عدن.. استنفار أمني وعسكري في محيط القصر الرئاسي وتعزيزات عسكرية تنتشر في مدينة كريتر    حركة سفر نشطة.. أكثر من 438 ألف مسافر عبر المنافذ المختلفة منذ مطلع فبراير    بين تراجع سعر الصرف وارتفاع الأسعار.. مواطنون يشكون فجوة السوق في رمضان    الحكومة تعقد اجتماعها في عدن والزنداني يؤكد:لن نقبل بالفوضى وسنوحد القرار العسكري والأمني    الخارجية الفلسطينية تدين تصريحات مسؤول إسرائيلي أمام مجلس الأمن الدولي    وصول 180 مهاجرا أفريقيا إلى سواحل شبوة    المنتخب الوطني الأول يدشن معسكره الداخلي استعداد للجولة الأخيرة لتصفيات آسيا    استعدادا لمواجهة لبنان.. استدعاء 30 لاعبا لقائمة المنتخب الوطني الأول للبدء بمعسكر داخلي    صحة وعافية.. الصحة تطلق برنامجا توعويا لتعزيز الوقاية خلال رمضان    الهجرة الدولية توثق نزوح 246 شخصا خلال الأسبوع الماضي بعدد من المحافظات    خلال أسبوعين.. وفاة وإصابة 223 شخصا بحوادث مرورية بالمحافظات المحررة    فنانون عالميون يطالبون مهرجان برلين بموقف ضد جرائم "إسرائيل" في غزة    تسجيل أكثر من 14 ألف إصابة بمرض الملاريا في تعز خلال 2025    الدفاع الروسية: ضربات تستهدف مستودع وقود ومنشآت للطاقة تابعة للجيش الأوكراني    مثقفون يمنيون يطالبون سلطة صنعاء بالإفراج عن الناشط المدني أنور شعب    النيابة العامة في إب تفرج عن 1086 سجينًا بمناسبة رمضان    معاريف: الجيش الأمريكي يستعد لإعلان جاهزيته الكاملة للهجوم على إيران    مناورة قتالية في حجة تجسّد سيناريوهات مواجهة العدو    عاجل.. سقوط عشرات الجرحى أمام بوابة معاشيق برصاص آليات الاحتلال اليمني في عدن (صور)    هيئة التأمينات تبدأ صرف معاش يوليو 2021 للمتقاعدين المدنيين    إرشادات صحية لمرضى السكري تضمن صيامًا آمنًا في رمضان    عدن تشتعل سياسيًا: الجنوب يرفض الإقصاء ويضع سلطة رشاد العليمي أمام اختبار الإرادة    (الأذان ومكبرات الصوت: مراجعة هادئة)    تسجيل هزة أرضية شمال محافظة تعز    الرئيس الزُبيدي يُعزي بوفاة الشخصية الوطنية الشيخ عبدالقوي محمد رشاد الشعبي    باحث في الآثار: تهريب نحو 23 ألف قطعة أثرية يمنية خلال سنوات الحرب    البنك المركزي بصنعاء يعيد التعامل مع 8 منشآت صرافة    أشرف حكيمي يحقق رقما قياسيا في دوري أبطال أوروبا    انقذوا جوهرة اليمن    اسعار القمح تواصل الارتفاع بالأسواق العالمية    الأرصاد: صقيع على أجزاء محدودة من المرتفعات وطقس بارد إلى شديد البرودة    انطلاق البث التجريبي لقناة بديلة لقناة المجلس الانتقالي    بيان سياسي صادر عن الوقفة أمام بوابة معاشيق – العاصمة عدن.    السامعي يطمئن على صحة وكيل محافظة تعز منصور الهاشمي    سوء فهم أم عجز أكاديمي خليجي؟    