اليمن: خسائر قطاع السياحة تتجاوز 11 مليار دولار خلال عقد من العدوان    تراجع أسعار الذهب والفضة عالمياً مع صعود الدولار وتلاشي آمال خفض الفائدة    في الذكرى ال11 لاختطافه.. اليمنيون يطالبون بالكشف عن مصير قحطان وسرعة الإفراج عنه    رحيل المناضل الرابطي علي عوض كازمي... ذاكرة وطن لا تنطفئ    الجنوب يخوض معركة "ذات البناكس": دماء الشهداء فوق كل مساومة    حضرموت لن تنسى ولن تغفر.. شبوة برس" ينشر أسماء شهداء الغدر الخنبشي والمليشاوي الغازي لحضرموت    البخيتي والحسام يتفقدان المرحلة الرابعة للمركز الاختباري بجامعة صنعاء    فيمانعاه مجلس الشورى وأشاد بجهوده الوطنية.. الرئيس المشاط يعزي في وفاة الشيخ محمد علي التويتي    أشاد بتوجه رأس المال الوطني نحو استثمارات تدعم خطط توطين الصناعات..القائم بأعمال وزير الاقتصاد يزور عددًا من المصانع الإنتاجية    وزارة الاقتصاد تؤكد عدم رفع أسعار المياه الصحية    مسيرات وجهوزية يمنية تؤكد أن :محور الجهاد والمقاومة ثابت في مواجهة الكفر والطغيان الصهيوأمريكي    رياح الغضب.. والصهيونية المتطرفة!!    وزارة حرب على مقاييس هيغسيث وترامب    الدورات الصيفية للطالبات بأمانة العاصمة تشهد إقبالا لافتاً في أسبوعها الأول    المتحف الحربي يفتح ابوابه مجاناً لطلاب المراكز الصيفية    المدارس الصيفية.. جبهة الوعي وبوابة صناعة المستقبل    خواطر ومحطات حول الوحدة اليمنية الحلقة (60)    وثائق عرفية وقبلية من برط اليمن "40"    إيران.. شعب لا يهزم    استئناف افتتاح متحف الموروث الشعبي بصنعاء    مرض السرطان ( 6 )    الحالمي: استهداف حضرموت امتداد لمحاولات طمس القضية الجنوبية والانقلاب على منجزاتها    منظمة هيومن رايتس فاونديشن تدين مجزرة المكلا وتطالب بتحقيق دولي    اتحاد كرة القدم يحدد نهاية إبريل الجاري موعدا جديدا لانطلاق بطولتي كأس الجمهورية والدوري اليمني    الشاشات ليست مجرد ترفيه.. تأثيرات طويلة المدى على دماغ طفلك    الرئيس المشاط يعزّي الشيخ عبدالله الثابتي في وفاة والدته    إحباط تهريب قطع اثرية في مذيخرة    هاني مسهور: تجاهل اليمن دوليًا يفتح الباب للإفلات من العقاب.. ودعوة لتدويل قضية الجنوب    المكلا تُذبح بصمت... والرصاص يكتب فجرها الأسود    لماذا بقيت مأساة المكلا خارج الاهتمام الدولي؟ قراءة قانونية تكشف قصور الأداء الانتقالي    فيسبوك تغلق صفحة الإعلامي الجنوبي غازي العلوي بعد 17 عامًا من النشاط ودون أي مبررات    مدير عام المنصورة يناقش أوضاع وأداء مستشفى مايو الجراحي    اتحاد إب يواجه أزمة مالية خانقة تُعقّد مهمته لتمثيل المحافظة في الدوري اليمني    خلال 3 أشهر.. الهجرة الدولية توثق نزوح 813 أسرة أغلبها استقرت في مأرب    مليشيا الحوثي تشطب أكثر من أربعة آلاف وكالة تجارية لإحلال بدلاء موالين لها    وفاة مواطن داخل أحد سجون مليشيا الحوثي في إب وسط ظروف غامضة    