الإصلاح وعاصفة الحزم.. موقف وطني مبكّر لحماية الهوية ومواجهة المشروع الإيراني    الاعتداء على محامي في شارع عام بمحافظة الحديدة    السامعي: حزب الله يخوض ملاحم الأبطال الصامدين    تصعيد التوترات بين واشنطن وطهران وسط رفض إيراني للمقترح الأمريكي لوقف القتال    محافظ شبوة: اليوم الوطني للصمود ملحمة وطنية صاغتها تضحيات الشعب اليمني    ارتفاع اسعار الاسمدة 40% يهدد قطاع الزراعة في امريكا    بزشكيان يشكر بوتين بالروسية: دعم روسيا يلهمنا في الحرب ضد أمريكا وإسرائيل    وقفات وفعاليات جماهيرية في ذمار بذكرى اليوم الوطني للصمود    الرئيس المشاط يعزّي في وفاة الشيخ حمد بن صالح النوفي    الاتحاد الآسيوي يقر تأجيل مباراة المنتخب الوطني ونظيره اللبناني إلى مطلع يونيو المقبل    انضباط وظيفي بنسبة 90% في مأرب بثاني يوم دوام بعد إجازة عيد الفطر    تقرير : "الجنوب تحت النار".. تصاعد الانتهاكات يعمّق أزمة اليمن    ذمار: دول العدوان تعمدت قتل وإصابة 799 من أبناء المحافظة    منتخب الناشئين يستأنف معسكره الداخلي استعداداً لنهائيات آسيا    المباني القديمة في عدن تشكل خطراً على السكان.. انهيار شرفات عمارة في المعلا    ارتفاع لأسعار النفط    تصاعد التوترات وتبادل الرسائل بين الولايات المتحدة وإيران وسط تصاعد تداعيات الحرب    السيارات الكهربائية المستعملة تنتعش في أوروبا بسبب ارتفاع أسعار الوقود    تأجيل قرعة كأس آسيا 2027 في الرياض    أمطار متوقعة على اجزاء من 18 محافظة    حرب إيران تهدد آمال ستارمر.. أسعار النفط والغاز تعصف باقتصاد بريطانيا    الصبيحي... من وعد الوفاء في الضالع إلى سقوط الجحود في دهاليز السياسة    شبكات تهريب تابعة ل "الإخوان" تغذي مناطق الحوثيين بالغاز    مَرافِئُ الصَّبْرِ وَفَجْرُ اليَقِينِ    صراع سعودي أوروبي.. محمد صلاح يتلقى عروضا مغرية    سقطرى في قلب موسكو.. نصف قرن من دراسات روسية تكشف أسرار الجزيرة اليمنية    وفاة شابين غرقاً أثناء السباحة في شاطئ الكتيب    من يخطف البطاقات الست الأخيرة لمونديال 2026؟    ليس دفاعًا عن الانتقالي، بل لتعرية كذبهم.    وفد الانتقالي يختتم مشاركته بالدورة ال 61 لمجلس حقوق الإنسان    تحذير من أمطار رعدية واضطراب البحر وتوجيهات برفع الجاهزية لمواجهة التقلبات الجوية    الانتقالي يؤكد على التصعيد المستمر حتى فتح مقراته في عدن    مواطنون يرفضون إنشاء مشروع "للزيوت المستعملة" لقيادي حوثي في إب    الذهب يرتفع مع تراجع الدولار وانحسار المخاوف من رفع أسعار الفائدة    المخلافي يوجه برفع الجاهزية وتشكيل غرفة عمليات تزامنا مع موسم الأمطار    صمود الإمارات يعكس قوة النموذج لا مجرد القدرات الدفاعية    فقيد الوطن و الساحه الفنية .. الشاعر حمود صالح نعمان    200 ألف دولار رشوة للتراخيص.. اتهامات مباشرة لمدير شركة الغاز محسن بن وهيط    محمد صلاح يعلن رحيله عن ليفربول .. ما هي وجهة صلاح المقبلة؟    في مدينة إب ..!    