أثارت قتل الطفل إبراهيم جلال (14عاماً) من قبل قناص ميلشيات الحوثي في تعز غضب واسع، بعد انتشار صور له مع شقيقته وهما يمسكان بعضهما البعض في طريق العودة من المدرسة. ففي حي الروضة بمدينة تعز، كانت الفرحة تملأ عيون إبراهيم وشقيقته الصغيرة أثناء عودتهما من المدرسة، يحملان حقيبتيهما المدرسية وآمالهم بالحياة، لكن ميليشيات الحوثي كانت لهم بالمرصاد.
لحظة عبور الطريق قلبت حياتهما رأسًا على عقب، إذ أصيب إبراهيم برصاصة قناص تابع ميليشيات الحوثي، فسقط أمام عيني شقيقته، قبل أن يُعلن عن وفاته بعد نقله إلى المستشفى.
ظهرت أمه المعلمة "منى سعيد" وهي تبكي ابنها وتنتحب في المستشفى بحالة انهيار تقلب جسده وتتأمل وجهه للمرة الأخيرة وتقول "عادك طفل يا إبني" كانت توكل أمرها إلى الله للإنصاف لها.
المعلمة "منى" تعيل أبناءها الذين الثلاثة قبل أن يقتل الحوثيين ابنها البكر "إبراهيم"، نزحت سابقاً بسبب حرب الحوثيين الوحشية خلال أكثر من عقد، الى منزل قرب منطقة التماس في الكمب، وهي الآن تخسر ابنها بعد فقدان والدهم غير المعلوم.
الأخت المفجوعة ظهرت شقيقته إبراهيم وهي غارقة بدموعها وصوتها المتهدج تتحدث عن لحظة مقتل شقيقها أمام عينيها، وقالت "كنا نمشي مع بعض وفجأة وجدت الدم متناثر على الأرض وأصبحت بالهلع ودخلت في غيبوبة".
بالقرب من موقع قتل شقيقها كانت تتحدث وترتجف من رعب اللحظة التي شاهدتها -كما ظهرت في فيديو متداول- كانت تشير إلى المكان الذي قتل وتقول "تم إسعافه" ولم تكن أن الرصاصة كانت قاتلة.
وتذكر هذه الجريمة بقصة قنص "طفلة الماء" رويدا صالح (8 سنوات) برصاصة في الرأس في أغسطس 2020، وظهر شقيقها في فيديو وهو هرع إليها فور إصابتها لإنقاذها من الموت.
وكانت الجريمة في ذات المكان الذي تم فيه استهداف "طفلة الماء" قبل حوالي ست سنوات، ما يعكس استهداف المدنيين بشكل متكرر في هذه المنطقة وبشكل منهجي من قبل ميلشيات الحوثي الإرهابية.
في تفاصيل حياة الطفل "إبراهيم" قصة إنسانية أخرى حيث والده مفقود منذ سنوات، والأم تكافح لتربية الأطفال وتأمين تعليمهم، محاولة القيام بدور الأب غير الموجود، وتتكبد الأسرة الصغيرة آلالام مضاعفة.
وقبيل عيد الفطر المبارك، وقعت حادثة مشابهة أثارت غضبًا واسعًا، حين استهدف قناص حوثي امرأة -بجانب طفلها- كانت على سطح بيتها تنشر الثياب، ما يعكس استهداف المدنيين بشكل عشوائي وممنهج، وتهديد حياة الأبرياء حتى في مناسبات الفرح والاحتفال.
غضب على وسائل التواصل
وعبر ناشطون عن غضبهم واستيائهم من استمرار الجرائم والمطالبة بحماية المدنيين ومحاسبة مليشيا الحوثي على استهداف الأطفال والنساء، والتذكير بمأساة اليمنيين مع سيطرة الحوثيين على أجزاء واسعة من مدينة تعز.
