مارلين سلوم هل كل ما تقدمه لنا السينما يجب أن يكون صالحاً ليعرض في المهرجانات ولينال جوائز عربية أو عالمية؟ وهل كل ما تقدمه السينما خارج هذا الإطار مكتوب عليه أن يكون "هابطاً ساذجاً رخيصاً" ليسمى بالفيلم الجماهيري؟ نُجيب بلا قطعية، والسؤال يأتي هنا في إطار الاستغراب أكثر منه الاستفهام، لأن الإنتاج السينمائي العربي يكاد لا يعرف منتصف الطريق، أو الحلول الوسطية، فإما أن يقدم فيلماً قوياً وصعباً "للمهرجانات ولجان التحكيم والنقاد"، وإما أن يطرح "للجمهور" دستة أفلام لا قيمة فنية لها . هناك دائماً استثناءات، والاستثناء يعني أن العمل يخرج عن السائد ويتميز، وفي السينما اللبنانية التي عرفت كيف تشق طريقها إلى المهرجانات العالمية قبل أن تصل بكثافة إلى جمهورها في الصالات، بعض الاستثناءات الجميلة، منها فيلم Bebe الذي شاهدناه في الإمارات بحضور فريق عمله . كعنوانه، يشعرك فيلم "بيبي" Bebe أنك أمام عمل بسيط لا تعقيدات فيه ولا حاجة إلى البحث عن أبعاد المشاهد والمعاني، بل إنك تفهم ما تشاهده، وترى أمامك صورة واضحة عن قصة تشبه قصص ما قبل النوم . البطلة طفلة بجسد امرأة، عقلها توقف عند سن الثامنة وتعطل نموه بسبب دواء فاسد، بينما استمر جسدها يمشي مع سنها (33 عاماً) لتصبح "بديعة بدران" فتاة غير الفتيات، سليمة في الظاهر، تعاني إعاقة ما من الداخل . تعيش بديعة مع جدتها المصابة بالزهايمر التي تتوفى تاركة لها مبلغ مليون دولار نقداً، وتحاول ببراءتها أن تخفي المبلغ عن شقيقها الفاسد لأنه سيبدد الأموال على القمار . وفي طريق سعيها للحصول على "حصالة كبيرة" تضع فيها الأموال التي تحملها على ظهرها في حقيبة مدرسية، تتعرف إلى الطفل رامي وأبيه زياد، وتذهب معهما لتبدأ مغامرة تتوالى فيها الصدف من دون أن يكتشف زياد المغرم ب "بيبي" أنها "طفلة كبيرة" . وبالطبع تصل الحبكة إلى لحظة اكتشاف الحقيقة، واختفاء "بيبي" لينقذها لاحقاً زياد ويتزوجها . ماغي بو غصن لبست الدور جيداً ونقلته إلينا كما كتبته كلود صليبا ورسمه المخرج إيلي حبيب . ولو أن قماشة الدور اتسعت عمقاً أكثر، لأجادت ماغي الغوص فيها ومنحها بعداً درامياً حقيقياً، وليس فقط كوميدياً . هذا البعد هو ما وقفت الكاتبة عند مشارفه من دون أن تغوص فيه، فأفلتت منها بعض اللقطات المهمة التي كانت ستثري العمل لو زادت من مساحتها، خصوصاً عند وضع بديعة في مستشفى للأمراض العقلية، أو عند اكتشاف المحامي زياد حقيقة مرض "بيبي" . أما يوسف الخال، فيثبت عملاً بعد عمل أنه من نجوم الشاشة اللبنانية اليوم الذين يجيدون لعب مختلف الأدوار، لكنه مثل زملائه ينتظر الطاقة الكبرى التي يطل من خلالها على الجمهور العربي . إنها أزمة السينما اللبنانية التي وصلت إلى العالمية قبل أن تعمق جذورها في الصالات العربية . فهل صحيح أن الجمهور العربي لا يقبل عليها؟ طبعاً لا، والدليل أن الإقبال على الممثلين اللبنانيين عال جداً، وهم نجوم في العالم العربي، وكذلك الإقبال على الدراما اللبنانية أصبح أفضل من ذي قبل . أما ما كان يُحكى سابقاً عن صعوبة فهم اللهجة اللبنانية فقد أصبح "موضة قديمة" وحجة بالية لأن فيروز تغني كل صباح "باللبناني"، والمذيع طوني خليفة مثلاً يقدم برامجه في مصر "باللبناني"، وسيرين عبد النور تمثّل أيضاً في مصر "باللبناني" . وما ينقص السينما اللبنانية أن ترافقها حملات ترويجية لأفلامها قبل عرضها في الصالات العربية، وعدم الاكتفاء بمرور نجومها على "السجادة الحمراء" يوم الافتتاح في عرض مخصص للصحافة فقط، بل فليكن عرضاً جماهيرياً يتم الترويج له بقوة مسبقاً، وتتبعه جولة على صالات المناطق، أي أن يحضر النجوم عرضه داخل الإمارات كل يوم في إمارة ولقاء الجمهور بعد الصحافة . "بيبي" فيلم جيد وخفيف، يجمع بين القضايا الإنسانية والرومانسية والكوميديا، يعالج "على الهامش" وليس بعمق قضية معاناة الأطفال من إهمال والديهم لهم، وقضية أصحاب الإعاقة (مثل بديعة) وسوء معاملتهم وتفهم حالتهم من قبل البعض في المجتمع . فيلم يستمتع به الكبار والصغار أي أنه يصلح للعائلة، وهذه النوعية من الأفلام ليست كثيرة عربياً . و"الخفة" هنا لا تعني الاستخفاف، وإنما تأتي وفق حاجة الجمهور الذي يحب أن يشاهد أعمالاً بسيطة على الشاشة بلا "فذلكات" سينمائية كثيرة، وبلا فلسفة وما ورائيات في القصة والتصوير . فليس المطلوب أن تكون كل الأعمال بحجم "الأرض" ليوسف شاهين، ولا أن تكون بوزن الريشة تطير في الهواء مثل الكثير مما تجود علينا به بعض شركات الإنتاج في مصر . ويوسف شاهين نفسه قدم "باب الحديد" الذي لم يفهمه الجمهور، وقدم "سكوت هنصور" فلاقى شعبية . شرط أن يكون الفيلم صناعة سينمائية بحق، لا تفصيل قصص على مقاسات الابتذال المتنوعة وتقديمها بقالب من "العرض الرخيص" .