أكثر من ثلث "المليشيات " في حكومة المرتزقة مجرد أسماء على الورق    رمضان.. مدرسة الصياغة الإنسانية وميدان الفتوحات الكبرى    الحكمة من ذكر الموت قبل التكليف بالصيام:    دوري أبطال آسيا الثاني: النصر السعودي يتقدم للدور ربع النهائي    دوري ابطال اوروبا: كلوب بروج يقتنص تعادل مثير بمواجهة اتلتيكو مدريد    تكدس سيارات المسافرين في منفذ الوديعة الحدودي    البريمييرليغ: وولفرهامبتون يخطف تعادلا قاتلا امام ارسنال    تكدس آلاف المسافرين في منفذ الوديعة مع استمرار اغلاق مطار صنعاء    مرايا الوحي : السلسلة الثالثة (المحاضرة الرمضانية - 1) للسيد القائد    تدشين ثلاثة مطابخ خيرية رمضانية في بني الحارث    تدشين مشروع توزيع السلة الغذائية الرمضانية لأسر الشهداء والمفقودين بمحافظة صنعاء    الثور مقطوع الذنب "الذيل".. والإخوان المسلمون    رمضان في اليمن.. موائد جماعية وروح تكافل متوارثة    كيف تحافظ على نشاطك خلال ساعات الصيام؟ خطوات عملية    تقرير أممي صادم: أكثر من ثلث نازحي اليمن يواجهون الجوع والمخيمات الأكثر تضرراً    نتائج دوري الأبطال.. ريال مدريد يتجاوز بنفيكا وسان جيرمان يفوز على موناكو    المجلس العالي للدولة في السلطنة القعيطية يرفض إعفاء العلامة بن سميط ويؤكد ثقته بكفاءته وخدمته لأهالي شبام    آثار اليمن تُهرَّب عبر البحر... والمتاحف التي تعرضها تجني آلاف الدولارات    أفق لا يخص أحداً    بسيناريو مجنون" جيرونا يقتل أحلام برشلونة.. ويبقي ريال مدريد في الصدارة    مرض الفشل الكلوي (41)    عبدالكريم الشهاري ينال الماجستير بامتياز من جامعة الرازي عن دور رأس المال الفكري في تطوير شركات الأدوية    التضامن مع حاشد شهادة على الوفاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



القضية الجنوبية وآفاق الحل
نشر في المصدر يوم 17 - 01 - 2012

أصبحت «القضية الجنوبية» تعبيراً رائجاً في الأدب السياسي في اليمن خلال السنوات الأخيرة ، وفي إطار البحث عن حلول لها، يجري تقاذفها بين اتجاهين: الأول يتبناها لكي ينكرها ويقوض معناها، متوهماً أنه مع المستقبل، والثاني يتلقفها بشغف ويفرح بها ويسعى لتعميقها والانطلاق منها بشكل نكوصي نحو الماضي البغيض، متوهماً أنه مع الحقيقة التاريخية. فيقع الأول في التسرع والصبيانية ويسقط الثاني في إسار الزيف التاريخي. الاتجاه الناكر لها يسعى إلى تمييعها، بدعوة أن القضايا أو القضية الجنوبية ، مثلها مثل القضايا الشمالية والشرقية والغربية في اليمن، وبالتالي لا داعي للحديث عن قضية جنوبية مستقلة، وإنما ينبغي التركيز على كل القضايا اليمنية بشموليتها ، والبحث عن حلول لها في الإطار الوطني ، بعيداً عن المبالغة الجهوية والإيغال في خلق أزمات مفتعلة ، تقوض الروابط الوطنية وتضعف الهوية الوطنية اليمنية الجامعة. إما الاتجاه الآخر يسعى إلى تبني القضية الجنوبية وتعميقها وإضفاء خصوصية استثنائية وقداسة لاهوتية عليها ، معتبراً أن ما يجرى في بقية المناطق اليمنية أمور لا شأن له بها ، ويركز كل اهتمامه على القضية الجنوبية دون غيرها، ويستخدمها مسوغاً للترويج لانفصال الجنوب عن الشمال ، توطئة لتفتيت الجنوب ذاته إلى كيانات مستقلة ، تقودها كائنات عمياء ، عبْر العودة بالوطن لما كان يعرف باتحاد الجنوب العربي ، أي ذلك الإطار الفيدرالي الذي أقامته بريطانيا قبيل رحيلها القسري من جنوب الوطن، بهدف كبح جماح المد الوطني التحرري ، منعاً واستباقاً للتحولات الثورية المرتقبة في القطر اليمني.
