مملكة بني إريان و "الحبر الأعظم المؤسس" عبدالكريم الإرياني (جزء1)    الجنوب العربي والذاكرة الرقمية    تدشين توزيع 10 آلاف شتلة لوزيات وفواكه بالقطاع الشرقي    إصابة شرطي صهيوني باصطدام شاحنة جنوب نابلس    إسبانيا تدعو لتفعيل أدوات الاتحاد الأوروبي للضغط على كيان العدو    أمريكا تأمر بمغادرة الموظفين غير الأساسيين من سفارتها في بيروت    لا تثقوا فيهم!!!    الإعلان عن مبلغ زكاة الفطرة لهذا العام 1447 ..    (نص + فيديو) للمحاضرة الرمضانية السادسة للسيد القائد 1447    الفريق السامعي: تصريحات السفير الأمريكي تمثل عدواناً سياسياً مباشراً وتحدياً سافراً للقانون الدولي    تقرير بريطاني يكشف كيف تحاول واشنطن إبقاء السعودية "زبوناً حصرياً" للسلاح الأمريكي!    الأشول: الحكومة شكلت لجنة لمعالجة أزمة الغاز ونعمل على تعزيز مخزون السلع    الدور السعودي في اليمن بين الواقع الداعم للدولة وخطابات التشويه    ردفان تغلق أبوابها أمام لجنة سعودية وتعيد خلط أوراق النفوذ جنوباً    عدن في قلب الأزمة.. قيود الحوار الجنوبي واحتجاز المقر يزيدان الاحتقان الشعبي    تراجع أسعار النفط عالميا    مصادر: انقطاعات الإنترنت مرتبطة بصيانة وتحديثات لخدمة «يمن فور جي»    اللغة فعل حي    الأرصاد يخفض التحذير إلى تنبيه ويتوقع ارتفاعاً تدريجياً في درجات الحرارة    بعد سقوط "إل منتشو".. مونديال كأس العالم مهدد    تعليق رسوم ترمب الجمركية يهبط بالدولار والنفط والعملات المشفرة    كذب المطبلون وما صدقوا.. مجلس العليمي وأبوزرعة يفشلون في اختبار أسطوانة الغاز    الفرح: السعودية تسعى لإدامة الصراعات في الجنوب    الخارجية اليمنية تؤكد دعم سيادة الكويت على مناطقها البحرية ومرتفعاتها المائية    شركة الغاز تعلن مضاعفة الإمدادات لعدة محافظات وتدعو السلطات المحلية لمنع أي تلاعب    يوفنتوس يخطط لإقالة المدير الرياضي والمدرب    هيئة المواصفات تدشن حملة تعزيز الرقابة وحماية المستهلك بذمار    الرئيس المشاط يهنئ امبراطور اليابان بمناسبة العيد الوطني لبلاده    المشروع يستهدف أكثر من 41 ألف أسرة بشكل منظم... النعيمي ومفتاح يدشنان مشروع السلة الرمضانية لمؤسسة بنيان للعام 1447ه    علوم المسلمين أسست للنهضة الأوروبية    وثائق عرفية وقبلية من برط اليمن "35"    المهندس الشغدري: انزال مخططات لقرابة 17 وحدة جوار في مديرية عنس    عبرت عن روحية التكافل الاجتماعي.. الهيئة العامة لرعاية أسر الشهداء تدشّن توزيع السلة الغذائية الرمضانية    تواصل بطولة الشهيد الصمَّاد للوزارات والهيئات الحكومية    يجب أن تعي كلُّ النساء هذه الحقائق المهمة .. فيديو    نتيجة القمع الحوثي.. إب تسجل كرابع محافظة في حالات النزوح خلال العام الماضي    مأرب.. إقامة بطولة رياضية رمضانية باسم الشهيد أمين الرجوي    صنعاء.. تعزيز قطاع الطوارئ ورفع مستوى الجاهزية    وزير الشباب والرياضة يوجّه بالبدء في ترتيبات انطلاق بطولة "المريسي" الرمضانية بعدن    افتتاح توسعة تاريخية للرواقين الجنوبي والغربي بالجامع الكبير بصنعاء    تراجع الازدحام في منفذ الوديعة الحدودي    عدن تحتفل بتخرّج 97 حافظًا