أعلن اليمن أول من أمس تأجيل اجتماع وزاري يمني/ خليجي كان مقررا عقده في صنعاء اليوم الثلاثاء، للبحث في الدعم الذي يمكن أن تقدمه دول مجلس التعاون الخليجي لليمن. وبحسب ما ذكره موقع 26 سبتمبر التابع لوزارة الدفاع اليمنية، فإن الاجتماع تقرر تأجيله «لمدة أسبوعين». وبرر الموقع تأجيل الاجتماع بسبب «انشغال بعض وزراء خارجية دول مجلس التعاون». وكان يفترض أن يناقش الاجتماع الدعم الذي يمكن أن تقدمه دول الخليج لهذا البلد استعدادا لاجتماع «أصدقاء اليمن» الذي يفترض أن يعقد في نيسان/ أبريل، أو ايار/ مايو. وكما نعلم، فقد تأسست هذه المجموعة خلال الاجتماع الدولي حول اليمن الذي عقد نهاية كانون الثاني/ يناير الماضي في لندن. على أن بعض المصادر أشارت إلى أن تأجيل الاجتماع تم بطلب من دولة قطر، وأنه لم يحدد له موعد آخر لانعقاده. ويبدو أن هذه المسألة لها علاقة بما حدث لمكتب قناة الجزيرة في صنعاء.. فهل تحتاج قطر إلى رد فعل بهذه الطريقة، في حين أن قناة «الجزيرة» يفترض أن تكون مستقلة، وبالتالي قادرة على التفاوض بنفسها؟ يذكر أن السلطات اليمنية اقتحمت المكتب يوم الخميس 11 آذار/ مارس الجاري، وصادرت جهازه للبث الفضائي، وهو ما اعتبر انتهاكا للدستور والقوانين اليمنية والدولية، أدانته أحزاب المعارضة والحقوقيون والصحافيون. وقد شكا مدير المكتب والصحافيون العاملون معه من «حملة تحريضية» استهدفتهم. وكان التبرير الذي وجدته السلطات هو أن القناة «أصبحت تهدد الوحدة الوطنية»، وأنها «تضخم أحداث الجنوب». ويتحدث موقع «الجزيرة نت» عن تهديدات من مصدر حكومي «بإغلاق مكتب الجزيرة وعدم الترخيص لمراسليها بالعمل في اليمن». وسواء صح القول إن دولة قطر هي التي أجلت الاجتماع المقرر يوم الثلاثاء أم لا، فإن الحالة السياسية العامة في اليمن في غنى عن تعقيد إضافي. وسواء تعلق الأمر بمكافحة الإرهاب أو النعرات والمجموعات الانفصالية، أو غيرها مما يهدد فعلا وحدة اليمن وسلامته الترابية واستقراره، فإن آخر ما كانت تحتاجه الحكومة هو ضرب حرية الصحافة. ولقد قرأنا هذه الأيام تعليقات ساذجة تلوّح بأن قرار اقتحام مكتب «الجزيرة» جاء بإيحاء من الولاياتالمتحدة والسعودية، وزاد بعضهم الطين بلّة، فقال: من إسرائيل!! هذا الكلام سخيف، يجيء بأقلام أناس يبدون غير مسؤولين عما يقولون، وهم فعلا يهرفون بما لا يعرفون.. فلو كلف بعضهم نفسه عناء البحث قليلا، لعلم أن وزارة الخارجية الأميركية مثلا أصدرت تقريرا ينتقد انتقادا لاذعا ما يحدث في اليمن منذ انتخاب علي عبدالله صالح رئيسا للجمهورية لمدة سبع سنوات أخرى في 2006. لقد تحدث التقرير مثلا عن تفاقم الخروقات الجادة لحقوق الانسان، متهما الحكومة اليمنية بالفساد من خلال تزوير سجلات الناخبين. وتحدث عن ضعف المؤسسات الإدارية مع وجود علاقات سياسية - عسكرية في قمة هرم السلطة. وتحدث تقرير الخارجية الأميركية بتفاصيل إضافية عن أعمال قتل غير شرعية وعشوائية على أيدي القوات الحكومية، وحالات اختفاء ذات دوافع سياسية، وأعمال تعذيب في السجون، وضعف النظام القضائي وفساده وافتقاده الاستقلالية، وتقليص الحريات الصحافية والأكاديمية والنقابية، والإفراط في العنف لدى مواجهة مطالب الناس. أقول، إن الخارجية الأميركية تصدر مثل هذا التقرير في الوقت الذي نعلم فيه جميعا أن إدارة أوباما ضاعفت هذا العام مساعداتها للحكومة اليمنية، لمواجهة الانفصاليين والإرهابيين.. فما حاجة أوباما إلى إغلاق مكتب الجزيرة، وهل النخبة الحاكمة في صنعاء تنتمي الى سلك الموظفين الجدد لدى الرئيس