غير أن الاتجاهين يجانبان الواقع الموضوعي والتاريخي ويقعان في أخطاء جسيمة ، فالاتجاه الأول لا يراعي خصوصية الأوضاع في المحافظات الجنوبية ، سواء أتصل الأمر بطبيعة تكوين الدولة هناك ، التي تمت عقب الاستقلال وشملت 22 سلطنة وإمارة ومشيخة ، ظلت كينونة ، قائمة بذاتها لمئات السنين ، وحملتْ ، عقب الاستقلال، إرثها المتخلف والمتنافر معها إلى داخل الدولة الجديدة ، و هو لا يراعي طبيعة النظام السياسي ، الذي أقيم في الجنوب عقب الاستقلال ، وارتكز على الاقتصاد الموجه Command Economy، وعلى الدولة الراعية ، Welfare State ، التي أعتمد عليها جميع ساكنيها ، كما لم يأخذ في الاعتبار طبيعة التشريعات التي كانت قائمة هناك ، وهي الأكثر ليبرالية في الجزيرة العربية ، سواء تلك المتصلة بالحقوق والحريات الشخصية للمواطنين ، أم تلك المتصلة بحقوق الأسرة وبالوضع والمكانة الاجتماعية والحقوقية للمرأة. والاتجاه الثاني ، لم يراعي القواسم المشتركة للشعب اليمني وتراثه التاريخي والنضالي، غرق في الخصوصيات المحلية الضيقة ، وأهمل القواسم المشتركة بين سكان الإقليم اليمنية المختلفة . وبذلك سقط في هاوية الضياع ، وغدا ملغوماً بالتناقضات وبالدعوات المشبوهة ، منطلقاً من الإرث الإقطاعي المتخلف، ومن القيم الاستعمارية السلبية المكتسبة ، المختزنة في اللاشعور ، من الهيمنة الاستعمارية الطويلة ، في تبرير مواقفه و سعى ، بشكل حثيث إلى تملق مشاعر الناس واستدرار غرائزهم بشكل رخيص ، بالقول أن الشمال متخلف والجنوب متقدم ، الجنوب محتل والشمال مُستعمر ، الجنوب سيغدو أغني من الكويت لو فك ارتباطه بالشمال المتخلف ، وعدن ستغدو أكثر تقدماً من هونكونج لو أتيح لها الانفصال عن الضالع والشعيب وردفان والصبيحة وشكلت كيناها الخاص ، أما حضرموت لو تخلصت من شبوة والعوالق ويافع ، فستنافس حكومة حيدر آباد ، وستغدو أكثر تقدماً من سنغافورة ، وسيتاح لكل مواطن أن يقتني آخر طراز من السيارات وربما أحدث طراز من الطائرات الخاصة ، إلى آخر تلك الهرطقة المتهورة البليدة ، القائمة على أرث عميق من التمزق والثارات والنكوص الأعمى والجهل والتطلعات البلهاء، الخالية من المشاعر الوطنية ، المثقلة بالأوهام والحماقات البائسة.
رؤية واقعية للقضية الجنوبية
القضية الجنوبية حقيقة واقعية وليست لاهوتية ، ويمكن تلخيصها بكثافة بأنها الإحساس العميق بالغبن ، Deep sense of injustice ، وهي المحصلة الكلية لمجمل الإجراءات السياسية والاقتصادية والإدارية والاجتماعية الخاطئة التي تمتْ في الجنوب عقب حرب 1994 الإجرامية. وأقصد بالإجراءات تلك التي لم تراعي خصوصية الأوضاع القائمة في المحافظات الجنوبية ، ونتج عنها ضرراً بالغاً بمصالح قطاع واسع من السكان هناك. ويمكن عرض تلك الإجراءات وما ترتب عنها ، بشكل موجز ، على النحو التالي:
أولاً، الإجراءات السياسية: تمثلت بإزاحة أطراف النخبة الجنوبية التي وقعت اتفاقية الوحدة مع أطراف النخبة الشمالية ، في مايو1990، وشاركتْ في السلطة على أساس التقاسم والمناصفة حتى 7 يوليو 1994. كما تمثلت بإزاحة كل من كان موالياً لتلك النخبة السياسية المُبعدة قسراً ، سواء كان منتسباً للمؤسسة المدنية أم العسكرية ، وسواء كان عاملاً في الجهاز الإداري الداخلي أم في الجهاز الدبلوماسي الخارجي للدولة . و لقد تم استبدال تلك العناصر، بشكل شكلي أحياناً، بعناصر جنوبية ، ولكن من جماعة علي ناصر محمد ، أي من