شارك ملايين اليمنيين أمس في أداء صلاة “جمعة الحوار” والذين اكتظت بهم الساحات العامة في أمانة العاصمة وعموم محافظات الجمهورية. ففي العاصمة صنعاء اكتظت ساحة ميدان السبعين وساحة التحرير والشوارع والأحياء المحيطة بهما والموصلة إليها بملايين المواطنين الذين توافدوا منذ يوم أمس الأول من مختلف محافظات الجمهورية. وفي خطبتي الجمعة بساحة التحرير, أكد الخطيب أهمية تعزيز الاصطفاف والوفاق الوطني لمواجهة التحديات والمخاطر المحدقة بوطننا اليمني. مشيراً إلى أن الله عزّ وجل أنعم على يمن الإيمان والحكمة بنعمة الأمن والاستقرار, وهي كنز ثمين وأساس الحياة كلها مستشهداً بقوله تعالى: “فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف” لافتاً إلى أن نعمة الأمن والاستقرار مرتبطة بأعظم الوصايا التي أوصى بها الله تعالى. وأوضح خطيب الجمعة أن الأمن والإيمان في أي وطن وأي شعب قرينان متلازمان، فلا تقوم الحياة دون الإيمان برب الأرض والسماء، ودون أمن يكفل لهم عزّتهم وكرامتهم وحفظ أعراضهم وحقوقهم وإتيان واجباتهم. مشيراً إلى أن بعض الفئات المتعصبة لرأيها أو لقرارها يريدون للأمة الإسلامية اليمنية ألا تعيش في أمن وطمأنينة, وألا تعيش متماسكة البنيان، بل يريدون لها التفرّق والتمزق والقتل والاقتتال وانتهاك الحرمات وإتلاف الممتلكات وانتزاع الأمن وتشويه صورة اليمن الموحّد. وأكد أن أي بلد تثار فيه الفتن والمظاهرات التي تخرج عن طوق السلمية والدستورية الشرعية من خلال الألفاظ المحرّفة وأعمال الشغب والفوضى، تحمل التكيف والتعطيل والتحريف والتمثيل أو التشبيه والمحاكاة والتقليد, يتزعزع أمنه وتنتشر الفوضى مما يؤدي إلى القتل والتنازع وسفك الدماء وانتهاك الأعراض وقطع الطرقات ويثير طمع أعداء الأمة في هذا البلد. وقال: “يا لها من فتنة تحصل على العباد إذا وُكلت تلك المظاهرات إلى ذوي الفتنة والأهواء الذين يقومون بتغرير جهلاء الناس ممن لا يدركون مآل الأمور فيفسدون في الأرض ويسفكون دماء المسلمين, فلا هم للإسلام ناصرون, ولا هم للحق تابعون, ولا هم لوحدتهم محافظون, ولا هم للحق مظهرون”. وأضاف: “إن تلك المظاهرات ما هي إلا مطامع دنيوية أو أفكار منحرفة أو هدّامة مقتبسة من هنا أو هناك، يشعلون بها نار الفتنة, والله تعالى يقول في محكم البيان: “ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، وإذا تولّى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد”. وخاطب خطيب الجمعة أبناء الشعب اليمني بقوله: “يا شعب أنزل فيه الله تعالى قوله: “بلدة طيبة ورب غفور” أي منبته طيب وثمار شجره طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء”. وتابع: “إن ما تقوم به تلك الثلّة من جماعة المسلمين التي خرجت عن يد الله ويد الجماعة وتسببت فيما نحن فيه من معانات، ما هي إلا نتيجة لما فعله بنا أولئك المستغلون لحاجة الشباب الذين ضاقت عليهم أسباب العيش في لحظة ضعف إيمانهم لمواجهة الصعاب فاستفردوا بهم، ووظفوا مطالبهم فحوّلوهم إلى مؤامرات وفتن وتوترات وقلق من أقصى اليمن في مشرقه إلى مغربه, وشماله وجنوبه”. وقال خطيب الجمعة: “إن ما تقوم به تلك الثلّة البعيدة عن الدين ومنهج الحق والاعتدال والوسطية أسهمت في نشر الخوف والهلع للناس, وانعكس ذلك على حياتهم بالنكد والمعاناة، فأحجمت الأسر عن إرسال أبنائها إلى العلم والتعلم, وأُغلقت الجامعات وعطّلت الطرقات لمصالح الفقراء والمساكين”. متسائلاً: “فهل هذا تعبير سلمي، وهل هذه مظاهرة يطالب بها ارتقاء الفقر إلى الغنى, والمرض إلى الصحة، والشقاء إلى السعادة، والخوف إلى الأمن؟!”