وحافظةً للقرآن الكريم    باريس سان جيرمان يواصل صدارته للدوري الفرنسي    اتلتيكومدريد يدك شباك اسبانيول برباعية    السيتي يتخطى نيوكاسل يونايتد ويشعل سباق الصدارة مع ارسنال    مليشيا الحوثي تنهب مخصصات دار الحبيشي للأيتام في إب    الحديدة.. حادث سير مروع يودي بحياة شخصين احتراقًا    الصحة العالمية: أوقفوا استهداف المستشفيات في السودان فوراً    نبيل هائل يدشن سلسلة اللقاءات التشاورية مع موظفي المجموعة    بنك الدواء يستقبل قرابة 300 حالة لمرضى القلب والضغط    المنتخب الوطني الأول يدشن معسكره الداخلي استعداد للجولة الأخيرة لتصفيات آسيا    فنانون عالميون يطالبون مهرجان برلين بموقف ضد جرائم "إسرائيل" في غزة    تسجيل أكثر من 14 ألف إصابة بمرض الملاريا في تعز خلال 2025    باحث في الآثار: تهريب نحو 23 ألف قطعة أثرية يمنية خلال سنوات الحرب    سوء فهم أم عجز أكاديمي خليجي؟    الثور مقطوع الذنب "الذيل".. والإخوان المسلمون    المجلس العالي للدولة في السلطنة القعيطية يرفض إعفاء العلامة بن سميط ويؤكد ثقته بكفاءته وخدمته لأهالي شبام    التضامن مع حاشد شهادة على الوفاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الأيام الأخيرة في حياة الشيباني
أيام الخطو نحو نافذة النور!
نشر في الصحوة نت يوم 08 - 01 - 2014

لم أعلم بمرض الأستاذ عبد الملك الشيباني رحمه الله إلا بعد فترة، فذهبت إليه خجولاً معتذراً والعرق يتصبّب مني، لكنه كان يخفف عني، مؤكداً على يقينه من أنني لا أعلم.
ومن هنا رافقته في الأيام الأخيرة من حياته بمعدل يومين كل أسبوع، نقضيها مع بعض الأصدقاء في منزله نؤنسه ويُتحفنا من العصر إلى ما بعد العشاء.
وإذا كان المرض يكشف لصاحبه عن معادن الناس، فيعرف فيه الصديق الحقيقي من المزيف، فإن هذا المرض الذي جثم على صدر الأستاذ وأنشب أظفاره في قلبه السليم، فقد أزال الغبار عن المعدن النفيس لهذا الرجل العظيم في بساطته والبسيط في عظمته، وفي هذه المقالة سأضع القارئ الذي لا يعرفه أمام بعض الخصائص التي لاحظتها من جلساتي معه في الأيام الأخيرة التي كان يخطو فيها نحو نافذة النور ونحن لا نشعر.
حرارة القلب وبرودة الجسم:
من كل جلساتي الأخيرة مع الأستاذ اتضح بجلاء الانفصام الشديد بين حرارة قلبه الفياض بالمشاعر والمزدان بالحب والعامر بالعواطف، وبين برودة جسمه، حيث كان حريصاً على إغلاق جميع النوافذ، وتدفئة البيت بالبخور، وذلك بسبب تلف الجزء الأكبر من قلبه، حيث لا يستطيع القيام بكافة وظائفه في إيصال الدم إلى كل الأعضاء، ويبدو أن قلبه المعنوي توسّع على حساب قلبه المادي، حتى أتلف الجزء الأكبر منه!
ولقد تبيّن لنا أن ضعفه في قلبه وقوّته في قلبه، فقد ضعف حتى أنه لم يكن يستطيع صعود الدرج إلا بصعوبة بالغة، وكان قوياً حتى أنه ظل يفيض على الجميع بأرقّ المشاعر، مما جعله يستمر في صعود درج الحب وسلالم التقدير!
لقد كنت لما أجيئ أجد أولاده: (حسين وأحمد ومحمد وعمر...) الذين قدَّهم الله منه، يتوزعون من الباب الخارجي للبيت إلى باب غرفة المكتبة وهي محراب الأستاذ وعيادته كأنهم حرس شرف، غير أنهم لا يعرفون الصرامة، بل تملأ البشاشة وجوههم!