أطراف النخبة التي كانتْ قد أزيحتْ ، هي الأخرى ، من السلطة في الجنوب من قبل شقيقتها الجنوبية في 13 يناير 1986. فجرى تعيين عبدربه منصور هادي بدلاً عن علي سالم البيض ، واللواء عبدالله علي عليوة ، ثم اللواء محمد ناصر أحمد، بدلاً عن هيثم قاسم ، والدكتور فرج بن غانم ، ثم الاستاذ عبد القادر باجمال ، فالدكتور على مجور بدلاً عن حيدر أبوبكر العطاس ... الخ. لقد أعتقد علي عبد الله صالح وزمرته المجرمة البليدة ، أنه قد أحكم قبضته على السلطة، مادام من عينهم في السلطة جنوبيون معادون بقوة للنخبة الجنوبية المبعدة ، وعلى ثأر عميق معها ، وليس لها شعبية في المحافظات الجنوبية ، كما يعتقد ، وبالتالي ليس أمامها من خيار سوى خدمة من أعاد لها الاعتبار وعينها في مواقع الصدارة في السلطة التي كانت فقدتها في يناير عام1986. وأعتقد في ذلك أنه ليس فقط في مأمن من كل عقاب بل أن الطريق أمامه أصحبت سالكة إلى توريث أبنائه وأحفاده.
ثانياً، الإجراءات الاقتصادية: تمثلت بخصخصة القطاع العام ، بشكل غير قانوني ، وتمليكه لأفراد من النخبة السياسية المهيمنة ، ونهب منازل بعض العناصر السياسية وممتلكات الحزب الاشتراكي ، فضلاً عن أراضي ومزارع الدولة ، وتقويض القاعدة الاقتصادية للدولة السابقة دون توفير بدائل ناجعة. ولا تكمن المشكلة فقط ، في عدم قانونية هذه الإجراءات ، ولكن المشكلة الحقيقية تكمن فيما أسفرت عنه من نتائج اقتصادية مدمرة و تسريح الآلاف من الذين كانوا يعملون في هذه القطاعات الاقتصادية ، عقب هذا الأجراء المفاجئ ، حيث لم تُوفر لهم إيرادات معقولة ، من خلال شبكة الضمان الاجتماعي ، لكي تحول دون تعرضهم للبؤس وشظف العيش والغربة في وطنهم.
ثالثاً، الإجراءات الإدارية: وقد تمثلت بالإجراءات الخاصة بالتوظيف والترقية الوظيفية ، حيث أعطيتْ الأولوية للعناصر الموالية للنظام ، وليست لذوي الكفاءة والقدرة على الأداء الوظيفي السليم . فقد جرى مثلاً، إبعاد موظفين جنوبيين من وظائفهم في الجنوب وتعيينهم في محافظات شمالية ، ومعاملتهم كأجانب في المحافظات الشمالية ، وتعيين موظفين في الجنوب من مناطق شمالية ومعاملتهم للمواطنين في المحافظات الجنوبية بشكل ينم عن تعال واحتقار مقيت ، أو تعيين موظفين من مناطق جنوبية معينة ، دون غيرها ، ودون مراعات للحساسيات الجهوية والمناطقية ، الأمر الذي وسعَّ وعمق كثيراً من حالة التذمر في المحافظات الجنوبية.
وقد شكلت مجمل هذه التراكمات ، فضلاً عن الإرث التاريخي المتخلف، ما عرف و يعرف اليوم بالقضية الجنوبية. وهنا لا بد من الإقرار أن هذه الإجراءات الانتقامية وغير السوية من قبل النخبة الحاكمة في صنعاء وأتباعها في مختلف المناطق الجنوبية ، قد وفرت ظروفاً مؤاتيه لنشاط النخبة الجنوبية المبعدة من السلطة عقب حرب 1994 ، ودفعتها ليس للبحث عن مخرج عقلاني للأزمة الوطنية القائمة ، بروح الولاء للوطن الواحد ، وإنما لاستغلال الأوضاع الناشئة في المحافظات الجنوبية والشرقية ، مستغلة المورثات المتخلفة ، في أثارة المشاعر العدائية ليس فقط ضد النخبة الحاكمة في الشمال ولكن ضد كل ما هو يمني شمالي أو حتى يمني بالمطلق ، وبلورة رؤية سياسية معادية قاتمة ، تجد تجلياتها القصوى في الدعوة إلى فك الارتباط و تقرير المصير والانفصال ، أو إقامة دولة فيدرالية ، على أساس إقليمين: شمالي جنوبي ، تمهيداً لانفصال الجنوب عن الشمال و ومن ثم تفتيت الجنوب ذاته إلى دويلات متعددة.
