ما انفكت العاصمة صنعاء وعواصم المحافظات تقيم الفعاليات الشعرية والأدبية، وتحتفي بالمئات منهم وتكرم مئاتٍ أخرى، وتستعرض أسماء لاحصر لها من غير أن يسأل أحد : أين كل هؤلاء من همومنا الوطنية !؟ منذ القدم وهناك جدل يدور بين من يقول «الأدب للأدب» وبين من يصر على ان «الأدب للحياة» لكننا في اليمن بمجرد تصفح عناوين مطبوعات وزارة الثقافة منذ الاحتفاء بصنعاء عاصمة للثقافة العربية وحتى اليوم يتولد لدينا انطباع واحد فقط هو ان ساحتنا لا تؤمن بفلسفة الأدب للحياة.. وأن أدباءنا يعيشون عالماً منفصلاً بالكامل عن واقعنا. الأدباء من شعراء وكتاب قصة لا يسألون أنفسهم لماذا تبقى أعمالهم مكدسة على نواصي الاكشاك ولماذا يضطرون استجداء الوزارات والمؤسسات لشراء نسخ من مؤلفاتهم دون ان ينجحوا حتى بتصريف خمسمائة نسخة في بلد قوام سكانه أكثر من «22» مليون نسمة !! المسألة بكل بساطة لأن نتاجنا الثقافي الأدبي إما هزيلاً بأرقام قياسية وإما متيناً لكنه بعيد كل البعد عن ملامسة واقع حياتنا .. وحين لا يكون الأدب محركاً لوجدان المتلقي فإنه أدب بلا إبداع..! فلا جدوى في شعر لا يفهمه غير الشعراء.. ولا جدوى من قصة تسرد وقائع عالم لم نعشه ولا نتوقع تجريبه يوماً.. وما قيمة قصيدة متخمة بالشبع تقرأها على جمهور جائع.. أو ديوان شعر تفوح من أبياته مثاليات الأمانة والشرف في واقع فاسد لايجد من يكافح ظواهره للفاسدة غير أقلام غارقة بخيالها. لا أدري إن سبق أن عرف شعراؤنا أن هذه الملايين لاتستسيغ قصائدهم لأنها لاتفهم ما يقولون وبحاجة إلى كل شاعر ليشرح لها ما يعنيه.. وإن هذه الملايين بأشد الشوق لشاعر أو قاص يخاطب وعيها أو حتى يقترب منه بمسافة معقولة.. فمن غير المنطق أن نفتتخ بيت ثقافة، وبيت شعر، وبيت قصة، وبيت.. وكل هذه البيوت لا تجرؤ على مشاطرتنا هموم مكافحة الفقر، والبطالة، والقات، والمخدرات وغيرها من الأمراض التي توجع واقعنا.. ! فهل سبق لهذه الآلاف من الشعراء وكتاب القصة والرواية أن جندوا نتاجاتهم لموسم مكافحة القات أم ان ذلك مناهض لطقوس جلسات الابداع التي حولت مجلس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين في العاصمة صنعاء إلى مقيل قات الكل فيه يترقب نزول شيطان الشعر ليقفز في اليوم الثاني على منصة بيت الثقافة يسرد فصول تجاربه «الإنسانية» !! تعرفت إلى عشرات الشعراء وكتاب القصة اليمنيين، وكان بينهم الطيبون إلى حد الثمالة، وفي دواخلهم إنسانية عظيمة، ومعاناة، وآلام، واغتراب داخل الوطن من النوع المرير.. لذلك اعذرهم بعض الشيء حين ينزوون عن بقية المجتمع لأنني أعرف مسبقاً أنهم بعض نتاجات تأثر شاعر العرب الكبير/عبدالعزيز المقالح وأنهم أدمنوا ذات يوم معاقرة الشعر في «مقيله» الشهير ومثلما اكتسبوا منه فن الصناعة الشعرية لازمهم الاعتقاد بأن ذلك لن يحدث بغير مقيل القات. وهذا هو ما أريد بلوغه .. فحياتنا اليوم تختلف عن الأمس وإن كل فرد فينا مسؤول عن تحرير نفسه من كل موروثات الماضي.. فهذه الطاقات الشبابية المفعمة بالإنسانية يجب ان تؤمن ان كل المبدعين الناجحين هم أولئك الذين كتبوا تجارب البشرية ومعاناتها.. وأننا لا نستشهد بأبيات شعرية لأحد أولئك العظماء إلا لأنها حضرت في موقف مماثل من واقعنا فترجمت أحاسيسنا. أتمنى من كل شاعر ان يقرأ صفحة من مجموعته على أحد أفراد أسرته ثم يسأله ما شعوره، وماذا فهم منها، فإن أصاب المعنى فذلك هو قمة الإبداع.. فلننزل إلى شوارع مدننا ونتلمس هموم كل ركن منها.. فلنشارك مجتمعنا أفكاره ورسائله، ولنكون رسله التي توصل أصواته.. لقد كان عظيم جداً أن يبادر الفنانون التشكيليون إلى عمل أكبر معرض فني لنصرة المقاومة العربية.. لكنني حتى اليوم لا أجد غير شاعر واحد فقط يغرد للمقاومة في كل محفل وطني، ومن يريد التعرف علىه فليحضر إحدى الفعاليات ويراه.. فياترى أين حملة أوسمة الثقافة!؟