ولشرف محفده، ونبل نجائبه، ورقة طباعه، فقد كان يتأثر إلى حد البكاء لمن يحسنون إليه، حتى أنه بكى عدة مرات نتيجة عناية العديد من الناس به، ابتداء من الأستاذ محمد اليدومي، ومروراً بضابط أردني في مطار عمان قام بدفع العربة التي كانت تحمله عندما انشغل رفيقه ببعض المعاملات، ووصولاً إلى كثيرين ممن اتصلوا به من خارج اليمن وداخله ودعوا له، وكثيرين ممن زاروه، ومن هؤلاء الشيخ حميد عقيل الذي جاء من إب لزيارته في المستشفى، فاستقبله وعانقه باكياً، وكان في الجمعة الأخيرة من حياته مترقباً بحرج خوفاً من زيارة الشيخ حميد له في البيت، فسألناه: لماذا كل ذلك؟ فأجاب: إنها من علامات الساعة أن تلد الأَمَةُ ربّتها!!
وأخبرنا أنه كان يشعر بالخجل الشديد عندما يقول له الشيخ حميد عقيل: يا أستاذي!.. وذكر أنه ذهب ذات مرة لإلقاء محاضرة لبنات مدينة جبلة، وفي آخر المحاضرة سألنه سؤالاً فقهياً، فاستغرب أن بينهن الشيخ حميد ويسألنه هو، فقالت له إحداهن: لقد سألنا الشيخ حميد، فما كان منه إلا أن غضب وغادرهن فوراً، لأنهن يسألنه بعد الشيخ حميد عقيل!!
بهذه العاطفة المتأججة كان يعيش الأستاذ، لكنها ازدادت في مرض موته حتى أنه عندما عرف أن عندي حساسية من البخور ورغم حاجته الشديدة للدفء فقد أمر أبناءه أن يفتحوا النوافذ لخروج الدخان، وكنت كلما أتصل إليه حول أني سآتي لزيارته يقوم بإخلاء الدخان!
بروز ثقافة الشكر وعطاء الكرم:
يبرز بجلاء من تفاعل الأستاذ مع مرضه أنه كريم من طراز نادر، حيث يتضخم إحسان الآخرين عنده، ويتضاءل ما يقدمه للآخرين، فقد كان دائم الثناء على الطبيب الأردني الذي عالجه في الأردن، وعلى الطبيب اللبناني الذي تابع حالته في اليمن، ويثني على الممرضات وعلى الإداريين، ويثني على من رافقه إلى الأردن، وعلى من رافقه في اليمن، وظل يشكر زواره، ولم أسمعه يشكو أحداً لم يزره، ولو من باب العتاب الخفيف كالتثريب، حتى بدا متشبعاً بثقافة الشكر!
وسمعته في هذا السياق يكلم واحداً في الهاتف، ويخبره مفتخراً أنني عنده، وأضاف: نعم لقد زارني الدكتور فؤاد عشرات المرات!!
هكذا تتضخم الحسنات الصغيرة عند الكرماء، مع أنني لم أكن قد زرته إلا بضع مرات، ولا أدري ماذا كان يقول عن تلميذه النجيب أ. عبد الوهاب الميرابي الذي كان من النادر أن يفارقه يوماً طيلة فترة مرضه!
وتجاوز الكرم المعنوي إلى الكرم المادي، فقد أخبرته مازحاً بأن لي عادة مع من أحبهم، وهي أن آخذ منهم النسخة المكررة من أي كتاب في مكتباتهم إن لم تكن عندي، وكنت في أقصى الظروف أطمع بكتاب واحد، فما كان منه إلا أن نظر فوق أحد الأرفف وقال لي: هذا الكتاب عندي منه نسخة أخرى، فنظرت فإذا هو كتاب "فتح الباري" وهو من 14 مجلداً ولم يتركني أخرج من بيته إلا بهذه المجلدات التي أثقلتني بجميله، وهكذا فقد (فتح) الأستاذ خزانة كرمه وأعطاني كتاب (فتح الباري)، فأسأل الله أن (يفتح) له أبواب رحمته وأبواب جنانه ليدخل من أيها يشاء.
ولكرمه كان يعرض علينا العَشاء بعد صلاة المغرب بإلحاح، ومن شدة كرمه واحتفائه بزواره وفرحه بهم فكرت أن أنقل منتدى الفكر الإسلامي الذي أديره يوم الجمعة إلى بيته، لكنني آثرت عدم إرهاق الأستاذ رحمه الله.