صوت الذاكرة: المرأة المبدعة بين الأدب المبتكر والإبداع الرقمي الثقافي مقاربة تحليلية في تحوّلات الخطاب النسوي المعاصر    المهرة مهددة بالظلام.. مشاكل قطاع الكهرباء تعود إلى الواجهة وحكومة الزنداني تقف امام اول اختبار حقيقي    البرلماني حاشد يخاطب البرلمان الدولي: أتعرض لابتزاز سياسي ممنهج وحرمان متعمد من العلاج يرقى إلى تهديد مباشر للحق في الحياة    اتحاد كرة القدم يتفق مع وزارة الشباب والرياضة لتأجيل موعد الدوري اليمني ومعالجة مشاكل أندية عدن وتعز    وفاة ثلاث شقيقات غرقاً أثناء محاولة إنقاذ في حجة    رشاد العليمي.. الرئيس اللعنة الذي أنهك الجنوب وأغرقه في الفشل.. سجل قبيح من الحرب والعداء والخبث    شيطنة الخصم حتى يستحق القتل    في زنجبار كيف أثر ابن سميط في إنجرامس قبل وصوله لحضرموت    وزير الكهرباء ورئيس مصلحة الجمارك يبحثان تطوير التسهيلات الجمركية لقطاع الطاقة    عوامل تزيد خطر الوفاة بعد سن الخمسين    مراثي القيامة    الخارجية الإماراتية توضح بشأن أوضاع الجالية الإيرانية    هيئة الشؤون البحرية بحضرموت: موانئ البحر العربي تمتلك مقومات التحول إلى مراكز لوجستية عالمية    اليمنية تستأنف رحلات عدن – عمّان ابتداءً من 1 إبريل    عدن.. نقل عريس إلى العناية المركزة بسبب منشط جنسي    اللهم لا شماتة    إشكالية الرواية والتدوين بين قداسة النص وإشكالات النقل    محمد صلاح يعلن رحيله عن ليفربول .. ما هي وجهة صلاح المقبلة؟    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    صنعاء : تعميم هام .. بشان صلاة العيد ..!    رسمياً.. 3 دول تفاجئ العالم باعلان الخميس أول أيام عيد الفطر    وزارة الأوقاف:الخميس متمم لشهر رمضان والجمعة أول ايام عيد الفطر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



13 أبريل ... هل أخذ لبنان العِبرة ... أم يعْبُر إلى حرب جديدة؟

| بيروت - من ريتا فرج |
في الذكرى الثامنة والثلاثين لحرب 1975 وبعد مرور عقدين ونيف على اتفاق الطائف الذي أنهى الصراع العسكري بين الأطراف اللبنانية المتحاربة، تبدو هواجس اللبنانيين اليوم من تجدد العنف كما لو أنها نتاج الأمس.
وعلى إيقاع المشهد الثوري السوري المأزوم وتعقيد أزمته وتداخُلها عربياً وإقليمياً ودولياً، تتصاعد المخاوف في لبنان من تداعيات ما يجري في سورية. يتساءل اللبنانيون في المرحلة الراهنة هل نحن مقبلون على حرب جديدة؟ وكيف يمكن تحييد لبنان عن البركان السوري؟
لا تنحصر «فوبيا» الحرب في إمكان امتداد الأزمة الى المجال اللبناني إذ ثمة أزمات داخلية دورية ربما تصدح بما هو آتٍ.
منذ العام 2005 تجاوز اللبنانيون مطبات كثيرة بدءاً من اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري وتداعياته المستمرة، مروراً بالحرب الاسرائيلية العام 2006، وصولاً الى معركة نهر البارد (2007) التي أدت الى استشهاد 168 عنصراً في الجيش اللبناني.
