لا تعبثوا بإرث القرون، عبر العصور تشكلت الشخصية الحضرمية وأنتجت نموذجاً فريداً يحتذى به في العالم كله. ليس عبثاً أن تصبح الشخصية الحضرمية مضرب مثل في التعامل والتعايش، كل ذلك هو نتاج عصور طويلة من التنشئة والتربية والتثقيف والتدين والموروث، فلا تعبثوا بهذا المنجز الإنساني العالمي وتدمروه. الحضرمي له طريقته في التعامل مع المشكلات والتنوع الثقافي، هو نموذج راقي في فهم الحياة ومواجهة خياراتها. يظنه الغجر والبرابرة والمتخلفون نوع من الجبن والسلبية بينما تنظر إليه الشعوب المتحضرة كنموذج من الرقي الإنساني الذي أنتج حضارات متطورة في كل الدول التي استفادت منه. خذ مثالاً عملياً حاضراً، وأنت تتجول بمدينة المكلا مثلاً، تمر بنقطة عسكرية بإمكانك أن تلاحظ جنديين يقفان جنباً إلى جنب إخواناً متحابين متفاهمين أحدهما يضع على ساعده علم اليمن، والآخر بجواره يضع علم "الجنوب العربي"، وثالث يرى أنه حضرمي لا هذا ولا ذاك. وكل واحد منهم يحمي ظهر أخيه ويسانده ويقويه. من لا يدركون هذه السمات في الشخصية الحضرمية المتعايشة والمتقبلة للتنوع يسخرون أو يغضبون ويستشيطون غضبا. الحضارم يدركون حقيقة ما يجري اليوم، لذلك لم يجروا محافظتهم إلى أتون الصراعات البينية وقد جنبوها الكثير من الويلات في مراحل كثيرة. حتى في الخلاف الحاصل اليوم فيما بينهم لم يصلوا حد القطيعة ولا المفاصلة ولا الصدام المسلح، رغم أن هناك من هم من خارج حضرموت يستغربون هذا الأمر ويتحفزون إلى الوصول بالحضارم إلى لحظة الصدام. وتلك ثقافتهم التي أودت بهم إلى ما أودت بهم إليه، فلم يتعظوا حتى الآن ولم يتعلموا من الحضارم كيف يديرون خلافاتهم. على العكس من ذلك فبدلاً من الاستفادة من التجربة الحضرمية أرادوا أن يزجوا بحضرموت في مستنقع خلافاتهم ويفرضوا على الحضارم تجاربهم وأسلوب حياتهم وطريقة تفكيرهم. نقول للجميع أوقفوا هذا العبث في حضرموت وحافظوا على هذا المنجز وهذا السمت ودعوا الحضارم يتدبرون أمورهم. وأنتم من ستستفيدون من ذلك حين تجدون حضرموت ملجأ لكم حين تضيق بكم احوالكم وقد كانت كذلك. دعوا حضرموت بعيداً عن صراعكم لعل من أراد منكم أن يجد له مستراحاً ومتنفساً وملجأ يلجأ إليه إذا ما تعب أو ثاب إلى رشدة أتى إليها فوجد فيها مأمناً وسعة. دعوا حضرموت ساحة للتعايش والقبول بالآخر لعلكم تصلون ذات يوم إلى تلك القناعة فتجدوا حضرموت تحتضنكم كما هي اليوم وكل يوم. أنتم لا يهمكم من حضرموت سوى تصدير النفط وما تحصلونه منها من ثروات وموارد. حضرموت لم تعرف عبر التاريخ بأنها تصدر الثروات، بالعكس كانت فقيرة تجلب إليها المساعدات من كل مكان خصوصا من أبنائها المنتشرين في كل أصقاع الأرض، لكنها بنت سمعتها من أعز ما تملك والذي يمثل رأس مالها الحقيقي وهو الخلق العالي والثقافة الراقية والتعايش مع جميع بني البشر لذلك أحبهم الجميع. احترموا هذه الخصوصية ولا تدمروها. أيها العالم كله تداركوا الأمر قبل فوات الأوان. حضرموت مصدر الإلهام الأخلاقي والإنساني في خطر. حفظ الله حضرموت وحفظ الله الجميع من كل شر. اللهم آمين.