باب التبانة وجبل محسن بؤرتا توتر أو كما يطلق عليها أهل الساسة في لبنان «صندوق بريد» فمنها وعبرها يمارس السياسيون دولا وأحزابا وأفرادا الضغوط على خصومهم، فإن أصاب الزكام طهران ظهر السعال في باب التبانة، وإن عانى النظام السوري آلاما حادة في رأسه ظهرت الأعراض في جبل محسن. إنها حكاية بؤرتين بات التوتر فيها خبزا يوميا.هو ابن عائلة أحد أبنائها ترشح للرئاسة اللبنانية في عهد الاستقلال وهو يضع العمامة على رأسه، فيما هو يعتبر رأس الكتلة النيابية الطرابلسية في تيار المستقبل، رفيق «رفيق الحريري» وأحد الأذرع اليمنى لنجله «سعد الحريري»، يتهامس البعض حوله أنه مرشح كبير لرئاسة الحكومة، فيما هو وبهدوئه الحاسم لا يدخل في تلك التفاصيل.هادئ إلا أنه صريح عندما يؤكد أن لبنان ما بعد سقوط النظام السوري ليس كما قبله، لا يراهن بل يقرأ الوقائع كما يقول ويشدد واثقا أن حزب الله هو من يدرب ويمول المجموعات المسلحة في جبل محسن.الوزير والنائب سمير الجسر روى ل«عكاظ» قصة صندوق البريد وحكاية جبل محسن وباب التبانة.. فإلى نص الحوار: لطالما كانت طرابلس صندوق بريد لأطراف عدة، وسط هذا القلق الإقليمي والمحلي، ما هي ضمانات الأمن حاليا في عاصمة الشمال؟.- طرابلس ومنذ الحرب الأهلية لطالما كانت تنفجر فيها الأوضاع الأمنية بناء لعوامل خارجية وبطلب خارجي، ما قمنا به نحن مؤخرا أننا أوقفنا القتال ولكن لم ننهه جذريا، الصراع بدأ في طرابلس وتحديدا عام 1967 وذلك مع بداية الحرب اللبنانية حيث كان هناك خلاف سوري فلسطيني وفراق منظمة التحرير الفلسطينية عن النظام السوري مما جعل هذا الانقسام ينسحب على طرابلس أيضا ففي كل محور كان هناك من كل الطوائف والمذاهب، محور مؤيد للنظام السوري وآخر مؤيد لمنظمة التحرير الفلسطينية، وفي مرحلة لاحقة في 1983 عاد وتجدد هذا الانقسام والتناحر في المدينة عندما عاد رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات إلى طرابلس، ومن وجهة نظري عاد إليها ليخرج منها، حيث تم تطويقه في كل الأمكنة مطلقين الاتهامات له بأنه قد باع القضية الفلسطينية، ومن يتابع حركة عرفات حينها يدرك أنه قد عاد ليتم إخراجه منها، لأنه لا شيء يفسر وجوده في مدينة لا مخرج لها باتجاه العالم الخارجي حيث لا مطار ولا اتصالات، هي كانت مدينة معزولة في حينه. وبعد تلك الفترة اشتعلت المواجهة بين حركة التوحيد المدعومة من منظمة التحرير والأحزاب الحليفة والتابعة لسورية، ثم بعد ذلك وإثر اتفاق الطائف ونهاية الحرب الأهلية اعتقدنا أن هذه الأمور انتهت إلى غير رجعة. وبكل أسف ومع بداية العام 2007 عاد الوضع في المدينة للانفجار وقد سبق هذا الانفجار عمليات تدريب وتمويل لمجموعات مسلحة ومن جهة واحدة وهي جهة جبل محسن، فمن يعيش في طرابلس يدرك تماما أن أهل طرابلس لا يملكون السلاح والأمثلة الحسية على ذلك كثيرة، فعلى إثر اتفاق الدوحة وعندما عدنا بهذا الاتفاق كان التفاهم يقضي أن يشكل الرئيس فؤاد السنيورة الحكومة وقد أخذ وقته عدة أشهر لهذا التشكيل، فتأخر إعلان البيان الوزاري فانفجر الوضع بين باب التبانة وجبل محسن، ثم صدر البيان الوزاري فتوقف القتال، إن انفجار الوضع بين باب التبانة وجبل محسن مرتبط دائما بالحراك السياسي كوسيلة للضغط السياسي وخاصة ضد تيار المستقبل الطرف الأوسع شعبيا وحضورا في هذه المدينة والذي كان يقود قوى 14 آذار. الأمن حاليا في طرابلس من دون سقف سياسي مع توقف الحوار والتواصل بين الأفرقاء، ألا تخشون من تفجير كبير في حال حصول تطور لافت في الوضع السوري؟.