اللهم لا شماتة    إشكالية الرواية والتدوين بين قداسة النص وإشكالات النقل    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    الشيخ فهيم قشاش يهنئ الدكتور سالم لعور بمناسبة زواج نجله الشاب أيمن    جامعة عدن تفند مزاعم "اليمني الجديد" وتؤكد سلامة وثائقها الأكاديمية    النقوب خارج الخدمة.. بمديرية عسيلان تعيش في الظلام وسط استمرار الكهرباء بمناطق مجاورة    الحديدة تحتفي بتراثها الثقافي والفني عبر مهرجان "امعيد في تهامة"    استعادة الساعة البيولوجية والتوازن اليومي بعد رمضان: خطوات سهلة وفعّالة    استعادة الساعة البيولوجية والتوازن اليومي بعد رمضان: خطوات سهلة وفعّالة    وزارة الصناعة توجه بتكثيف الرقابة الميدانية ومنع أي ارتفاعات في أسعار الغاز    الدوري الاسباني: ليفانتي يفوز على اوفييدو    العيد ولعبة الكراسي    صنعاء : تعميم هام .. بشان صلاة العيد ..!    رسمياً.. 3 دول تفاجئ العالم باعلان الخميس أول أيام عيد الفطر    "إن متُّ فالعليمي مسؤول".. أحمد سيف حاشد يكتب وصيته من نيويورك ويهاجم السلطة    وزارة الأوقاف:الخميس متمم لشهر رمضان والجمعة أول ايام عيد الفطر    شبوة.. عندما يبكي التاريخ في حضرة التقسيم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رثاء الأب عند الشعراء المُحدثين
نشر في الجمهورية يوم 09 - 04 - 2010


عودة إلى القديم
الرثاء الذي قاله الشعراء العرب على مدى العصور يجاري الدموع التي سالت ، وغالباً ما قيل للتكسب والتزلف من أرباب الجاه والسلطان ، حتى وُصف الشاعر العباسي بأنه ( مدّاحة نواحة ).
ومن الغريب أن الشعر الذي قيل في الأهل قليل جداً ، وربما يكون ما وصلنا منه هو الذي جعلني أحكم بنوع من اليقين أن النتف الشعرية الرثائية كانت تعميماً تصلح لكل شخصية ، وتفتقد الحس العميق والهوية الشخصية للراثي والمرثيّ .
ففي رثاء الزوجة ( الزوج) عرفنا جريراً في بضعة أبيات يستهلها بأن الحياء يحول دون استعباره وزيارة قبر حبيبته . أما غريمه الفرزدق فلا يملك في رثاء زوجته سوى أبيات جرير نفسها يرددها . وفي حماسة أبي تمام نقرأ مقطوعة لشاعر مغمور هو مويلك المزموم يرثي زوجه أم العلاء ( الحماسة 1 ص 402 )
وفي رثاء الزوج وجدت رثاء لعاتكة بنت زيد بن نفيل ، ولأم قيس الضبية ، ولأسماء بنت أبي بكر في أبيات قليلة باهتة المعنى .
ونجد نماذج في رثاء الأخ لدى المهلهل ودريد بن الصمة والخنساء . وفي نهاية حماسة البحتري فصل في مراثي النساء . كما نجد فصلاً آخر في نهاية ديوان الخنساء فيه شعر لبعض شواعر العرب المغمورات ممن تحدثن عن السجايا والشيم، كما تجلت في المرثيّين . وفي حماسة أبي تمام نقرأ لنهار بن توسعة وابن عمار الأسدي والعتبي وطريف العبسي.
وتظل هذه القصائد معدودة إزاء الكثرة الكاثرة من شعر الرثاء ، بالإضافة إلى أنها لشعراء مغمورين .
وفي رثاء الابن قرأنا أشعارالسلكة – أم السليك ، وقصائد ابن الرومي (وهي قمة في الوجدان ) ، وابن عبد ربه وعبد الله بن الأهثم وأبي صخر الهذلي وغيرها.
ونادرة هي القصائد في رثاء الابنة أو الأخت أو الأم ، نذكر منها قصيدتي المعري في رثاء أمه ( سقط الزند ص 39-46 ) وبضعة أبيات لأبي فراس في رثاء أخته ، وليس السبب يعود لكونها أنثى – كما يخيل للبعض ، فإن حظ الأب ليس بأفضل .
ففي رثاء الأب وقعت على بيتين لامرأة ترثي أباها ، وهي تؤكد أنه لا يساوي أباها أحد ( الحماسة لأبي تمام 1 ص 452 ) ، كما وردت أبيات متفرقة لهند بنت عتبة ( زوج أبي سفيان ) في رثاء والدها الذي قتل يوم بدر (الأغاني ج 4 ص 212 – 214 ) . وفي نفس الفترة رثت قُتيلة ابنة النضر بن الحارث أباها .
