كلما خضنا حوارًا عن حال اليمن اليوم وسبل الخروج مما نحن فيه، يخطر في بالي اسم أستاذي الحبيب محمد قحطان- فرّج الله عنه- لم يكن مجرد سياسي في موقع حزبي، بل عرفته في ذاكرتي وذاكرة كثيرين غيري ذلك العقل الهادئ الذي يؤمن أن الكلمة يمكن أن تفتح ما تعجز عنه القوة. عرفته دائمًا الرجل الذي يمتلك قدرة على الإصغاء قبل الحديث، وعلى البحث عن المشترك قبل الغوص في الخلاف. لم يكن يرى السياسة معركة لإقصاء الآخرين، بل مساحة لبناء التوافقات، ولهذا استطاع أن يكون أحد العقول التي أسهمت في جمع قوى سياسية متباينة حول فكرة العمل المشترك.
في الحوار كانت تعلو الأصوات ويستحكم الخلاف، ويتمترس كثير منا خلف قناعاته، لكن الأستاذ كان يظل على ذلك الهدوء الذي يخفي وراءه قدرًا كبيرًا من الحكمة والعمق. كان يتعامل مع الأزمات بعقل رزين وقلب مفتوح، مؤمنًا أن اليمن لا يمكن أن يُدار إلا بالحوار وبالاعتراف بتنوع توجهات وخيارات أبنائه.
ولعل أكثر ما يرسخ في الذهن عنه أنه كان يتحدث عن السياسة بوصفها مسؤولية تجاه الوطن لا طريقًا للمكاسب الشخصية. كان يبدو كمن يحمل فكرة أكثر مما يحمل موقعًا؛ فكرة أن اليمن يمكن أن يجد طريقه عبر التوافق لا عبر الغلبة.
لم يكن الغياب القسري لقحطان مجرد حدث عابر اقدمت عليه جماعة إجرامية عابثة ومغامرة، بل استهدافًا ممنهجًا ينطوي على خبث يستهدف كل صوت حكيم وكل قامة وطنية يمكن أن تسهم في إخراج اليمن من محنته. لقد أرادت هذه الجماعة، من وراء اختطافه وإخفائه، أن تستهدف العقول المبصرة المؤمنة بالحوار والمخلصة للمشروع الوطني، لتفرض الخوف وتكمم الأصوات التي تنادي بالعقل والتوافق. وهي وحدها من يتحمل مسؤولية تغييب هذا الرمز السياسي في معتقلاتها، ومسؤولية الجرح الذي تركته بهذا التغييب لقحطان في ضمير الوطن.
لم تعد قضية إخفاء الأستاذ محمد قحطان مجرد ملف حقوقي إنساني أو قانوني يطالب أهله ومحبوّه بكشف مصيره، بل تحولت مع مرور السنوات إلى قضية رأي عام تمس وجدان اليمنيين جميعًا. فقد صار تغييب هذا الرجل محاكمةً مفتوحة في ضمير الوطن، تكشف طبيعة الجماعة التي اختطفته، وتعرّي مشروعها الذي قام على إقصاء السياسة وإسكات الأصوات العاقلة.
إن اختطاف قحطان لم يكن استهدافًا لشخصه وحده، بل رسالة قاسية وملتبسة أرادت تلك الجماعة أن تبعث بها إلى المجتمع كله؛ رسالة تقول إن العقول التي تؤمن بالحوار، والقيادات التي تسعى إلى بناء التوافق، لا مكان لها في ظل مشروع يقوم على الغلبة والقوة. وهكذا تحولت قضيته إلى شاهدٍ حيّ على حجم العبث الذي طال حاضر اليمنيين، وعلى المؤامرة التي استهدفت مستقبلهم.
لقد أدرك اليمنيون، من خلال هذه القضية وغيرها، أن الجماعة التي اختارت طريق القمع وتغييب الخصوم لا يمكن أن تكون شريكًا في بناء دولة تتسع للجميع. فالدولة التي يحلم بها اليمنيون — دولة القانون والكرامة والمواطنة المتساوية — لا يمكن أن تنمو في ظل عقلية ترى في السياسة خطرًا، وفي الحوار ضعفًا، وفي حرية الإنسان تهديدًا لسلطتها.
ومن هنا لم تعد قضية محمد قحطان قضية ظلم لقائد سياسي ، بل صارت رمزًا لصراع أوسع بين مشروع دولة يسعى إليها اليمنيون، ومشروع آخر يحاول أن يبقي البلاد رهينة الخوف والقوة. ولهذا سيظل اسمه حاضرًا في الوعي الوطني بوصفه شاهدًا على زمنٍ حاول فيه البعض أن يخنق السياسة، لكنهم لم يستطيعوا أن يطفئوا فكرة الحرية