ما العمل؟
ثمة ، في تصوري المتواضع، مخرجين من الأزمة القائمة : أولهما مخرجاً عقلانياً يفضي بالنتيجة إلى حل شامل للأزمة الوطنية القائمة من خلال معالجة الأسباب التي أدت إلى بروزها ، وثانيهما مخرجاً غير عقلاني ، يفضي إلى تفاقم الأزمة القائمة وتعرض الوطن للتمزق والخراب:
المخرج العقلاني:
1. أن تقوم السلطة الانتقالية، بعد 21 فبراير 2012، في إعادة بناء مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية المركزية لكي تتمكن الدولة من تطبيق القانون وتحقيق الأمن وتثبيت الاستقرار وفرض هيبة الدولة وسيادتها على جميع أراضيها.
2. أن لا تقوم السلطة الانتقالية ، بعد 21 فبراير 2012 ، بإعادة التقاسم والمحاصصة الجهوية القديمة بين النخبتين الشمالية والجنوبية، أو بإنشاء تقاسم ومحاصصة جهوية جديدة ، وإنما أن تقوم بتوفير المناخ الملائم لصياغة دستور جديد يؤسس لدولة مدنية ديمقراطية ، تعميق الهوية الوطنية الجامعة ، وتحقق التقدم والعدالة ، بحيث تتوفر في إطارها فرص متكافئة لجميع المواطنين اليمنيين دون تميز ديني أو عرقي أو ثقافي ، أو جنسي ، أو طبقي أو قبلي أو جهوي.
3. أن تقوم بإلغاء التقاسم وإزالة المحاصصة وازالة كل الإجراءات السياسية والاقتصادية والإدارية والاجتماعية التي عصفت بالأوضاع في الجنوب ونتج عنها الأزمة الوطنية العميقة القائمة ، المعروفة اليوم بالقضية الجنوبية ، من خلال جملة من الخطوات الجديدة ، تتلخص في:
أ) إعادة كل الممتلكات المنهوبة وإعادة المسرحين ، بشكل غير قانوني ، من وظائفهم إلى وظائفهم السابقة إن كانوا راغبين في العودة إليها ، أو تعيينهم بوظائف جديدة ، تتناسب مع كفاءتهم ، أو تعويضهم ، بشكل عادل ، وكذا تعويض كل من تضرر من تلك الإجراءات. و تفعيل القانون بالاقتصاص من كل من أرتكب جرائم قتل ومعاقبة كل من أرتكب مخالفات قانونية.
ب) أن يكون تسنم المناصب القيادية السياسية في المحافظات والمجالس المحلية من خلال الانتخابات الشعبية الدورية ووفقاً لمعايير الوطنية والكفاءة ، وليس من خلال التعيين المركزي المذموم ، القائم على المحسوبية والمحاباة والولاء السياسي أو الجهوي.
ج) أن تكون المجالس المحلية المنتخبة ، عبارة عن حكومات محلية Local governments تتمتع بصلاحيات واسعة ، يحددها الدستور ، تساعد على تعميق الهوية الوطنية الجامعة ، وليس كيانات فيدرالية متعددة ، تفضي إلى تعميق الهويات المناطقية والانفصالية.
ه) كما ينبغي أن يتم تعيين الموظفين في المؤسسات الحكومية المختلفة على أساس الكفاءة والقدرة على أداء المهمات المناطة بهم ، من خلال هيئة خبراء مستقلة ، كما يجري في دول العالم المتحضر ، بعيداً عن المحاباة والاعتبارات الجهوية والمناطقية.
و) خلق مناخ للاستقرار والاستثمار للنهوض بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ومن ثم خلق فرص وافرة للعمل لتعويض اليمنيين عن السنين الطويلة من البؤس والحرمان والشقاء.