وسأسوق مثلاً على رثاء الأب من أروى بنت الحباب ، حيث رثت والدها في ثلاثة أبيات :
قل للأرامل واليتامى قد ثوى فلتبك أعينها لفقد حباب
أودى ابن كل مخاطر بتلاده وبنفسه بقيا على الأحساب
الراكبين من الأمور صدورها لا يركبون معاقد الأذناب
ويبدو أن الشعر الذي قيل في رثاء الأب في معظمه وارد من نساء، فبالإضافة إلى من ذكرت تروى أبيات قليلة لعمرة بنت الخنساء ، وآمنة بنت عيينة ، وكذلك أشعار بنات عبد المطلب قبيل وفاة أبيهن ... ( راجع القصائد في ملحق ديوان الخنساء ) غير أن قصيدة المعري في رثاء والده ( سقط الزند ص 13 ) كانت من القصائد النادرة ، فأبوه :
مضى طاهر الجثمان والنفس والكرى
وسهد المنى والجيب والذيل والردن
كما يتحلى أبوه بالوقار والحجى والجرأة والسماحة ، ثم ما يلبث المعري أن يقف أمام الموت والدنيا ، ويعرض آراءه وأفكاره ، وينتقل إلى العاطفة ، فيتمنى لو أن أباه موارى في جفنه ،فأبوه ( لؤلؤة المجد)....... وتصل القصيدة ذروتها الوجدانية :
فهل أنت إن ناديت رمسك سامع
نداء ابنك المفجوع بل عبدك القن
وأحمل فيك الحزن حياً فإن أمت
وألقك لم أسلك طريقا إلى الحزن
وبعدك لا يهوى الفؤاد مسرة
وإن خان في وصل السرور فلا يهنى
وبرغم هذه القصيدة المعبرة فإن القصائد التي قيلت في رثاء الأب هي قليلة أو مغمورة ، وهي لا تقول الكثير .
وما ذكرته من نماذج اهتديت إليها لا يدعى الحصر رغم كل اجتهاد ، فثمة نماذج أخرى لا أرى أنها تغير من أفق التوقع .
في الشعر المعاصر :
وقبل أن ألج الموضوع لا بد من التأكيد على أن الشعر المعاصر بوظيفته الاجتماعية انتبه إلى قيم جديدة ، فأُفرِدت ولأول مرة كتب تناولت رثاء الزوجة منها ( من وحي المرأة ) لعبد الرحمن صدقي و ( أنات حائرة ) لعزيز أباظة ، بالإضافة إلى قصيدة البارودي الدالية في رثاء زوجه .... وقس على ذلك أشعاراً ترددت هنا وهناك في رثاء الابنة ( المازني ) والأم ( شوقي ) .
وسأقف تخصيصاً على رثاء الأب كعينة من خلالها أتوصل إلى أن الشعر المعاصر- وبالأدق الشعر الحديث – هو الذي استطاع التعبير عن عاطفة الشعر بجدارة ، هو البؤرة التي تستقبل الأشعة وتفرقها .
سأقف أولاً على قصيدتين لأحمد شوقي وأحمد زكي أبي شادي حتى أصل إلى أدونيس ونزار قباني وصلاح عبد الصبور متركزاً على قصيدة سميح القاسم كنموذج حي ومتفاعل ومعبر ، عن المشاعر الذاتية والإنسانية معا .

رثى أحمد شوقي أباه علياً سنة 1897 ، وكأنه مسوق إلى قول لم يعتد عليه الشعراء ، فيبدأ قصيدته :
سألوني لمَ لم أرث أبي ورثاء الأب دين أي دين
أيها اللوام ما أظلمكم أين لي العقل الذي يسعد أين؟
( القصيدة في الجزء الثالث من الشوقيات ص 154 _156 )
ثم ما يلبث شوقي أن يؤكد بدهيات – أن كل الناس يموتون وحتى الرسول مات :
يا أبي ما أنت ذا أول كل نفس للمنايا فرض عين
هلكت قلبك ناس وقرى ونعى الناعون خير الثقلين
غاية المرء وإن طال المدى آخذٌ يأخذه بالأصغرين
ونحن نكاد لا نجد عاطفة للشاعر بأحاسيس منفعلة ، فهو يتحدث عن قوة الموت ، وأن الطبيب يعود خائباً بخفي حنين ، وأن الموت ينفذ الجو على عقبانه ، ويلاقي الليث ويحط الفرخ من أيكته .