الأميركي؟! ولا أعرف ما هي صحة الادعاءات ضد السعودية.. فالمعلوم أنها حليفة صنعاء في الحرب ضد الحوثيين، حيث انضمت منذ بداية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني إلى الحرب عندما سيطر المتمردون على منطقة استراتيجية على حدود المملكة واحتلوا بعض القرى وقتلوا جنودا سعوديين. ولكن إلى حد علمنا، فقد سارت العمليات لاحقا بشكل جيد، بفضل التنسيق بين الجيشين اليمني والسعودي. فماذا يريد اليمنيون (والسعوديون، إذا صح هذا الزعم) إخفاءه، مما قد تكون قناة «الجزيرة» عاملة على كشفه؟ ما حدث هو حرب، والعسكريون كما هو معلوم، في كل الدول، الصغيرة والكبيرة على حد سواء، لا يريدون كشف العمليات لأسباب أمنية مفهومة، إلا أنهم ليسوا ضد التغطية الإعلامية في المطلق.. الجيش الأميركي نفسه ابتدع طريقة خاصة لكسب الإعلاميين في حروبه وعملياته: وهي أن يحملهم معه في تحركاته، فيظلون تحت حمايته ومسؤوليته، ويقومون بعملهم كما ينبغي لمراسل الحرب أن يفعل. ولا أدري ما هي الترتيبات التي أخذها الجيش اليمني والجيش السعودي في هذا السياق، ولكن من المفروض أن تكون هذه المسألة محسومة بوضوح، حتى لا تقع مواجهات لا ضرورة لها بين الإعلاميين والحكومة التي يعملون في ظلها وبرعايتها. الإعلام ليس بالضروة ضد الحكومة، ولكنه في الدول الديمقراطية مستقل عنها.. عندما تكون الحكومة في حالة حرب، فإنها ليست في غنى عن الإعلام، بل العكس. إنها تحتاجه على الأقل لتوضيح وجهة نظرها، هذا ما يقع في كل مكان. المشكلة في العالم العربي، أن الحكومات -سواء في الحرب أم السلم- تنتظر دائما من الإعلاميين أن يقفوا في الصف لا خارجه، وأن يصفقوا مع المصفقين، ويغنوا بصوت واحد مع الجوقة. وكل خارج عن هذا التعريف البدائي للإعلام، يعتبر خارجا على الدولة.. والحقيقة أنه لا يوجد صحافي على وجه الأرض يرضى بأن يكون هذا هو التعريف الدقيق لعمله. يحتاج الصحافيون أيضا إلى أن يراعوا الحساسيات ومقتضى الحال، وألا ينجروا إلى الاستفزازات الرخيصة، تحت ذريعة «حرية الإعلام».. الحرية ليست فوضى. الحكومة اليمنية بلا شك تواجه مشكلات مستعصية، تحتاج إلى برودة أعصاب. ولا يفترض أن تصبح «حرية الإعلام» مشكلة تحل عن طريق المهاجمات والاعتداءات على الصحافيين وتهديدهم وحجز أجهزتهم وغير ذلك من الأعمال البائسة التي لا يلجأ إليها سوى من ضاقت به الآفاق، وأصبح على وشك الانهيار.. فكل ما يراه ويسمعه، يتضخم في دماغه، ويتصوره تهديدا لأمنه وسلامته. لا نحتاج إلى تذكير أحد بأن الديكتاتوريات هي التي تعمل بهذه الطريقة. ولا نريد أن نوحي بأن اليمن وصل إلى هذه الحالة. ولكن من الواضح أن الحكومة تحتاج إلى شيء من الصفاء ومسافة من الموضوعية في معالجة المشكلات. ولا سبيل إلى ذلك من دون توفير المجال للنقد النزيه. وهذا هو ما يتيحه الإعلام المستقل والمسؤول. ليس من الضروري إذاً أن تتحول هذه الحادثة المؤسفة (اقتحام مكتب الجزيرة) إلى أزمة دبلوماسية بين دولتين. يمكن حل المشكلة بشيء من التفاوض بين إدارة «الجزيرة» والحكومة اليمنية، التي تحتاج في هذا الوقت إلى إبقاء الجسور عاملة مع دول مجلس التعاون الخليجي، التي هي حليفتها الموضوعية. ومن الضروري أيضا أن نقول إن اليمن يواجه تهديدا حقيقيا من طرف «القاعدة»، وإنه من الواجب على الإعلاميين عدم صبّ الزيت على النار، والاكتفاء بتغطية محايدة في المجال السياسي. أما فيما يخص الارهاب، فالحقيقة أنه لا مكان للحياد. span style=\"color: #800000\"كاتب من تونس span style=\"color: #333399\"* نقلا عن أوان الكويتية