بعد ذلك دخل لبنان في منعطفات لا تقلّ خطورة فجاءت أحداث 7 مايو 2008 لتُدخل «بلاد الأرز» في فتنة كادت أن تفجر حرباً أخرى لولا نزع فتيلها في اتفاق الدوحة برعاية قطرية.
وبين محراب باب التبانة وجبل محسن تُسمع قرقعة حروب صغيرة تشتدّ وطأتها كلما تأزّم الوضعان السياسي الداخلي والثوري السوري. وفي ظل تزايُد قلق الطوائف من بعضها البعض وارتفاع منسوب الخطاب الطائفي، تتعالى الأصوات المطالبة ب«طائف جديد» علّه يقدّم حلولاً لعجز النظام السياسي اللبناني كما يرى البعض.
سؤال أساسي تتوارثه الأجيال المتعاقبة، لماذا يشكل لبنان أرضاً خصبة لحروب الآخرين وحروبه؟ وبصرف النظر عن أسباب الاحتراب سواء كان أهلياً أم مركّباً، داخلياً أم خارجياً، يمكن القول إن اللبنانيين تقاتلوا بالسلاح والألسنة كلٌّ من اجل «شيء ما».
أهي أزمة النظام السياسي اللبناني أم حروب الآخرين في لبنان؟ سؤال يراه البعض كلعبة الماتريوشكا الروسية التي تخفي ألف أحجية وأحجية.
لماذا تحضر الحرب في حاضر اللبنانيين وزمنهم الآتي؟ وما تفسير القلق العارم عند الطوائف؟ وكيف يمكن دعم الهوية الوطنية والمواطَنة في ظل الظروف المضطربة التي يمرّ بها لبنان وسورية؟ هل يحتاج اللبنانيون الى عقد اجتماعي جديد؟ أم أن استقرار لبنان جزء من استقرار المنطقة؟
هذه الأسئلة وغيرها حملتها «الراي» في ذكرى ال 38 لاندلاع شرارة حرب 1975 الى كل من المؤرخ والأكاديمي اللبناني عصام خليفة والمؤرخ والباحث السياسي اللبناني فواز طرابلسي.
فواز طرابلسي: النظام السياسي في لبنان
عاجز وينتج أزمات داخلية دائمة
اعتبر المؤرخ فواز طرابلسي أن ثمة «تعتيماً متعمداً» على أسباب الحرب التي اندلعت العام 1975، مشيراً الى أن «الاقتتال الأهلي لا يستدعي بالضرورة ما هو اقليمي»، لافتاً الى أن «الحرب لها عوامل داخلية أكثر منها خارجية»، ومعتبرا ان «النظام السياسي في لبنان عاجز وينتج أزمات داخلية دائمة».
وتساءل طرابلسي «إذا اعتبرنا أن الحرب اللبنانية هي حرب الآخرين لماذا جرى البحث خلال التسوية في الطائف مع الأطراف الداخلية؟».
تتقاطع ذكرى حرب 1975 مع مخاوف اللبنانيين من عودتها بسبب الظروف الاقليمية المضطربة لا سيما الوضع في سورية. لماذا يستقطب لبنان حروب الآخرين؟
- هذا السؤال يفترض أن حرب 1975 وقعت بوصفها حروباً للآخرين. إذا كانت المخاوف مؤشراً لتكرار الحرب فلماذا لم تقع رغم أن لبنان شهد منذ العام 1989 أي بعد اتفاق الطائف حالات من التوتر الأمني في العديد من المناطق اللبنانية؟
أعتقد أن الإشكالية التي يجب طرحها، لماذا وقعت الحرب؟ إذا لم تتوافر للحروب الأهلية حلول ستتكرر بالضرورة، وإذا لم تتم الإحاطة بمسبباتها فهذا يعني أننا نريد التعتيم عليها. السؤال يشير الى أن الباعث الأساسي لحرب 1975 له أسبابه الاقليمية وليس له علاقة بالعوامل الداخلية. لا تستدعي الحرب الأهلية التدخل الخارجي، وقد تؤدي أحياناً الى جذب ما هو اقليمي، لكن النقطة المسكوت عنها هي لماذا هذا الطمس المتعمد لظروف الحرب وأسبابها؟ ثمة سكوت رسمي عن الأسباب المؤدية لهذه الحرب، وهذا النهج هو جزء من اللعبة السياسية وخصوصاً أن الذين شاركوا في الحرب الأهلية هم الان في السلطة، علماً أن البعض يطالب بمحاسبة هؤلاء الذين لا يريدون تذكير الناس بالعنف ومعرفة عوامله ودوافعه.