ونجد في ثنايا القصيدة ما يحوي لنا بالعلاقة معه :
وتمشينا يدي في يده من رآنا قال عنا ( أخوين)
طالما قمنا إلى مائدة كانت الكسرة فيها كسرتين
غير أن هذه العلاقة تكتسب طابعاً صوفياً على المستوى الشكلي على غرار قول الحلاج :
أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته وإذا أبصرته أبصرتنا
فيقول شوقي :
أنا من مات ومن مات أنا لقي الموت كلانا مرتين
وفي ختام القصيدة :
وإذا مت وأودعت الثرى أتلقى حفرة أم حفرتين ؟
وبالإجمال فإن هذه القصيدة لا تنقل لنا ( العدوى ) العاطفية على حد تعبير الشعراء الرومانتيين .
ويبدأ أحمد زكي أبو شادي ( 1892- 1955) قصيدته في رثاء والده محمد أبي شادي بك ، وكان صحافياً ورئيس نقابة المحامين ، وعضواً في مجلس النواب وقد توفي سنة 1925.[6]
يبدأ الشاعر قصيدته :
أرثيك والحب الصميم رثائي
(انظر الشفق الباكي لأبي شادي ص 133 – 14 )
ويعدد الشاعر الفضائل التي تحلى بها والده ثم ما يلبث أن يكرر ( لهفي على ..........)
فيتلهف على جوده ، وحدته لصون العدل وقلمه المصلح وأدبه المفكر وخلقه وعمله وظرفه ووده الكريم وشممه وشيمه التي لا يستطيع إحصاءها .
وبالإجمال فإن في هذين النموذجين من شوقي وأبي شادي شيئاً مشتركاً ، وهو الوضوح والمباشرة والتقريرية في تكرار عبارات الأسى واللهفة عند كليمها ، وإذا كان شوقي قد عكس طريقته في كتابة الشعر من معارضة وحكمة وخطابة واستطراد ، فإن أبا شادي قد رثى والده بتفصيل عبارة وبناء متماثل ، وهو يعكس على الأقل شخصية نموذجية من شخصيات مطالع هذا القرن أكثر من كونه والداً له معه أكثر من وشيجة.
فإذا انتقلنا إلى نماذج من شعر الحداثة فإننا نطالع قصيدة أدونيس (الموت) ، وهي مؤلفة من ثلاث مراثٍ نشرها في مجموعته الأولى ( قصائد أولى ) (1947 – 1955 ) ففي المرثية الأولى ( ص 116 ) يبدأ قصيدته بالإشارة إلى أن أباه تركه وهو واثق من مستقبله المفتوح ، وإلى أن حياة الشاعر مع والده كانت سهلة فقد كان :
( أبي غد يخطر في بيتنا شمسا
وفوق البيت يعلو سحاب )
ويؤكد لنا الشاعر ( أحبه ) ثلاث مرات... في المرة الأولى أعظما ، وفي الثانية سؤالاً عصياً دفين ....وجبهة ملفوفة بالتراب وفي الثالثة وأحبه صدراً رميماً وطيناً ، ثم يعود في المرثية الثانية (ص 117 ) ليؤكد أن الأب كان قد شد بصدر الشاعر للسماوات ، وحمله الماضي وخلى صدى منه ينادي للمستقبل ( وفي هذا عود لمعاني المرثية الأولى) ، ثم يخاطب لهب النار الذي ضمه قائلا لها إنها مقدسة لم يفن فيها :
هي كالشمس تأفل عن أجفاننا وهي وراء الشمس لم تأفل
وهذه القصيدة غارقة بالفكر والذهنية ، ونحن نتساءل فيها : لماذا قرن بين والده والنار المطهرة ؟ أكان ذلك بتأثير البوذية أم أن في عقيدته بعض الإشارات الخاصة أن فكرة الشمس تعود في المرثيتين الأولى والثانية ، وأن الشمس لها دلالة رمزية كذلك .
أما المرثية الثالثة ( ص 118 ) فهي سطران معبران فيهما تمازج استعارات وسببية مبالغ فيها ، لكنها مترابطة ومتعانقة والبيتان هما :
على بيتنا كان يشهق صمت ويبكي سكون
لأن أبي مات أجدب حقل وماتت سنونو
وفي تقديري أن البلاغة متأتية بسبب مخالفته لسُنة الطبيعة ، ومن حق الشاعر أن يرى زوال الصيف والخيرات في لحظات حزنه العميق . غير أننا نلاحظ في المرثيتين الأوليين نوعًا من التحدي.

