في اللحظات الصعبة يبحث الناس دوماً عن حضن آمن يجمع شتاتهم ويلمّ شعثهم، ولا يجدون أوسع من حضن الوطن الذي يلتقي الجميع تحت ظله الوارف، وهناك تتشابك الأكف وتتحد القلوب فيتبدد روع اللحظة، ويذوب خوف الآتي أمام قوة الجماعة ووحدة المصير، وهذا التلاحم هو إحدى سنن الكون الثابتة منذ الأزل، فالإنسان فُطر بطبعه على الانتماء لمجتمعه وبيئته، باحثاً فيهما عن الأمان والاستقرار، ومع التحولات الكبرى التي عاشتها البشرية عبر العصور تبلورت هذه الفطرة لتتحول إلى فكرة أعمق وهي حب الأوطان. على هذا الأساس المتين تكونت الدول وترسخت الكيانات، وغدا الانتماء للوطن الجامع هو الركيزة الأساسية التي يستمد منها الأفراد والمجتمعات قوتهم، وما عاد الوطن مجرد خارطة، بل مصدر العزة والمنعة، والدرع الحصين الذي يحمي الهوية ويضمن الكرامة، وفي ظل الوطن الجامع الذي يتسع لكل فئات شعبه دون تفريق ولا تمييز تذوب كل الولاءات الأخرى كونها مصدر ضعف ومدخل تشتت، ولم تحقق أمة مجداً إلا وهي مجتمعة، وما غزا التشظي بلداً إلا وبلاه بالفوضى والعجز وضياع الثروات.
في اليمن، ومنذ انقلاب جماعة الحوثي الإرهابية على الدولة في العام 2014م ونهب ومصادرة مؤسساتها، قطع اليمنيون شوطاً كبيراً في طريق استعادة الدولة والنظام الجمهوري الذي يعد المعادل الموضوعي لفكرة الوطن الجامع الذي يحتضن كل أبنائه، لكن مشاريع المشاغلة ومحاولات حرف البوصلة كانت عائقاً تسبب في تأخير استعادة البلد من أيدي مختطفيه، وشكل الذهاب لمشاريع تمزيقية جهوية تخدم أجندة لا وطنية تشتيتاً لجهود اليمنيين وإشغالاً لهم عن المعركة الحقيقية.
نجمع اليوم كشعب أننا لن ننجو ونستعيد ما سُلب منا إلا باجتماعنا تحت ظل الوطن الجامع الذي يتسع لكل شعبه، والاتجاه الإجباري نحو استكمال استعادة الوطن من أيدي الانقلابيين، والخلاص من مشروعهم الطائفي الدخيل الذي يتعارض مع فكرة المواطنة المتساوية، ونبذ أي دعوات أو توجهات أو مشاريع تتعارض مع هذه المهمة المقدسة باعتبارها واجب الوقت وأولى الأولويات، ومدخلاً لمعالجة كل أوجاعنا الأخرى.