- نحن دائما كنا نخشى من تداعيات الوضع السوري على الوضع في لبنان وتحديدا على الوضع في مدينة طرابلس وخاصة بين جبل مسن وباب التبانة، فنحن قد اعتدنا على النظام السوري بتوريد المسلحين والأزمات إلى لبنان وتحديدا إلى طرابلس، من هنا كنا نحذر من تداعيات ما يحصل في سورية وسعي النظام السوري بتصدير أزمته إلينا. فكنا ندعو الجميع إلى تجنب هذا المخطط بحيث نكتفي بالموقف السياسي تجاه ما يحصل في سورية من دون التدخل في أي تفاصيل داخلية لا شأن لنا بها، وبالرغم من ذلك فإن النظام السوري حاول توريطنا بهذه الأزمة عبر بث إشاعات تبدأ من حشد جيشه على الحدود ثم عبر اكتشاف المخطط التفجيري الذي كان يستهدف العيش المشترك في لبنان وتحديدا في الشمال.هذه المخاوف كانت بهذا الحجم بالنسبة للماضي، أما حاليا فهذا النظام لا أرى أنه يمتلك قدرة على توريد أزمته بشكل كبير وهو قادر فقط على التفجير المحدود ضد شخصيات وكيانات محددة، فبواقعه الحالي هو أضعف من أن يحقق مخططا كبيرا وبسبب ذلك انتقل إلى مخطط جديد وهو استهداف بعض الشخصيات. والدلالة في المخطط التفجيري الذي اكتشف وكان وراءه ميشال سماحة وعلي مملوك أنهم تجاوزوا مسألة تفجير الوضع في طرابلس إلى السعي لتفجير الوضع برمته. هناك من يقول إن معركة النظام السوري الأخيرة ستكون في الشمال، ما هي مخاوفكم تجاه ما يشاع؟.- نحن عملنا على إنهاء التوتر الأمني، وقمنا بمعالجة الأوضاع بشكل سريع لكننا لم ننه هذه الأزمة نهائيا وبالتالي ممكن أن ينفجر الوضع في أي لحظة ولأية أسباب يراها المتناحرون موجبة لتفجير الوضع.وفي الفترة الأخيرة عملنا على وعي الناس وعلى إضاءة الحقائق بالنسبة لهم، فالناس من كل الطوائف لا تريد هذا التقاتل ولا تريد أن تستورد الأزمة السورية إلى هنا، وعبر هذا الوعي تمكنا من تطويق الأحداث الأخيرة، لكن هل هناك إمكانية لحدوث خرق ما؟ نعم الإمكانية متوافرة ونحن نقوم بكل ما وسعنا للتضييق على كل مؤامرات التفجير. هناك اتهامات وجهتموها لحزب الله بتسليح جبل محسن، ما حقيقة ذلك؟.- هذه ليست اتهامات بل هذه وقائع ملموسة وواضحة، فهناك تسليح وتدريب للمجموعات المسلحة في جبل محسن وحزب الله متورط بذلك، ولكن نوعية السلاح كصواريخ وغير صواريخ لا يمكنني أن أؤكده لأنني لا أملك معطيات بهذا الشان. المحكمة الدولية كشفت عن جزء كبير من الأدلة التي تؤكد تورط عناصر من حزب الله بجريمة اغتيال الرئيس الحريري، كما أنكم تؤكدون على تسليح حزب الله بجبل محسن. ألا تعتقد أنكم قد أخطأتم في الحكومات السابقة بالتحالف مع حزب الله والعمل معه في حكومات واحدة؟.- حزب الله لعب دور الوريث الأمني للنظام السوري بعد خروجه من لبنان عام 2005، بالنهاية السياسة هي «فن الممكن» لقد حاولنا بقليل من البراءة أن نمد اليد لحزب الله ولطالما كنا في تيار المستقبل ملتزمين بتنزيه المقاومة عن أي انتقاد حتى ما بعد العام 2006 حيث تحولت المقاومة من قتال العدو على الحدود إلى قتال أهل بيروت في بيروت، وسعت إلى السيطرة على كل قرار سياسي في الداخل. ألا تعتقد أن منطقكم كقوى 14 آذار وكتيار مستقبل لا يمكنه مواجهة منطق حزب الله؟.- بالنسبة للواقع، نحن سعينا دائما لاحتواء هذه الحالة من موقع الحرص الوطني، فأنا شخصيا مع طاولة الحوار بالرغم من أن الفريق الآخر هو الذي عطل مقررات الحوار الأول كما عطل طاولة الحوار الثانية برئاسة الرئيس ميشال سليمان، فبالسياسة ليس هناك من ثوابت كثيرة، بل هناك تحولات علينا التعاطي معها، فالواقع الحالي لن يستمر وهذا لا يعني أننا نراهن على حصول تغيير في لبنان بسبب التغيير في سورية ولكن الكلام الواقعي هو أن طريق الإمداد العسكري والمالي لحزب الله يحصل عبر سورية وبالتالي فإن التغيير حتمي في سورية وأي نظام جديد إن لم يكن على عداء مع حزب الله لن يكون على تحالف معه، وبالتالي ممر التمويل العسكري والمالي لحزب الله سوف يتضرر كثيرا، ووفقا لهذه المعطيات لا بد أن يتغير السلوك السياسي لحزب الله، وستصبح لدينا القدرة على الاستماع لبعضنا بشكل أفضل. نحن لا نراهن على الوضع السوري لكن هذه وقائع لا يمكن تجاهلها.