولماذا اتخذت منحىً أعنف مما يتصوره حتى من سلموا منها ؟! وكيف أضاعوا الجنوب ؟! وأسئلة كثيرة لا مجال لحصرها طرحتها عليه دفعة واحدة وكأني بذلك أفرغ جام غضبي عن ما حصل للجنوب ودولة الجنوب !. وبعد أن أطال صمته وعيناه ساهمتان في زمان ومكان آخر، ربما يتذكر ما مرت عليه من أهوال قديمة، ثم التفت إليّ والحسرة بادية على وجهه، وتحدث بجملة يتيمة، محورها كلمة واحدة فقط، نطقها وعاد إلى استغراقه في شروده الحزين حيث قال : "كلها بسبب (المزايدات)؛ كنا نمعن في المزايدة على أنفسنا وعلى بعضنا". تذكرته اليوم وتذكرت جوابه بكلمة أشبعت فضولي حينما قال : "المزايدات" ولأن الظروف الحالية التي نمر بها في عدن وفي الجنوب عموما، تعيد إلى الذاكرة أوائل عهد لم نعشه نحن، وإن كنا ولدنا فيه، ولكننا قرأنا عنه الشيء الذي تيسر لنا ممن عاشوا لحظاته التاريخية المفرحة والمؤلمة، وهم ليسوا من صناعة عدى استثناءات كتبت من بعض ممن لهم دور يذكر في هذه الأحداث، على الرغم أنهم كتبوا استمرارا للتغزل في التجربة (الفريدة)، وليست قراءة محايدة للتجربة ومآلاتها التي أوصلتنا إلى الوضع الحالي. تعريف المُزايَدة : وهي الْمُغَالاَة وإظهار الحرص أكثر من الآخر ,ويعتبر المغالي لوحدة يمتلك الحقيقة والبقية على باطل . وللمزايدة السياسية تاريخ حافل لدى سياسيي الجنوب في العقود الخمسة الماضية، وقد ظهرت تلك المزايدة السياسية في مراحل فاصلة من تاريخ الجنوب، واستمرت تنخر الجنوب بأشكال متعددة دعونا نعرج عليها سريعا للإفادة من عبرها فقط: مزايدة ثوار فصائل ثورة (14أكتوبر1963م) فيما بينهم و(المزايدة) هنا تأخذ شكلها الوطني المنبعث من الحماس الوطني الملتهب في عنفوان الثوار الأوائل الصادقين بالرغم أنها أقصت فصائل ترى العمل السلمي كفيلاً بالوصول الآمن إلى الاستقلال (الموعود) للجنوب العربي، - كما تقول أدبيات بعض الفصائل المقصية - ولم تنته (المزايدة) عند هذا الحد بل سرعان ما اشتعلت جذوتها بين أهم فصيلين في الثورة انتهجا الكفاح المسلح وسيلتيهما، وهما (الجبهة القومية وجبهة التحرير) وكل فصيل يعتبر نفسه هو الأكثر إخلاصاً للثورة والوطن والأكثر قرباً والتصاقاً بالجماهير ولهذا سعى كل فصيل من الفصيلين إلى احتواء الآخر أو إلغائه وفشلت حتى التدخلات العربية لتوحيدهما في جبهة واحدة، وقد أسفرت هذه المنافسات الحماسية إلى اشتعال الحرب الأهلية الأولى المعروفة في مطلع عام 1967م وانتصرت الجبهة القومية متفردة بالحكم، ولم ينته الأمر عند هذا الحد للأسف بل صاروا هم أنفسهم في مواجهة بعضهم في (مزايدات لا نهاية لها) . انتقلت قيادات الجنوب – حينها - من (المزايدة الثورية) التي أفضت إلى طمس الهوية المستقلة لشعب الجنوب ليصير – بسببها تحت شعار الوطنية والقومية - إلى جزء من هوية وشعب (اليمن في الشمال)، نعم انتقلت (القيادات) إلى شعارٍ جديدٍ للمزايدة باسم التنظيم السياسي الموحد، كقائد للمرحلة الوطنية الديمقراطية وقد انبرى منظروه وكتابه وأنصاره المزايدون علاوة على القيادات السياسية في تنظيراتهم باعتبار منهجهم (الاشتراكي التقدمي) مقياساً للوطنية، ولهذا وضعوا تصنيف الفرز القاتل، ما بين (الوطني) المؤيد لشعارهم، و(العميل) المعارض له، وفي سياسات الجمهورية الفتية مع الخارج، انحازوا بتطرف إلى أحد طرفي الحرب الباردة، ولهذا جعلوا