عشق الناس والاستئناس بهم:
ما أعرفه أن معظم الناس عندما يمرضون يضيقون بالناس ويحبون الخلوة والهدوء، وإن كان ولابد فإنهم يقبلون زيارات سريعة، أما الأستاذ فقد كان يحتفي بزواره، ويُبرز سعادته بهم، حتى أنني نتيجة إشفاقي عليه كنت أهم بعد صلاة المغرب أن نفارقه وأصدقائي، لكنه أصر على البقاء، مؤكداً سعادته الغامرة بنا، بل ذهب إلى أن اليوم الذي لم يزره ويجلس معه في النهار أحد، فإنه كان يعاني آلامه بالليل!
وعندما حاولت مرة التملص، لخوفي أن يكون ذلك من رقة مشاعر الأستاذ، وأن يؤثر ذلك على قلبه، عارض بقوة، واستشهد بتلميذه ورفيق دربه عبد الوهاب، مؤكداً أنه الناطق الرسمي باسمه!
وكان يسألني عن صحتي، وعندما عرف بعض ما ألمَّ بي أكد أنني أعاني من إصابة بعين، وأصر على أن أتداوى عند أحد من تداوى هو عنده بالقرآن وأثنى عليه كعادته.
وكان عندما لا أذهب إليه يتصل بي للاطمئنان عليّ، أو للتعليق على بعض ما دار من أحاديث في اليوم السابق!

تفاؤل يفلّ الحديد:
كان يُجيد صناعة أحلى العصائر وألذها من الليمون الحامض، حيث ظل يركز نظره على النصف الممتلئ من الكأس، بل على القطرة الواحدة إن كانت فيه!
ولذلك كان واثقاً من مستقبل الأمة المشرق، رغم أنينه لكل هذه الأوجاع، ورؤيته لكل هذه الظلمات المدلهمة، لكنه يلمح الفجر من خلفها. وعليه فقد استمر يعمل كل ما يستطيع، حتى أنه في أحد هذه الأيام المؤلمة زاره دكتور من صنعاء ونحن عنده ليكتب له تقديماً لرسالته التي نال بها درجة الدكتوراه عن "اليمن الكبير" فكتبها أو أملاها!
ورغم أن المرض أقعده عن أي عمل، لكنه كان يستطيع الكلام، فكان يتكلم، حتى أنني طلبت منه قبل موته بيوم أن يحدثنا عن انطباعاته التي سمعتها منه من قبل عن زياراته للصين ولأمريكا، وأخبرنا عن الكثير من المواقف والقصص التي تجمع بين الفائدة والمتعة.
في ذلك اليوم ذهبت مع بعض الأصدقاء ومنهم ثلاثة من أساتذة قسم التاريخ بجامعة تعز، الذين تعرفوا عليه لأول مرة وآخر مرة، لأنه مات في ليل اليوم التالي، ومع ذلك فقد تحدثنا عن أشياء كثيرة، ومنها مشروع مستقبلي للمساهمة في تنقية التاريخ الإسلامي مما علق به من شوائب، وغربلته من المساوئ التي ألصقت به.
وبسبب عمق معرفته ودفء مشاعره فقد تعلق به هؤلاء الزملاء لدرجة أنني في أثناء تشييع جنازته رأيت أحد هؤلاء وهو الدكتور سعيد اسكندر يبكي بحرقة كأنه يعرفه منذ زمن بعيد، وقال لي وهو يكفكف دموعه: عرفتنا به بالأمس ومات اليوم!!
وكان في هذه الجلسة قد كلمنا عن مشاريعه المستقبلية، ومنها استكمال كتاب (نقد رجال الطبري) والذي كان قد أعده ليكون رسالة ماجستير من قبل لكن قلة ذات اليد منعته من ذلك!
وكنت أخطط لزيارة تركيا التي كان حريصاً على القيام بها معي، لمعرفة مشروعها الحضاري عن كثب، وكنا قد اتفقنا مع أحد الأساتذة الكرام على زيارة جزيرة سقطرى في فبراير القادم بعد تماثله للشفاء!
وهكذا مات الأستاذ وهو منتصب كالنخلة، حيث أحنى رأسه قليلاً لعاصفة المرض، ظاناً أنها سحابة صيف، لكنها أخذته إلى ربه الكريم فنسأله أن يكرمه.