المخرج غير العقلاني:
لا يدعو هذا الاتجاه إلى تصحيح الأخطاء السابقة ، ولكنه يستغلها بمكر في الدعوة إلى الفيدرالية المؤقتة ، توطئة لفك الارتباط ، ومن ثم الانفصال واستعادة الدولة السابقة، بهويتها القديمة " جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ، ولئن كانت تلك الدولة قائمة خلال الحرب الباردة ، وفقاً لمعطيات دولية معينة ، وكانت معتمدة ، بشكل كامل، على الخارج ، كما كانت معتمدة داخلياً على حزب اشتراكي عقائدي، يتناغم بقوة مع ذلك المناخ الدولي ومع المركز الأممي. فإن المقومات الداخلية والخارجية، للدولة المزمع إنشائها، لم تعد قائمة اليوم وبالتالي ليس بالإمكان استعادة تلك الدولة بهويتها السابقة. أما التفكير بقيام دولة جديدة بهوية يمنية جنوبية ، فستعترضها أيضاً عقبات كثيرة ، خاصة وهناك قوى متنوعة، انبثقت من «منازل الأموات» تدعو إلى هويات مختلفة ، مستمدة من المرحلة الاستعمارية ، كالدعوة إلى اتحاد الجنوب العربي ، المكونة من عدد من الأمارات الإقطاعية المتنافرة ، على النمط الذي بلورته القوى الاستعمارية البريطانية في أواخر الخمسينيات ، بهدف كبح المد التحرري في المنطقة ، هذا فضلاً عن الدعوة النشطة لأحياء فكرة حضرموت الكبرى ، بعيداً عن الجنوب ، وتحقيق مشروع «عدن للعدنين» في إمارة مستقلة عن الجنوب، تابعة للكومنولث البريطاني ، منفصلة عن إمارات الداخل الفقيرة كالضالع ، ويافع ، والفضلي. الأمر الذي سوف يفضي إلى تمزيق وطننا وإنهاكه بالصراعات المدمرة بين إماراته المتنافرة ، ليصبح لقمة سائغة لقوى الاستعمار ، كما جرى في مطلع القرن التاسع عشر.
الخروج من المأزق
بالطبع لا يمكن القبول بهذا المخرج غير العقلاني المدمر ، الذي يتنافى ، مع أهداف ثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر المجيدتين ، ومع نضال شعبنا العظيم ونضاله الدؤوب عبر القرون ،وسعيه المثابر لتحرير نفسه من الهيمنة الاستعمارية والاقطاعية. وبالتالي لابد من القبول بالمخرج العقلاني الذي يحقق العدل والحرية ويصون وحدة الوطن ويساعد على النهوض به. إما إذا تعذر التوافق على المخرج العقلاني ، فإن الحل سيكون ، حينئذ، من خلال الاستفتاء العام ، الاستفتاء على الانتحار الذي لا بد منه ، والذي ينبغي أن يشمل جميع اليمنين ، في الشمال والجنوب ، كوننا شعب واحد ودين واحد وثقافة واحدة ووطن واحد ، ولسنا شعبين ، مكونين من عرقين ، لهما دينين مختلفين ، وثقافتين متعارضتين ، ووطنين متمايزين أو متباعدين ، كما كان الحال في جنوب السودان ، أو في البوسنة والهرسك ، وينبغي أن ينحصر الاستفتاء في أربعة أسئلة فقط: يكون الجواب علي واحدة منها: بنعم.

وهذه الأسئلة هي:
1. هل أنت مع الوحدة اليمنية ،القائمة على العدل والحرية والكرامة الانسانية ؟
2. هل أنت مع الوحدة الفيدرالية المؤقتة ، على أساس اقليمين، توطئة للانفصال ؟
3. هل أنت مع الوحدة الفيدرالية الدائمة على أساس أقاليم متعددة ؟
4. هل أنت مع فك الارتباط والانفصال ؟

وعلى ضوء النتيجة ، التي سيسفر عنها الاستفتاء الشعبي العام ، ينبغي أن يتحدد المصير السياسي لليمن أرضاً وشعباً، مرة وإلى الأبد ، بعدها ، ينبغي أن نترك الصراعات والحروب خلفنا ، ونتفرغ لبناء وطننا لكي نلحق بالعالم المعاصر، الذي تخلفنا عنه ملايين الأميال.

المصدر أونلاين


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.