الحرب في العام 1975 خاضها معسكران مسلحان على خلفية أزمة اجتماعية اقتصادية ومع ظروف إقليمية حاولت الاستفادة من الوضع الداخلي. الصراع في تلك المرحلة دار حول طبيعة النظام السياسي، اذ ان طرفاً نادى بتغيير النظام الطائفي وطرفاً آخر رفض تغيير النظام، معتبراً أن المشكلة في الوجود الفلسطيني.
يرى البعض أن الأزمات الدورية التي يمرّ بها لبنان والتي تعبّر عن نفسها أحياناً في شكل عنفي هي نتاج أزمة النظام السياسي. هل تؤيدون هذا الطرح؟
- بعد اتفاق الطائف انتهت الحرب بتسليم الدولة عبر المحاصصة السياسية للزعامات المشارِكة في الاقتتال الداخلي، وتمّ تجاهل الأسباب المنتجة للحرب. لم يبحث أي طرف لماذا لم يتم تفادي الحرب؟ ولماذا لم تتم محاسبة مَن شارك فيها؟ وما هو الهدف من هذا التعتيم؟
قد يؤدي النظام السياسي الى انفجار، وإذا اعتبرنا أن الحرب اللبنانية هي حرب الآخرين فلماذا جرى البحث خلال التسوية في الطائف مع الأطراف الداخلية؟ علماً أن هذه التسوية أدت الى تغليب طرف على طرف، فجرى سحب الصلاحيات من رئيس الجمهورية الذي يمثل الأسبقية المارونية في السلطة، وأعطيت الى مجلس الوزراء. وقد جرى التعويض على المسيحيين من خلال عدم تطبيق القاعدة العددية في النظام الانتخابي.
ثمة وهم دائم لدى الطوائف في شأن العدالة والمساواة، وهناك تورية على العدد، أي الحجم الديموغرافي للطوائف وربط هذا الحجم بحضورها في السلطة. النظام السياسي في لبنان عاجز ولذا ينتج أزمات داخلية دائمة. بلد محكوم من سبع قوى سياسية تمثل أربع طوائف، عدا أن الطبقة السياسية الموجودة في السلطة لا تهتم بالمشاكل الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والصحية للناس. هذا النظام عاجز عن إصلاح نفسه سياسياً.
هل يحتاج اللبنانيون الى عقد اجتماعي جديد؟
- السؤال يفترض أن لبنان مكوّن فقط من الجماعات، ويلغي وجود أفراد فاعلين ومستقلين. أعتقد أن المشكلة أبعد من أن تكون الحاجة الى عقد اجتماعي جديد وهذا لا ينفي أهمية عقلنة الخطاب السياسي والحد من اللهجة الطائفية المتفاقمة لدى الطوائف. ومشروع قانون اللقاء الأرثوذكسي يقدم دليلاً على فشل الصيغة الطائفية من جهة وعلى مخاوف بعض الطوائف. ينهض الدستور اللبناني على المحاصصة الطائفية لكنه يقترح حلولاً من خلال إلغاء الطائفية السياسية، وهذه النقطة لم يتم تطبيقها. الجزء الأكبر من الدول في العالم أسست أنظمتها على مجلسين: مجلس النواب ومجلس الشيوخ.
