يتكرر استهداف ميليشيا الحوثي للأطفال والنساء في مدينة تعز، حيث تحولت أحياء التماس إلى مساحات مكشوفة للنيران، في ظل استمرار القصف والقنص الذي يحصد المدنيين بصورة متكررة، ويجعل تفاصيل الحياة اليومية للسكان مرتبطة بالخطر المباشر. وكان الطفل إبراهيم جلال والمرأة ابتسام عقلان، وهي والدة لخمسة أطفال، من أحدث ضحايا هذا الاستهداف، إلى جانب مدنيين آخرين طالتهم قذائف الحوثيين، في مشهد يعكس حجم التهديد المستمر الذي يفرض نفسه على حياة السكان.
وبينما كان الأطفال يتجهون إلى مدارسهم، وتمضي النساء في أعمالهن اليومية، كانت نيران القناصة تترصد تحركاتهم، لتؤكد أن المدنيين، وخصوصًا الفئات الأضعف، ما يزالون في قلب دائرة الاستهداف المفتوح داخل المدينة.
أكد أحمد المقرمي، رئيس الدائرة السياسية بإصلاح تعز، أن "الوباء الحوثي لا يهدد تعز وأطفالها فقط، بل يهدد اليمن كاملة"، معتبرًا أن ما يحدث في المدينة يتجاوز كونه حوادث ميدانية متفرقة ليعكس طبيعة مشروع واسع يستهدف المجتمع والدولة معًا.
وأوضح المقرمي، في تصريح ل"الصحوة نت"، أن ما يمكن للسلطات المحلية القيام به هو ذاته ما يجب أن تتبناه الحكومة والمجتمع معًا، ويتمثل في إسقاط المشروع الحوثي بشكل شامل وبمعالجة تتجاوز الحلول المؤقتة.
وأشار إلى أن أي حلول جزئية أو محلية ستظل مجرد معالجات ترقيعية لا تمس جوهر الخطر، لأن الاستهداف الحوثي، بحسب وصفه، يأتي ضمن إطار مشروع تدميري متكامل لا يمكن اعتباره أخطاء ميدانية منفصلة.
ويتقاطع ذلك مع ما يطرحه المحلل السياسي ياسين التميمي، الذي يرى أن عناصر مليشيا الحوثي الإرهابية تتصرف وفق عقيدة أمنية تعتبر مدينة تعز وسكانها هدفًا مشروعًا للاستهداف المستمر والمتكرر منذ سنوات.
ويشير التميمي، في تصريح ل"الصحوة نت"، إلى أن هذه العقيدة ترسخت منذ لحظة تمكين الحوثيين من دخول صنعاء والتوسع، ثم ازدادت حدة بفعل العامل العقائدي الذي يغذي العداء داخل المجتمع اليمني ويدفع نحو مزيد من العنف.
جرائم حرب
يقول رئيس منظمة سياج لحماية الطفولة أحمد القرشي إن استمرار عدوان الحوثيين على تعز لأكثر من عقد يدخل ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بسبب استهداف المدنيين وحرمانهم من أساسيات الحياة.
ويضيف، في تصريحات ل"الصحوة نت"، أن قنص الأطفال أثناء ذهابهم إلى المدارس أو جلب المياه أو ممارسة حياتهم اليومية يمثل انتهاكًا واضحًا يرتقي إلى جرائم حرب تستوجب التحقيق والملاحقة القانونية.
ويدعو القرشي الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا إلى إنشاء آلية وطنية للتحقيق في هذه الجرائم وملاحقة المسؤولين عنها، مؤكدًا أن الإفلات المستمر من العقاب يشجع على تكرار الانتهاكات.
ويجمع محللون على أن ما يجري في مدينة تعز هو استهداف حوثي ممنهج يستند إلى عقيدة أمنية ومشروع سياسي عقائدي واسع، وأن وقفه يتطلب مواجهة شاملة ومحاسبة توقف دائرة الإفلات من العقاب.
سلوك ممنهج
يرى الأكاديمي والمحلل السياسي علي العسلي أن ما تشهده تعز لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثًا منفصلًا، بل باعتباره حلقة جديدة في سلسلة دامية يتكرر فيها استهداف الأطفال والنساء، بما يعكس اختيار الفئات الأضعف لإيصال رسائل ميدانية قاسية.
ويشير، في مقال له، إلى أن إصابة النساء داخل الأحياء السكنية، سواء أثناء وجودهن في المنازل أو خلال جلب المياه، تعكس امتداد المشهد ذاته، حيث تُستنزف المدينة يوميًا بأدوات متكررة تعيد إنتاج الخطر وتبقي المدنيين في مواجهة مباشرة مع الموت.
ويؤكد العسلي أن مسؤولية ما يحدث لا تقف عند منفذ الجريمة المباشر، والمتمثل بمليشيا الحوثي، بل تمتد إلى دوائر أوسع، تبدأ من غياب المعالجات الحاسمة لحماية والمدينة واستكمال تحريرها، وتطرح أسئلة متجددة حول دور الشرعية والتحالف في تأمين حياة المدنيين.
ويشدد على أن تعز تحتاج إلى أثر عملي يغيّر المعادلة ويقلص مساحة الخطر، لأن الحوادث المتكررة لم تعد تمس الضحايا وحدهم، بل تضرب شعور المجتمع بالأمان وتفتح أسئلة واسعة حول جدية الحماية المطلوبة.