أعتقد أن قمة الفساد والفوضى أن يحمل مدير أكبر مؤسسة اقتصادية في البلد شهادة مزورة.. لكن قمة الوقاحة أن لا يتحرك الجهاز الرسمي للدولة لاتخاذ أي إجراء بعد الكشف عن هذه الفضيحة بالوثائق والمستندات المؤكدة ولا تحرك السلطة ساكناً. المؤسسة الاقتصادية اليمنية تشكل تقريباً القوة الاقتصادية الثانية في البلاد بعد مجموعة هايل سعيد أنعم، وهي الذراع الاقتصادي للحكومة الآن، بعد أن كانت مختطفة لصالح الأسرة الحاكمة وكانت كل أعمالها التجارية محاطة بسرية بالغة.
فاسدون من العيار الثقيل مكثوا على رأس هذه المؤسسة لسنوات طويلة نهبوا منها مئات الملايين مقابل توريد المليارات إلى خزينة صالح ونجله، كان آخرهم حافظ معياد الذي أطيح به بعد ثورة فبراير ليتم تعيين ياسر الحرازي بديلاً عنه.
وعلى الرغم من أن الحرازي شريك في عمليات الفساد التي شهدتها المؤسسة خلال الفترة الماضية إلا أن المتابعين استبشروا بإبعاد معياد الذي كان يعد أحد الأيادي القوية للرئيس السابق علي عبدالله صالح، إلا أن القيادة الجديدة للمؤسسة على ما يبدو لم تستوعب الدرس جيداً وتواصل انتهاج سياسات سابقاتها نفسها، مع اختلاف الجهة التي تورد إليها الأموال التي تنهب من ريع الأعمال التجارية للمؤسسة التي تستثمر في كل شيء ابتداءً من المواد الغذائية البسيطة إلى المدن السياحية، وتعتبر هي المورد الوحيد لكل ما تحتاجه الحكومة.
ولأن الحرازي ارتبط بمراكز النفوذ الجديدة فإن فضيحة من العيار الثقيل تكاد تمر دون أن يتلقى الحرازي أدنى قدر من المساءلة عن فضيحة يمكننا التذكير بها بإيجاز؛ حيث أكدت جامعة صنعاء أن الشهادة التي يحملها العقيد ياسر الحرازي مدير عام المؤسسة الاقتصادية اليمنية مزورة، وكذلك الحال مع رفيقه رئيس قطاع النقل في المؤسسة عبده محسن الحيدري.
قرابة أسبوع مرّ على نشر هذه الفضيحة بينما الحرازي ورفيقه لا يزالان يمارسان عملهما في المؤسسة محاطان بمجاميع من المرافقين، ويتصرفان في أرقام مالية ضخمة تابعة لثاني أكبر إمبراطورية مالية في البلد.
هل يمكن أن نجد تفسيراً لصمت الرئيس عبد ربه منصور هادي ووزير دفاعه محمد ناصر أحمد، وهما المسؤولان المباشران عن المؤسسة التي لا تزال تحتفظ بالوضع القديم في تبعيتها لرئاسة الجمهورية ووزارة الدفاع، سوى أن الحرازي صاحب حظوة كبيرة عندهما وقد تذهب التفسيرات إلى أبعد من ذلك.
سيكون من العار على النخب والشباب الذين ضحوا من أجل وقف العبث الذي دمر كل شيء أن يصمتوا على فضيحة بهذا الحجم، فالرجل حصل على الرتبة الأولى في سلم الرتب العسكرية، وترقى في السلم الإداري للمؤسسة حتى وصل الى قمة الهرم الوظيفي بناءً على هذه الشهادة.. وبالتالي فأقل ما يمكن عمله تجاه هذه الحالات هو فصلهم من أعمالهم وتجريدهم من الرتب العسكرية إن لم يتم إحالتهم الى المحكمة.
ليست هذه حالة واحدة فقط، فقد كشف وزير التربية قبل أكثر من شهر أن عشرات المعلمين يحملون مؤهلات مزورة بعد فحص عدد من الملفات الوظيفية للعاملين في سلك التربية والتعليم.
وفي ظل الفساد الذي نخر مؤسسات التعليم وحولها الى دكاكين للارتزاق فإن مئات المزورين يحتلون مواقع مهمة في كل مفاصل الدولة وخصوصاً المؤسسات الإيرادية التي تشكل مصدراً للهبر، وعادة ما يكون المزور لديه مؤهلات شخصية تجعله الأقدر على السرقة والنهب ويترقى بسرعة البرق باعتباره " أحمر عين" على الطريقة اليمنية.
وهذا يقتضي نشاطاً مكثفاً للناشطين والمهتمين بمكافحة الفساد في كشف أصحاب المؤهلات المزورة وتعريتهم والضغط على السلطات المتواطئة لإزاحتهم من مواقعهم ومعاقبتهم على الجرائم التي يرتكبونها بحق الوطن.