يطرح الجيل الجديد سؤالاً دائماً: لماذا وقعت الحرب علماً أن كثيرين حاولوا إعطاء تفسيرات لها. كيف تفسرون ذلك؟
- ليس صحيحاً أن هناك تفسيرات للحرب. السؤال في الأساس غير مطروح، هناك تعمّد لإفقاد اللبنانيين ذاكرتهم، فالطبقة السياسية الموجودة في السلطة والتي شاركت في الحرب لا تريد الكشف عن هذا التاريخ كما أنها تعيد إنتاج النظام الذي كان سائداً قبل الحرب، فكيف ستقع المحاسبة إذاً؟ أعطوا للناس جواباً بسيطاً وقالوا إننا سنعيد لبنان الى عصره الذهبي واعتبروا أن الحرب لها طابع اقليمي، وإذا كانت كذلك كيف يمكن تفسير وقوع هذا العدد الكبير من الضحايا؟ الأسباب ليست أُخروية وإنما داخلية.
لماذا لا تتم كتابة تاريخ الحرب كما هو من زاوية نقدية؟
- لأن هذا التاريخ لو كُتب سيؤرخ للحرب التي خاضها الطرفان، ونحن ندرس هذا التاريخ في الجامعات ونقدمه للطلاب. أنا لست من دعاة وضع تاريخ رسمي. لقد كتبت تاريخ لبنان الحديث وأرخت لهذه المرحلة. ولا يمكن أن ننسى دور المنظمات الأهلية في هذا المجال. التاريخ النقدي يقوم به مؤرخون نقديون ولدينا مادة تاريخية ضخمة وبكل اللغات عن لبنان. يتطلب تقديم مادة نقدية عن الحرب عرض وجهات نظر الأطراف الرئيسية في الصراع.
ألا يحتاج اللبنانيون الى العلاج عبر الصدمة التاريخية وأليس من الأجدى صوغ كتاب تاريخي رسمي رادع للعنف؟
- ليس بالضرورة أن نفرض العلاج بالصدمة التاريخية على الطلاب، ولو أخذنا بالنموذج الفرنسي اليعقوبي وقدمنا تاريخاً رسمياً فهذا يعني أننا نجعل للتاريخ وظائف سياسية.
وفي حال افترضنا أن التاريخ الرسمي ضروري فالطريقة التي تمّت فيه هي الطريقة المعتمدة في العلاقة بين الطوائف، إما اجماع وإما فيتو. كل طائفة تريد تضمين هذا التاريخ ما تراه مناسباً لها وتنفي في المقابل تاريخ الآخرين.
عصام خليفة: التخوف من عودة الحرب مردّه القلق
من الانزلاق أكثر في الصراع داخل سورية
رأى المؤرخ اللبناني عصام خليفة أن الحرب اللبنانية «حرب مركّبة»، مشيراً الى أن «خوف اللبنانيين من تكرار تجربة الحرب اليوم يعود الى دخول قوى سياسية في الصراع الاقليمي» الجاري في سورية.
وإذ تحفظ خليفة عن مصطلح الحرب الأهلية، طالب بقراءة موضوعية لأسباب الحرب التي نشبت العام 1975 عبر إجراء جردة حساب للخسائر والتكاليف.
في ذكرى الحرب الأهلية يبدو أن اللبنانيين يهجسون بالحرب خصوصاً في المرحلة الراهنة. لماذا لا يزال رهاب الحرب حاضراً في يومياتهم ومستقبلهم؟
- في البداية أتحفظ عن مصطلح الحرب الأهلية، فالحرب اللبنانية حرب مركّبة، هي حرب لبنانية - لبنانية، ولبنانية - عربية، ولبنانية - إسرائيلية، وعربية - عربية، وفلسطينية - إسرائيلية على ارض لبنان، وتالياً لم تكن الحرب التي جرت فيه حرباً أهلية فقط.