الضحك إلى الرمق الأخير:
ولأنه شديد الإيمان بالله، وعظيم الأمل به، وكثير التفاؤل في المستقبل ، فقد ظل يضحك من طُرَف الآخرين ويُضحك الآخرين بطرائفه ، هذا كان ديدننا معه طيلة أيام مرضه، حيث لم يمتنع عن الابتسام ولم يكف عن الضحك إلى آخر رمق من حياته !
لقد كان طبيباً نطاسياً في مكافحة حموضة الحياة بحبوب (الطُّرَف) وكبسولات (النُّكت) وشراب (الضحك) الذي لم يمتنع عنه يوماً لأنه مثل الماء ، ولاسيما في الأيام الأخيرة من عمره ، حيث ينبغي للمؤمن أن يكون أقوى في حُسن الظن بالله.
ولم يفتأ الأستاذ يواجه تجهم الحوادث بطرائف الأحداث ، حتى امتلك خبرة كبيرة في تخلية القلب من الهموم والأتراح وتحليته بالأحلام والأفراح، وتزويده بالمُلَح والنوادر حتى لا يكل أويملّ !.
ولمعرفتي بهذه الطبيعة في الأستاذ ، فقد حرصت على أن أصطحب في تلك الزيارات أحد أصدقائي الظرفاء فأُعجب به أيما إعجاب وارتاح إليه أيما راحة ، حتى كانا يتنافسان في رواية وصناعة المواقف الطريفة والمضحكة !
ولذهاب هذا الأخ الظريف بعيداً في طرائفه عموماً ، وحتى أشارك في صناعة البهجة في محراب الأستاذ بحيث لا تظلله كآبة المرض فقد أخبرت الأستاذ أنني عندما كنت أسمعه يقول: نريد الطبيب المسلم والمهندس المسلم .. والسفيه المسلم !!.. كنت أتساءل: كيف يكون المسلم سفيهاً؟ وكيف يريده هذا الأستاذ الفاضل؟..
بعدها بسنوات تعرفت على هذا الأخ الظريف وسمعت نُكَته التي غالباً ما تنهل من المقولة الشائعة: "إذا خلونا صبَوْنا" ، عندها قلت: الآن عرفت ماذا يقصد الأستاذ بالسفيه المسلم!!.
فضحك الأستاذ حتى بدت نواجذه ، وذكَّرته ببعض المواقف الطريفة ، ومنها ما أخبرني به صديق لي يدعى قاسم السماوي ، حيث ذكر أنه كان ذات مرة واقفاً على الطريق في مدينة إب ينتظر سيارة تنقله إلى قريته في مديرية السياني محافظة إب وكان يلبس بدلة ضابط مرور، فمرّ الأستاذ عبد الملك الشيباني بسيارته ومعه الأستاذ أحمد القميري فرأياه فرثيا لحاله وأركباه السيارة دون أن يعرفاه ، فاقترح هذا الأخ أن يتعارفوا، وهو كان يعرفهما، ولما كان ذلك في عهد الحزبية السرية، فقد أورد كل منهما اسماً عاماً مثل: عبد الله عبد الرحمن، وعندما جاء دور الأخ قاسم السماوي قال عن نفسه: أخوكم في الله عبد الملك الشيباني! فانتفض الأستاذ وانفجر ضاحكاً وأدرك أن السماوي يعرفهما!
وبعد سنوات طويلة جاء عندي الأخ قاسم السماوي حيث كان معزوماً على العشاء في ليلة رمضانية قبل بضع سنوات ، فاتصلت بالأستاذ عبد الملك ودعوته للعشاء على شرف الضيف الذي جاء من إب واسمه عبد الملك الشيباني ، فضحك وأدرك على الفور أنه قاسم السماوي!!
عندما رويت هذا الموقف أمام الأستاذ قبل موته بيوم واحد ضحك كعادته، وصحح بعض التفاصيل ، وأخبرني أن الاسمين اللذين عرفا نفسيهما بهما كانا اسميهما بالفعل عندما كانا في هُكمان أيام حروب ما كانت تسمى بالجبهة الوطنية.
المهم أننا تنقلنا مع الأستاذ خلال بضع ساعات من الجد إلى الهزل ، ومن التاريخ إلى الأدب، ومن داخل اليمن إلى خارجه ، فامتلأت الجلسة بالفوائد والمتعة والضحك، حتى كان الأستاذ يضع يده فوق قلبه من شدة الضحك!