وقصيدة نزار قباني في رثاء أبيه ( انظر مجموعته ( قصائد ) الطبعة الثامنة ص 157 – 161 ) تبهر القارىء بلغتها ووزنها وطاقتها الموسيقية ونحت كلماتها ، لكنها أسوة بأشعار نزار في كثير من قصائده تشع للحظة وتتوهج آنيًا بشكل لا يوازي أي إشعاع ، ولكن دون أن تترك أثراً كبيراً ، أو حكاية وراءها حكاية ، أو نفسية ممزقة .... فنزار قباني لا يصدق موت أبيه ، لأن السبب أنه ما زال فيه روائح رب وذكرى نبي ، فركنه وأشياؤه تتوالد تفتق عن ألف غصن صبي ، وكأنه لم يذهب .
والمبالغة تأخذ دوراً بارزاً في القصيدة فبقاياه بقايا النسور على الملعب ، وحينما يمر على الزوايا يمر معشب ، والأب ما زال حياً يسامره ، و الدوالي الحبالى توالد من ثغره الطيب ، والأب له كروم بذاكرة الصيف وبذاكرة الكواكب ، وعيناه ملجأ للنجوم فهل يذكر الشرق عيني أبي ؟ وأبوه معنى من الأرحب الأرحب . وبعد هذا الإغراق في المبالغات التي عبرت عن شاعرية وصفية أكثر من كونها إحساساً منقولاً - يصل بنا الشاعر إلى أنه هو وأبوه متماثلان :
حملتك في صحو عيني حتى تهيأ للناس أني أبي
أشيلك حتى بنبرة صوتي فكيف ذهبت ولا زلت بي ؟

أما صلاح عبد الصبور ( 1931 – 1981 ) فرثاؤه لأبيه كان على شكل قصة ( انظر ديوانه الناس في بلادي ص 23 ) ، ونحن نتعرف إلى سبب موت أبيه في تضاعف القصيدة ، ونتقرّى في تجميع جزيئات القصيدة مصرعَ أبيه في ( صخر الجبل ) ، وكانت الذؤبان تعوي والرياح.... وقد أتيَ به إلى الميدان مشجوج الجبين حمله أشخاص ( لعلهم عمال جنود )
في وصف درامي :
وبأقدام تجر الأحذية
وتدق الأرض في وقع منقر
طرقوا الباب علي ...
ويصف عبد الصبور جو القتامة من بعد أبيه ، فهو يراه بين الضباب :
ونرى طلعته بين الضباب
وأرى الموت فاعوي يا أبي
ولفظة (أعوي ) و صرير الباب في صوت كئيب فيها تماثل وهذه القتامة ، وتتميز قصيدة عبد الصبور ( القصصية ) بالإضافة إلى شعبيتها وصدق تجربتها بالتكرار الذي تردد على الكثير من مقاطعها ، وخاصة ما يتعلق بالنعي أو بالجو المتلبد الذي صاحب النعي.

وتقع قصيدة سميح القاسم في ستة مساقات ( انظر GRATA NON PERSONA ص 42 – 48 ) تارة يكتب شعر التفعيلة ، وطوراً يلتزم الشعر العمودي ، وفي هذا التراوح توزيع لآهاته ، وتنفيس عن لواعج ذاتية مضطربة ففي المساق الأول يبدأ القول :
كبرت
وصرت
من الأهل في منزل الحزن
يفضي لنا الشاعر بسرائره فقد تغيرت ملامحه ، وصوته ترهل ، وضاقت خطاه ..هرم.. وغام وصاحب تغير ملامحه تغير في طبائع الأشياء – فقد العشب من نضارته ، وتلون الصبح بالصفرة والورد بالغبرة ، وقد تغيرت ملامح الأفق والشمس .
وفي المساق الثاني يلجأ إلى البحر الخفيف بقافية مقيدة :
كان قبري فكيف أصبح قبرك وهو سري أم أنه كان سرك
يا أبي والدي أبوي ويابا فيك وحدت والردى فيك أشرك
ولا يخفى أن البيت الأول يلامس بيت شوقي الذي ورد سابقًا ، لكن الأصوات المجسمة لنداء الأب وبكل نغمة ولغة تضفي جواً مأساوياً ، كما تتميز هذه المفارقة الحادة بين التوحيد والشرك على عمق الصورة النابعة من عقيدة التوحيد الدرزية – ( سري ، وحّدت ) .