الحرب اللبنانية كانت مركّبة وهي حصيلة لحروب إقليمية، والآن الصراع العربي - الاسرائيلي مستمر، وهناك أيضاً الربيع العربي وما يجري في سورية والعالم العربي، وهذه الأوضاع كلها تنعكس على الوضع الداخلي. لا يمكن أن ننسى دخول أطراف لبنانية على خط الصراع في سورية، سواء «حزب الله» من جهة أو بعض الأصوليات الإسلامية من جهة أخرى. وخوف اللبنانيين من الحرب اليوم يعود الى قلقهم من انزلاق هذه الأطراف أكثر فأكثر الى الحرب داخل سورية وما يمكن أن تتركه من انعكاسات على الداخل اللبناني. ونتمنى على جميع القوى السياسية الالتزام بإعلان بعبدا، وأن تبتعد عن التدخل العسكري في سورية وتحافظ على السلم الأهلي اللبناني، وأن تعود الى الحوار وتأخذ العبر من الحرب التي حصلت وأن ترسّخ السلم الأهلي على قاعدة العدالة والإنماء والديموقراطية. وفي موازاة خوف اللبنانيين من تكرار تجربة الحرب اليوم نظراً الى دخول قوى سياسية في الصراع الاقليمي، فان سبباً آخر يعزز هذه الخشية وهو الأزمة الداخلية العائدة الى عدم توفير الحصانة اللازمة للسلم الأهلي بسبب لجوء أطراف معينة الى الوسائل غير السلمية في صراعها السياسي.
ما الذي يحتاجه اللبنانيون اليوم كي يؤسسوا لثقافة السلام؟ هل المطلوب تصالُح الطوائف مع بعضها البعض أم إجراء محاسبة نقدية لكل مَن تورط في الحرب؟
- المطلوب تقويم موضوعي لأسباب الحرب والخسائر التي ترتّبت عليها، ألا نكون أدوات للقوى الخارجية، وأن نصل الى تسويات بين الأطراف في الداخل. ومن المهم أن نأخذ العبر من تكاليف الحرب إن كان لجهة الشهداء الذين سقطوا لدى كل مكونات المجتمع اللبناني أو لجهة الخسائر الاقتصادية والدمار الذي حصل في العمران والاقتصاد والتهجير والهجرة. بمعنى آخر تقويم الكلفة الباهظة للحرب والعنف والاضطهاد والانتقال الى حل سلمي بين اللبنانيين. وعندما نحسن قراءة هذه الكلفة بإمكاننا أخذ الدروس، وهذه التجربة مرت بها شعوب عدة، فكان هناك مجال لتأسيس السلم بين الناس. الطوائف في لبنان لا تقاتل بعضها بعضاً، هناك أحزاب تحاول إحتكار الطوائف، وهذا العامل يتقاطع مع التدخلات الاقليمية ومع المحاور العربية. لدينا إيران قوة داخلية تموّل الأطراف في لبنان، ولدينا السعودية تموّل الاطراف في لبنان اضافة الى ادوار تركيا والولايات المتحدة الاميركية، ولدينا العبء الديموغرافي الفلسطيني هذا عدا عن دخول مليون لاجئ سوري. الصراع على السلطة يتمفصل مع المحاور الاقليمية والمطلوب خروج القوى السياسية والأحزاب من الاستقطاب الاقليمي والحوار في ما بينها والاستناد الى روح الميثاق الوطني اللبناني الذي يؤسس الى بناء دولة بين المسلمين والمسيحيين.