وفي الثامنة مساء غادرناه وهو متأثر لذهابنا كأنه كان يحس بأنه سيفارقنا ، وأن هذا آخر لقاء لنا معه ، والعجيب أن الزملاء الذين جاؤوا أول مرة سلموا عليه بحرارة أكثر من حرارة سلام الوصول ، ولما سألت أحدهم عن السبب ، قال: بعدما عرفت أن هذا الأستاذ كنز مغمور أدركت أنني لم أنصفه في السلام عند الوصول!
ولأنهم سلموا عليه فقد سلمت عليه وصافحته، مع ثقتي أنني سألتقيه قريباً، إذ لم يكن يعرف أحد أن حالته خطيرة جداً ، بما فيهم أنا بل حتى أسرته ، وكان سلام الوداع الأخير ، لهذا كانت الصدمة كبيرة على أسرته !
اللهم إنك جعلت لمن تبسم في وجه أخيه صدقة ، وهذا الرجل لم يبتسم فقط ، لكنه أضحك الملايين ، فأضحِكْهُ يا الله في الفردوس الأعلى من الجِنان ، فإن أعماله تؤهله للولوج إلى مستقر رحمتك، وخزينة فضلك، ودار كرمك وكرامتك.



خارطة فكر الشيباني في عناوين كتبه (1)

لإدراكه أن موت الفرد في سبيل الله هو دفعة قوية للمجتمع لكي يحي في سبيل الله صانعاً للحياة ، فقد دلف الأستاذ عبدالملك الشيباني في تأليفه لكتبه ومهمته الخطيرة في صناعة العقول من بوابة (شهيد القرآن) عبده محمد المخلافي الذي استنقذه من وهدة المراهقة، ولأن الفرد قد يصبح أمة فقد انتقل من الحديث عن حياة المخلافي التي كانت حبة أنبتت سبع سنابل إلى الحديث عن السنابل في (مسيرة الإصلاح) المباركة ، ومن المؤكد أن هذه المسيرة الإصلاحية من لدن (الرجل الأمة معاذ بن جبل) ومستنيرة بنجوم (صحابة اليمن) وممتدة إلى (معالم الإصلاح في حياة البيحاني) ، الداعية المصلح ولهذا فقد أبرز الأستاذ الشيباني (اليمن ومكانتها في الكتاب والسنة) في جزئين، وحتى لا يتشكك متشكك بالأحاديث التي مدحت اليمن وأثنت على اليمنيين فقد تولى (تخريج أحاديث فضل اليمن وأهله) وفق قواعد علوم الحديث المتفق عليها وليظهر أن أكثرها صحيحة أو حسنة.
ولإدراكه أن الإصلاح حركة إسلامية لا حزباً عصبوياً ضيقاً، فقد وضح أنه ضد (العصبية) الضيقة وأنه يستفيد من سائر منابع (العلم والعلماء) ثم أنه من ناحية التوجه يستهدف إصلاح (حاضر العالم الإسلامي) كله ، بحسب استطاعته، لأن المسلمين كالجسم الواحد.
ولمعرفته بأن الانتماء إلى حركة إسلامية معاصرة هو تكليف أكثر من كونه تشريفاً فقد أبرز أهمية (الجهاد المالي) في توفير متطلبات بناء الرجال ، ومن ذلك تلبية كل متطلبات (فن الرحلات) المادية والمعنوية ، حتى تساهم بفاعلية في صياغة الرجال.
ولم يفتأ أبداً يبشر أمته بأن (الظهور الإسلامي فجر دائم وشروق مستمر)، ولم يكف عن الفخر بالنموذج الأكمل شروقاً على الإطلاق، وهو العهد النبوي الذي كان يستمد من القرآن مباشرة ، مجسداً كل تعاليمه السامية في مناشط راقية، ولهذا أبرز (السيرة في ظلال القرآن) حتى تكون زاداً للمقتدين والمتأسين.
(1) ما بين قوسين هو عناوين الكتب المطبوعة للأستاذ عبدالملك الشيباني رحمه الله.
*أستاذ الفكر الإسلامي السياسي بجامعة تعز
رئيس منتدى الفكر الإسلامي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.