لديهما خمسة أطفال، الأكبر منهم حتى الآن لايعرفان أين هو إلا من اتصالات متقطعة.. تغرورق عينا فاطمة بالدموع عندما تتذكره وتقول إنه هاجر إلى السعودية وعندما يتصل يقول لها بأنه يعيش ويعمل هناك وسيعود.. أما هي فتقول: إنها وأباه يريدان الذهاب إليه فهما لاينامان عندما يتذكرانه ويفكران به هل يأكل، يشرب، ينام وتدور في بالهما الهواجس وحرقة قلب الأم على ولدها. الثاني من الأولاد يساعد الأب في العمل باليومية في حمل البضائع والمواد أما بقية الأولاد الثلاثة أصغرهم بنت وولدان فهما معها حيثما تذهب لخوفها عليهم من التشاجر والضياع في الشارع. ظلت فاطمة تدور من مكان لآخر وتشرح مشاكلها المتعددة، الفقر، الخلفة الكثيرة، المدارس، عمل الزوج، إيجار المنزل، الضروري من الملابس، مصروف أمها في القرية.. بل وهموم جارتها التي توفي زوجها وصارتا تذهبان الاثنتان معاً إلى الجمعيات والمحسنين ليساعدوهما.. حتى اهتدت فاطمة إلى حل يخفف عنها الفقر والجوع، ذهبت لإحدى الجمعيات وأخذت قرضاً لتشتري به كيساً من البطاط وشولة ودبة غاز لتبيع البطاط، هي تحضر البطاط وزوجها يأخذ العربية ويذهب بها إلى المواقع المناسبة ليبيع مالديه. زارتني فاطمة كعادتها بين فترة وأخرى وهي بمعنويات عالية، فقد تحسن حالها وقالت: اشتريت ملابس المدرسة ومازلت أحتاج للشنط «الحقائب» والدفاتر وربنا قادر يرزقني ذلك من حلال أو من الطيبين من الجمعيات والمؤسسات الخيرية.. بعد يومين أبلغتني أن إحدى الجمعيات وفرت لها الشنط «الحقائب» المدرسية أما مشروعها الذي أقامته بما اقترضته من إحدى الجمعيات عندما سألتها عنه قالت لي: إنه عمل بسيط بدأته بعد أن تخليت عن الاحتياجات غير الضرورية في هذه المرحلة، قلت لها: ماهي؟ قالت: الاحتياج كان شراء دراجة بثلاث عجلات يضع فيها أبو كمال «زوجها» قدر «دست» البطاط والشولة، قلت لها: لماذا تخليت عنها أو انك أجلت ذلك؟ قالت: نعم.. فكرت أنني إذا فشلت في بيع البطاط «فسأكون» مطالبة برد مبلغ كبير وسأكون في حرج أمام الجهة المقرضة والجهة الضامنة لي أما الآن سأكمل دفع قيمة القرض وسأراجع أنا وزوجي ماحققناه وسأطلب قرضاً لشراء الدراجة. ثم قالت: حمدت الله كثيراً فقد ارتحت وضمنت لأطفالي لقمة العيش ومصروفات الدراسة. فاطمة مثل كثير من الفقراء والفقيرات الذين يثمر صبرهم وذكاؤهم ورزقهم الحلال قالت: إن الله أعطاني رجلاً صبوراً ومتفهماً، سمح لي بالخروج للبحث عن الرزق فهو يعرف أين أذهب وأنا لا أخفي عليه شيئاً كما أن الله رزقني خمسة أطفال أتمنى أن أعلمهم وأربيهم تربية حسنة. عندما سألتها عن القرض قالت بذكاء: لقد تعلمت من هذا القرض أشياء كثيرة تألمت أنني أمية وسأدبر أمري لأتعلم، فكرت بالفلوس وكيف أوزعها لأول مرة استلمت مبلغاً ولكنه ليس للاستخدام والتصرف الخاص تعوذَّت من الشيطان والطمع وذهب زوجي سريعاً لشراء مستلزمات العمل الذي سنقوم به «بيع البطاط». إنها أنموذج من الصبر والحكمة والذكاء للخروج من الأزمة التي يعيشها الفقراء فهل ننصت لهمومهم ونساعدهم على اجتيازها. الله العظيم هو الذي خلق أيضاً من البشر عظماء ليس بالموهبة والذكاء والنبوغ فقط بل بالصبر والرضا بما قسمه لهم فهاتان الصفتان هما المساحة التي تتحرك خلالهما أم كمال وأبو كمال. إنها إحدى النساء اليمنيات الفقيرات زوجة وأم لخمسة أطفال، لديها تجربة عظيمة والعظمة لله تعالى، ولكن بيننا نحن البشر، أناس عظماء شرفاء بالأخلاق والسلوكيات التي يمارسونها ،لم تلههم أطماع وطرق رخيصة للمكسب رغم المصائب التي ما إن يخرجوا من الأولى حتى يقعوا في الثانية.