. وبيّن أن ذلك الخروج اللا مبالٍ والفوضوي العشوائي الغوغائي قد انعكس سلباً على اليمن واليمنيين, ونجم عنه ارتفاع الأسعار, واستغل بعض التجار المحتكرين الأزمة للمغالاة في أسعار السلع وسحب العملات الصعبة من الأسواق؛ إما لاحتكارها أو تخوفاً على ندرتها أو لإحداث أزمة في البلاد. وقال: “ليت الأمر استقر على هذا، بل امتدت أيدي التخريب والفساد إلى تفجير أنابيب النفط والغاز والديزل أو الاحتكار، وقيام بعض العناصر المتواطئة بأزمة جديدة بتشجيع من أحزاب اللقاء المشترك بقطع إمدادات الغاز من الحقول المنتجة ومنع القاطرات من المرور في الطرقات لخلق أزمة في المدن والقرى، فأصبحنا نعاني من خسائر اقتصادية سوف تترتب عليها مستقبل اليمن بالانهيار إلى الأدنى”. وخاطب جموع المصلّين قائلاً: “كلنا نريد تغيير الحال من الفقر إلى الغنى, ومن الذل إلى العزّ والخروج من بوتقة الظلام إلى النور, لكن بما يرضي الله ورسوله وليس بالمقامرات على الوطن ووحدته، لأن تلك الأحزاب وقيادتها المقامرة لا تضع لمصلحة الوطن ولا لملايين المواطنين أي اعتبار”. وحذّر خطيب الجمعة أي شخص ينفرد بقراره أو يتعصب لحزبه أو لمذهبه ولطائفته من أن الدماء التي سُفكت في ظل غياب ضميره وتغييب صوت العقل عنده وتغليب مصلحة الوطن والمواطنين لن تذهب هدراً. مستشهداً بما جاء عن المصطفى عليه الصلاة والسلام في قوله: “يجيء بالمقتول يوم القيامة يوقفه متعلقاً بالقاتل يقول يا الله وهو متلطخ بدمه؛ تشخ بأوداجه يقول اي ربي سل هذا فيما قتلني؟!”. وأفاد أن في اليمن رجالاً يعرفون الله ومنهج نبيهم, ومنهم من قام بحمل ذلك الكتاب في مبادرته، وهو يقول لهم: “تعالوا إلى طاولة الحوار” إلا أنهم تبرّأوا منها وعطّلوها, وهي طاولة حاور الله تعالى جميع أنبيائه واسمها “طاولة المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك”. وتساءل: أين ذهبت تلك الدماء برجال جاءوا بالسلام وبالراية البيضاء، كوسطاء وبدلاً من أن يستقبلوهم بالترحاب استقبلوهم بنيران القتل والخداع أمام بوابة الفرقة الأولى مدرّع، واتهموا في نواياهم.. مشيراً إلى أن تلك الدماء التي سُفكت في ساحة الاعتصام قد ألصقت التهمة بمن يحمونهم من رجال الأمن دون إثباتات.. ولفت خطيب الجمعة إلى أن رئيس الجمهورية وجّه بمحاكمة كل شخص ثبت تورطه في تلك الجريمة.. محذّراً من تداعيات الأزمة التي ستكون عواقبها وخيمة إذا ما استمر الحال على هذا التعصب للحزب أو الرأي أو عدم تحكيم لغة العقل ورجاحة الفكر وإيمان القلب على كتاب الله وسنّة رسوله. وناشد أحزاب اللقاء المشترك بالتعقّل والعدول عن اتخاذ القرارات اللا مسؤولة التي تؤدي إلى تأجيج الفتن وإشعالها بغية أغراض ذاتية أو شخصية أو تصفية حسابات. وقال: “مع مرور الأيام تنكشف الحقائق عن الطامعين في اليمن من الخادعين الذين يقامرون للوصول إلى السلطة ولو على حساب تمزيق الوطن وإسقاط نظامه أو تعطيل مؤسساته الدستورية المشروعة، عابثين بكل ما هو شرعي من كتاب الله ومنهج النبي وما هو قانوني كالدستور اليمني”. كما وجّه خطيب “جمعة الحوار” رسالة إلى أحزاب اللقاء المشترك وإلى جميع الشباب في ساحات الاعتصام، مذكّراً إياهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه, فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات، مات ميتة الجاهلية” مضيفاً: “تعالوا إلى الحوار وانضموا إلى الجماعة”. وتطرّق إلى مبادرات رئيس الجمهورية والعلماء والتي من خلالهما يتم تسليم السلطة سلمياً عبر الحوار، ونقاش الأخوّة بدلاً من البغضاء والكراهية. مثمّناً الجهود التي بذلها الأشقاء في دول مجلس التعاون الخليجي من خلال مبادرتهم السياسية التي استجابت لها القيادة السياسية في اليمن وفقاًً للدستور والشرعية للخروج بالوطن من الفتنة والأزمة الراهنة.