وقال الصحافي غمدان اليوسفي، معلقاً على الجريمة "لم يقتل بقذيفة خاطئة، بل باستمتاع وتلذذ.. قناص يستلقي على صدره ويراقب المنطقة بكل أريحية.. ينتقي ضحيته بعناية، يدرك أن هذا الجسد الضئيل ليس مقاتلا".
وأضاف -على منصة "إكس"، "هذا ليس أول طفل ولا آخرهم، سلسلة من العبث والتسلية بأرواح المدنيين طوال عشرة أعوام".
من جانبه قال همدان العلى، "من يقتل أطفال اليمن قنصاً منذ أكثر من عقد، لن ينقذ أطفال فلسطين"، لافتا "أن من يطبل للحوثيين والخمينيين، لا يحترم دماء اليمنيين لا يستحقون أن نحترمهم".
كما علق أحمد الشلفي، على صورة الطفل وشقيقته "جراحُ اليمنِ كلُّها تختصرُها هذه الصورة"، وكتب "أيها القنّاصُ الحقير، كيف تجرّأتَ على قتلِ هذه اللحظةِ بين طفلين حالمين، أخٍ وأختٍ، في تعز؟ كيف سرقت ابتسامة أخيها منها وتركتها للحزن والدموع ؟!".
إلى ذلك قال الناشط مصطفى القطيبي "إن استهداف الأطفال بهذه الوحشية يكشف طبيعة هذا المشروع الدموي للحوثيين الذي لا يعرف إنسانية ولا رحمة"، لافتل أن "تحوّلت شوارع تعز إلى مصائد موت".
وأضاف: "إن قناصة المليشيا الحوثية، يستهدفون المدنيين العزّل بلا تمييز، ومقتل الطفل إبراهيم جلال ليس حادثة عابرة، بل حلقة جديدة في سجل أسود من الجرائم والانتهاكات بحق الطفولة والإنسانية".
جرائم بحق الأطفال
تشير تقارير إلى أن استهداف المدنيين بالقنص في تعز، خصوصًا الأطفال، أصبح نمطًا متكررًا منذ سنوات. ووثق تقرير حقوقي أن 166 طفلًا قتلوا بالقنص في المحافظة منذ بداية حرب الحوثيين على تعز، إضافة إلى إصابة أكثر من 1,100 مدني آخر.
تعكس حادثة مقتل الطفل إبراهيم، بالإضافة إلى استهداف امرأة على سطح بيتها قبيل عيد الفطر وحوادث أخرى سابقة، نمطًا متكررًا من استهداف المدنيين في مدينة تعز، حيث تقع المنطقة بين خطوط التماس بين طرفي النزاع.
ووفق تقرير حديث لمنظمة "حماية الأطفال" قُتل وأصيب نحو 1200 طفل منذ بدء الهدنة نتيجة استمرار العنف، حيث شكّلت الألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة السبب الأبرز لهذه الحصيلة المرتفعة.
وبيّنت البيانات أن ما لا يقل عن 339 طفلاً لقوا حتفهم جراء القصف وإطلاق النار والألغام، في حين أُصيب 843 آخرون، كثير منهم بإصابات دائمة غيّرت مجرى حياتهم. وأشار أن511 طفلاً، أي ما يقارب نصف العدد، سقطوا ضحايا للألغام ومخلفات الحرب.
وقامت ميلشيات الحوثي خلال السنوات الماضية بزراعة أعداد كبيرة من الألغام، قُدّرت بأكثر من مليون لغم، في الطرقات والمزارع ووسط التجمعات السكانية، وأصبحت تهديد يومي يلاحق المدنيين، وخاصة الأطفال، في بيئاتهم الطبيعية، من الحقول إلى الطرقات والمدارس.
ومنذ بدء حروب ميلشيات الحوثي في اليمن لم تتوقف مأساة الأطفال اليمنيين ومعاناتهم، وخلال أكثر من 11 عاماً من سيطرة الميلشيات على أجزاء واسعة من البلاد، مازالت مصدر الموت والقتل لليمنيين بكافة فئاتهم، في بلاد تنتظر الخلاص.