من أنفسهم وكلاء للدفاع عن الشعوب العربية وشعوب العالم الثالث، فاتحين الباب على مصراعيه لكل معارضي الأنظمة الحاكمة في دول العالم، ونتيجة لذلك صارت دولة الجنوب وشعبها محاصراً، حتى من أقرب جيرانه العرب، ومن أغلب دول العالم، فوصلوا في غلوهم حد المزايدة في الشعارات في إطار المنظومة (الاشتراكية) نفسها، وانقسموا بين مفاضلة التجربة السوفيتية عن الصينية، وحملت كذلك صراعاً عنيفاً آخر امتد حتى كارثة 1986م. وتستمر مزايدات الساسة في الجنوب بكل سلبياتها لترمي بلدنا (الجنوب العربي أو اليمني) في وحدة مع (اليمن الشمالي) بعد أكثر من 25 عاما من التعبئة بشعارات – المزايدة - (القومية والأممية) بأن الجنوب جزء من (اليمن) وأن ثورة الجنوب التي أخرجت الاستعمار البريطاني ليست إلا فرع للثورة الأم في (اليمن الشمالي) التي انقلبت على الحكم الملكي، وكل تلك كانت (مزايدات) رفعها المتصارعون على الحكم في الجنوب، أودت بالجنوب وشعب الجنوب إلى ما هو عليه اليوم، ولست هنا للسرد التاريخي للأحداث التي مرت بها الجنوب، ولست كذلك بصدد تقييمها ولكن ، أحببت هنا الإشارة إلى تبعات الغلو والمزايدات السياسية وخطورتها، التي ستصيب مسيرة (الثورة) ومسيرة بناء الدولة المنشودة في مقتل. المزايدات اليوم أو الغلو والمغالاة، أوالتطرف تأخذ صوراً أخرى عن ما كان عليه تطرف آبائنا السياسيين الجنوبيين السابقين ولا تقل خطورتها عن التطرف والغلو السابق، تطرف اليوم (مزايدة) جديدة ولكنها باسم الدين باسم الإسلام وليست منه بشيء، وخطورتها كبيرة أقلها تأليب العالم كله على بلادنا (الجنوب) وإعطاء الذرائع لغزو عالمي للجنوب سيسفر عن قتل وتشريد مئات الالاف من شعبنا وتدمير البلد فوق ما بها من تدمير، ولعل ما جرى ويجري في سوريا والعراق خير عبرة والمثل الشعبي يقول (ياسعد من شاف عبرته في غيره) فما ذنب ملايين المسلمين في سوريا التي تقذف بهم البحار غرقى، أو غرباء في غير بلادهم . ما حصل في "كريتر" من رفع شعارات (المزايدة) باسم الحرص على علاج الجرحى ومساعدة أسر الشهداء وكأن الآخرين لا يهتمون بالجرحى وأن فصيل محدد أو فرقة محددة أو جنود نقطة أمني بعينها حريصين والآخرين لا يعولون على الجرحى، حتى وصل الأمر إلى أن تنشب معركة حامية الوطيس، يعلم الله كم سقط فيها من القتلى والجرحى؟!، كل ذلك باسم التضامن مع الجرحى !! أن نفجر معركة يسقط فيها شهداء وجرحى باسم التضامن مع جرحى؟! هل في هذا منطق سوي ؟! أليست تلك مزايدة وغلو وتطرف ؟! نعم (مزايدة) غير مقبولة إطلاقاً . بقي أن نشير إلى أن علينا جميعاً كناشطين سياسيين وإعلاميين ومفكرين وكتاب وقيادات مقاومة وقيادات في الحراك الجنوبي وقيادات في السلطة المحلية أن نتحلى بالشجاعة وأن نضع لأنفسنا معيارا محددا نتوقف عنده، هو مصلحة الجنوب وشعب الجنوب على المدى المنظور والمدى البعيد والاستماع إلى العقل والمنطق والأخذ بالرأي السديد الذي يغلب منطق الحجة بالحجة، والحفاظ على الاحترام المتبادل بين الجميع، وأن نترك العصبيات المناطقية التي حاول البعض إثارتها، فالأمور الصغيرة عرضة (للمزايدات) وإن كان ولابد ل(المزايدات) فلنجعلها مزايدات تنافسية في البناء وإعادة الإعمار، فالجنوب حاليا فيه كل شيء معطل، أو مخرب فالتعليم والصحة والكهرباء وبناء الدولة بشكل عام، يحتاج إلى جهد الجميع .