مع حلول شهر رمضان المبارك، تتجه أنظار المواطنين إلى الأسواق مترقبين أي تحسن قد يخفف من وطأة الأعباء المعيشية الثقيلة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها اليمنيون، وما يرافقها من ارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية. هذا العام حملت المؤشرات المالية بارقة أمل، بعد تسجيل العملة المحلية تحسنًا ملحوظًا أمام العملات الأجنبية، الأمر الذي عزز توقعات بانعكاس هذا التحسن على أسعار السلع الأساسية التي يزداد الطلب عليها خلال شهر رمضان الذي يشهد عادة حركة شرائية واسعة.
غير أن الواقع، وفق شهادات مواطنين، جاء مغايرًا لتلك التوقعات، إذ لم تسجل الأسواق انخفاضًا ملموسًا في أسعار السلع رغم تراجع سعر الصرف، وبقيت الأسعار عند مستويات مرتفعة، ما أثار حالة من الاستياء والتساؤلات حول أسباب هذه الفجوة الواضحة.
وتتزامن هذه الشكاوى مع استمرار الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المواطنون، حيث يترقب كثيرون أي تحسن يخفف الضغوط المعيشية، غير أن ثبات الأسعار رغم تحسن العملة أعاد طرح تساؤلات حول آليات التسعير والرقابة على الأسواق.
انعدام السيولة المحلية
أمجد، وهو أحد المواطنين، يروي معاناته في محاولة استلام حوالة مالية أرسلها له أحد أقاربه لمساعدته في تغطية نفقات أسرته خلال رمضان، مؤكدًا أنه تنقل بين أكثر من خمسة محال صرافة أملاً في استلام الحوالة بالريال اليمني.
وقال إنه قوبل بالرفض في معظم المحال بحجة عدم توفر السيولة النقدية بالعملة المحلية، موضحًا أن بعض الصرافين عرضوا عليه استلام المبلغ بالريال السعودي بدلًا من الريال اليمني، الأمر الذي وضعه أمام خيار صعب في ظل حاجته الملحة للنقد المحلي.
وتعكس هذه الواقعة، بحسب مواطنين، جانبًا من الإشكاليات التي تواجه عمليات الصرف في السوق المحلية، حيث يشكو كثيرون من صعوبة الحصول على العملة المحلية من محال الصرافة رغم توفر العملات الأجنبية، وهو ما يزيد من تعقيد التعاملات اليومية للمواطنين.
خسارة يتحملها المواطن
وفي سياق متصل، يروي المواطن هارون الصراري تجربة مشابهة، حيث استلم مبلغ ألف ريال سعودي محولًا من أحد أقاربه في الخارج، غير أن رحلة تصريف المبلغ لم تكن سهلة كما توقع في ظل ما يشهده السوق من تباين في الأسعار.
يقول الصراري إنه أمضى يومين كاملين يبحث عن محل صرافة يوافق على شراء المبلغ بسعر منصف، مشيرًا إلى أن بعض المحال عرضت شراء الألف ريال السعودي بفارق يصل إلى 20 ألف ريال يمني أقل من قيمته الفعلية وفق سعر السوق.
وأوضح أنه اضطر في نهاية المطاف إلى صرف المبلغ بخسارة بلغت نحو 15 ألف ريال يمني حتى يتمكن من شراء احتياجات أسرته الأساسية خلال هذه الفترة، معتبرًا ذلك استغلالًا واضحًا للظروف الصعبة التي يعيشها المواطن.
مفارقة الأسعار
يؤكد هارون الصراري أن المفارقة تكمن في أن التجار يصرون على التعامل بالريال اليمني فقط عند بيع السلع، في حين يواجه المواطنون صعوبة في الحصول على هذه العملة من محال الصرافة بسبب نقص السيولة أو فرض أسعار صرف غير عادلة.
ويضيف أن العملات الأجنبية تبدو متوفرة في السوق، إلا أن هذا التوفر لم ينعكس على انخفاض أسعار السلع الأساسية، التي ظلت مستقرة عند مستويات مرتفعة رغم التحسن الذي شهدته العملة المحلية خلال الفترة الأخيرة.
وفي شهادات ل"الصحوة نت"، يجمع مواطنون على أن الفجوة القائمة بين تحسن سعر الصرف وثبات أسعار السلع تطرح تساؤلات مشروعة حول آليات التسعير والرقابة على الأسواق، خاصة في موسم يشهد ذروة الاستهلاك وزيادة الطلب على المواد الغذائية.
ويرى بعضهم أن غياب الرقابة الفاعلة يفتح المجال أمام عدد من التجار للاستمرار في البيع بالأسعار القديمة رغم تحسن العملة، فيما يتحمل المواطن تبعات هذه المعادلة المختلة التي تنعكس مباشرة على معيشته اليومية.
تآكل الدخل
من جانبه، يشير صادق، وهو حارس في إحدى المدارس الخاصة، إلى أن راتبه الشهري البالغ 80 ألف ريال لم يعد قادرًا على تلبية الاحتياجات الأساسية لأسرته في ظل استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية والسلع اليومية.
ويوضح أنه في فترات سابقة كان راتبه يعادل نحو 120 ريالًا سعوديًا، بينما يعادل اليوم قرابة 190 ريالًا سعوديًا نتيجة تغير سعر الصرف، أي بزيادة تقارب 95% في قيمته الاسمية مقارنة بالريال السعودي.
ويؤكد صادق أن هذا التحسن النظري لم ينعكس على أرض الواقع، إذ لم تشهد أسعار المواد الغذائية انخفاضًا مماثلًا، بل بقيت مرتفعة، ما جعله غير قادر على توفير متطلبات رمضان الأساسية من مواد غذائية واحتياجات منزلية.
وبين تبريرات بعض الصرافين بنقص السيولة المحلية وتمسك عدد من التجار بأسعار مرتفعة بدعوى تقلبات السوق، يبقى المواطن الحلقة الأضعف في سلسلة معقدة من التحديات الاقتصادية التي تتداخل فيها عدة عوامل مؤثرة.
تذمر شعبي متزايد
تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يُظهر مشادة كلامية حادة بين أحد المواطنين وأحد الصرافين، على خلفية رفض الأخير صرف مبلغ قدره 100 ريال سعودي بالعملة المحلية داخل أحد محال الصرافة.
ويُظهر الفيديو المواطن وهو في حالة غضب وصراخ داخل محل الصرافة احتجاجًا على عدم قبول صرف المبلغ أو تقديم سعر اعتبره عادلًا، في ظل حاجته الماسة للسيولة المحلية لتغطية التزاماته اليومية.
وقد أثار المقطع تفاعلًا واسعًا بين المتابعين الذين عبّر كثير منهم عن استيائهم من الأوضاع الاقتصادية الراهنة والصعوبات التي يواجهها المواطنون في عمليات الصرف والحصول على العملة المحلية.
ويعكس انتشار الفيديو حالة التذمر المتزايدة في الشارع إزاء التحديات المعيشية وتقلبات سوق الصرافة، خاصة في ظل استمرار الشكاوى من فجوة الأسعار وصعوبات التعاملات النقدية التي باتت تتكرر خلال الفترة الأخيرة.
وفي ظل هذا الواقع الاقتصادي المتقلب، يقف اليمنيون أمام معادلة معيشية صعبة، حيث تتزايد الشكاوى من فجوة الأسعار وصعوبات السيولة، في وقت يترقب فيه المواطنون أي تحسن فعلي ينعكس على الأسواق ويخفف من الضغوط اليومية التي تثقل كاهل الأُسَر.