إن الشاعر يشتهي أن يسمع نداء أبيه العذب ( يا ابني ! ) ليجبه ( أمرك )..... وهو أسوة بنزار وعبد الصبور لا يصدق بأنه غاب عنه :
غبت عني ! هل غبت عني ؟ هذا طيفك الحي بيننا يتحرك
لم تزل تملأ العباءة بيتي من ترى يملأ العباءة غيرك
وبالطبع فإن الشاعرين رمزا من ورائها إلى هيبة الأب وديمومته.
وفي المساق الثالث يقول إن وجه أبيه السمح قصارى الرضا ، وإن همسة الطيبة غاية الرزق ، والشاعر يكرر طريقة الأب في تحية الصباح ، وتشبّع الابن بجو الأبوية – يبوس يديه...يلثم ردن عباءته المعشبة ( تعبير نزاري ) .....يملأ روحه برائحة البن والتربة الطينية ....يملأ قلبه بحكمته السمحة المرعبة .....
يعود الشاعر ليؤكد أن أباه حي مثل جبل حيدر المتاخم لقريته ( الرامة) ، بل هو أحلى وأكبر وأعلى وأنضر.
وفي المساق الرابع يتوقف لدى زيتونة في قطعة أرض تابعة له ، ويخلع عليها طاقة إنسانية مستقاة من شعور سميح بدوره ، فالزيتونة تهب الوجود لأمة العرب ، ونشرت على الآفاق خضرتها ، وتفجرت نوراً مدى الحقب... عرفت الزيتونة (وهي رمز بارز في التراث الفلسطيني ) هذا الأب ، فعند زيارة الشاعر لها تعاجله بالسؤال ، أو هو يعاجلها ( أين أبي ؟ ) وكأن الزيتونة والأب صنوان.
وفي المساق الخامس يحدثنا عن عواطفه إزاء جسر روحه ، يقول له:
ساعتك الأوميغا استسلمت للزمان
قلبك في جسدي موضعه
أتفتح أبواب حزني
وتغمض عينيك عني
أبي لا تدعني !
ويحس الشاعر بطفولته وهو يتلهف إلى لمسة من يدي والده ، وهو يتشوق إليه، ويكرر أبي لا تدعني !! .
وفي المساق السادس يقول لنا إنه لم يَضع ( يعلق ) صور والده على الجدار، لأنه لا يعرف كيف يلاقي نظره.... وضحكة قلب الشاعر انتهت ، وأصبحت دمعة فوق تراب دثر والده :
يا أبي ما زلت في منزلنا ماثلا لم ننس حتى نذكرك
ومرة أخرى يعود الشاعر ليركز على كونه طفلاً ، وهي ( الموتيف ) في القصيدة :
كم تماديت وكم باركتني غافرا من قبل أن استغفرك
طفلك المتعب مشتاق فمن يا أبي ، عن موعدي قد أخرك
وقصيدة سميح تشي عن وصف ذاتي لشخصيته هو ، فالأب صديقه ، وفارسه ، وإمامه ، وهو يجد في هذه الشخصية انعكاساً لطموحاته الوطنية الأصيلة . ولعل من الجدير أن أذكر أن الشاعر يربط باسم والده ( جبل حيدر ) و ( خلة القصب ) .... وعند شرح معنى اللفظين يلجأ إلى شاعرية التعبير مستمدة من واقعه الذي وصفه :
- جبل حيدر الذي يحمل الرامة على زنديه مثل طفلة ترفض النوم .
- خلة القصب – قطعة أرض تنبت زيتوناً وأجيالاً وتاريخاً .
وأخيرًا ، إن في هذه الوقفة عند قصيدة القاسم دليلاً على الزخم في المشاعر والحيوية ، وفيها تاكيداً على أن الشعر الفلسطيني لم يكن في موقع ريادي بفضل القضية ومعاناتها فقط ، بل لأن الطاقة الشعرية هي التي أهلت بعض شعرائنا للدخول في محراب الشعر الرفيع .
ولا بد من التأكيد من خلال متابعة قصائد المحدثين أن هذا الشعر عبر عن عواطفنا الإنسانية بعمق وشفافية ، وبمضامين مصوغة بحيوية وألفة ، فإذا ترجمت هذه القصائد لأية لغة فإنها لا تفقد حلاوتها وطلاوتها .... وفي ذلك نموذج على تناول موضوعات كثيرة قصر فيها الشعر القديم وجلّى فيها الشعر الحديث ، وفي ذلك عبرة لمن بقي في مكانه يرفض حداثة الشعر والتجديد في صياغته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.