كيف يمكن تعزيز الهوية الوطنية الجامعة بين اللبنانيين ودعم المواطنة في ظل الظروف المضطربة التي يمر بها لبنان والعالم العربي؟
- رغم أن الحرب أدت الى التهجير والى قيام كانتونات طائفية، لكن الروح الوطنية لا تزال عميقة ومتجذرة. تقع الهوية الوطنية تحت وطأة التدخلات الخارجية ما يؤدي الى تكريس الهويات المحلية عدا عن أن العالم العربي يشهد حالة من الغليان المذهبي والعصبيات الدينية. لدينا في العراق صراع سني - شيعي وفي سورية علوي - سني، ولا يمكن أن نقلل من شأن الإعلام الذي يمارس دوراً سلبياً في تأجيج هذه الصراعات. نحن في لبنان مررنا بهذه الصراعات ودافعنا عن السلم الأهلي من خلال الثقافة. المجتمع المدني في لبنان في حال من الحراك الدائم ويلعب دوراً في نشر ثقافة السلام وتعزيز الهوية الوطنية، والكثير من الناشطين يصارعون في سبيل علْمنة الدولة والثقافة والديموقراطية والتعددية وحرية الرأي والمواثيق الدولية، ولدى لبنان تراث عريق في هذا المجال يعود الى القرن التاسع عشر.
أين هو دور التاريخ كي يتصالح اللبنانيون مع بعضهم البعض؟
- هناك تاريخان، تاريخ مشوّه في العقول وتاريخ وقائع علمية. دورنا كباحثين في التاريخ أن نعلي البحث التاريخي العلمي على التاريخ المؤدلج، وهذا يتطلب التعرف على التاريخ الاجتماعي والثقافي والديموغرافي بدقة وليس على التاريخ السياسي فقط. علينا القيام بدراسة موضوعية نأخذ العبر منها ونبثها في الأجيال، وهذه المهمة نقوم بها من خلال عملنا في التعليم الجامعي.
هل يحتاج اللبنانيون الى ذاكرة ممانعة للحرب؟
- نحن بحاجة الى فكر نقدي عند كل الطوائف والى عدم الانجرار وراء الزعامات التي تؤجج المشاعر الطائفية والنظرة السلبية تجاه الآخر. نحن بحاجة الى إعلاء الروح الوطنية بدل الروح الفئوية. حين يعرف اللبناني كلفة الحرب وثمنها الباهظ يرتدع عن العودة الى ممارسة العنف، وأتذكر هنا قول الأمين العام للأمم المتحدة بان كي - مون إن اللبنانيين هم أكثر الناس مناعة ضد الحرب لأن لديهم تجربة في السابق.
أشرت الى أهمية الثقافة الاجتماعية المشتركة بين اللبنانيين لماذا لا يتم نقل هذه الثقافة الى مستوى الخطاب السياسي؟
- خطاب القوى والأحزاب له استقلاليته لكن في المجتمع صراع ونحن مع القوى المستقلة التي تعزز الروح الوطنية والديموقراطية واحترام الآخر وتحصين استقلال لبنان وسيادته.
لماذا لم تنتج الحرب في لبنان حلولاً كما حدث في تجارب خبرتها شعوب أخرى؟
- لأن الحروب اللبنانية مركّبة تدخل فيها عوامل داخلية وإقليمية ودولية. إذا كان هناك من حلول للأوضاع الداخلية فإن الاضطرابات الاقليمية لم يوضع حل لها. الصراع العربي - الاسرائيلي ما زال مستمراً وهناك الوجود الفلسطيني المسلح على أرض لبنان ولدينا تدخل سوري وايراني وعربي في الوضع اللبناني ولدينا قوى مسلحة في المجتمع اللبناني لم تُلق سلاحها. كل هذه الأمور تهدد الدولة وسيادة القانون والسلم الأهلي. لبنان الزلزالي يعتبر نقطة تلاقي بين المسيحيين والمسلمين وهو ممر للصراع بين الشرق والغرب ويحتوي على صراعات مركبة، ودورنا الدفاع عن هذه التجربة الفذة التي قال عنها الفاتيكان إنها «رسالة» وهي بالفعل كذلك.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.