بين الفينة والأخرى يطلق المسؤول الأمني الإماراتي ضاحي خلفان، تصريحات سياسية تتضمن انطباعاته حول تطورات الأوضاع الداخلية في بلدان الجفاف الربيعي، وهو يخص اليمن بمعظم تغريداته على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر".. ونقل عنه مؤخراً أن اليمنيين عضوا أو أنهم مقدمون على عض الأصابع ندماً على عهد رئيسهم السابق! ويضيف ضاحي ساخراً عدم سماعه اسم الرئيس اليمني في الوقت الراهن..؟ نحسبه قال هذا نكاية بتيار الإخوان المسلمين في اليمن والمنطقة العربية، لا انطلاقاً من معرفته الكافية تجربة 33 عاماً تقل قليلاً أو تزيد بضعة أشهر عن عمر السطر الأول من إلياذة الإرادة المقتدرة، وتصدر فقيد العروبة ورئيس الدولة المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ملحمة البناء الوطني، والانتقال بدولة الإمارات العربية المتحدة من وعث الصحراء ومثالب التخلف والجهل، إلى ما هي عليه من استقرار ورخاء، وما تشهده أفياؤها من قفزات نوعية على مختلف الصعد. مشكلتنا مع بعض الأشقاء تنحصر في رؤيتهم لليمن من زاوية القشور على حساب الجذور، ومن خلال الأعراض الجانبية الطافية على سطح المعضلات دون منابعها، لهذا لا نرى منهم غير الإعراض الدائم عن بحث الأسباب، وتركيز عاطفي آني على النتائج! فكيف نفسر الأمر؟ وإلى أي شيء نعزوه..؟ ندري أن هذا يحدث، لكننا لا نملك حياله مخرجاً، بل ونؤثر الجمع بين ألم عض الأصابع ومكابرات غض الطرف عن شراكة الخليج الشقيق في صناعة الأسباب، وانغماس أروقته في زراعة الجذور. كون الإخوان المسلمين تنكروا لرئيس اليمن السابق، وغدروا به على طريقة "ابن ملجم" في بيت من بيوت الله، فذاك شأنهم.. وكون ممارسات الإخوان بعيد انحراف أحداث الربيع عن مصالح وغايات شعوبنا من التغيير بالأحسن إلى الأخذ بالأخونْ.. أقول كون تلك الممارسات بدت أكثر سوءاً بما لا مجال معه للمقارنة بأخطاء الرئيس السابق، فتلك قصة لا ينحصر مثلها على إخوان اليمن، لكن أكان الأمر يبلغ ذروته من التمدد والتغول في مفاصل السلطة لولا هذا "السابق"، لدرجة أنهم كانوا إناه إذا أكل، ومطيته إذا ترحّل، وأدواته كلما احتاج وضع سياط السلطة في عهدة شركاء موكلين على تأديب خصومه السياسيين! ثمة سؤال آخر ينزع بنا لمعرفة الأثر السياسي والقيمي الفارق إذا لم يتردد اسم الرئيس اليمني على ذاكرة خلفان؟ نحن –بصراحة- لا نرى ضرورة للتحسس من هذه المعلومة، ونبصم بال1، لا على واقعيتها فحسب، ولكن على خلوها من نزعتي الاستعلاء والاستخفاف، وسيكون علينا في المقابل عدم الاكتراث لرغو الوسائط الإعلامية المحسوبة على الرئيس السابق، ومحاولتها الترويج لمقولات خلفان، وصبغها بتلكما النزعتين. علاقات الدول لا ترسمها الشبكة العنكبوتية.. لكن طبيعة الأوضاع الانتقالية في اليمن تمنح التفاصيل حيزاً من الخواء الذهني لدى بعض قوى الصراع، وغير بعيد أن تكون الحملة التسويقية المحتفية بتصريحات المسؤول الأمني إياه، موجهة بهدف تعكير الأجواء، والإيهام بوجود موقف خليجي من قيادة الرئيس هادي، ما يؤكد الحاجة لمراجعات جادة تحصن علاقات بلدان الجزيرة العربية من المصطادين في الماء العكر.. ما يهمنا كيمنيين أن تحبونا عناية الله نسمة برود تخفف عنا ضجر الحياة في ظل نكبتي الربيع المزور، وصلف جماعات التداين السياسي (الإخوان)، ليكون لدينا رئيس دولة غير مهيأ من الخارج، ليس لديه بطاقة تعارف في "ألبوم" القيادات الأمنية العربية.. وحسبنا شرفاً أن يؤول الحكم لرئيس يتولى الشعب اليمني مسؤولية التعريف به.. ولئن كان ثمة حاجة لعمليات إنقاذية وشراكة أخوية في رفع الأنقاض، فإن هذا لا يعني الرهان على إعادتها ضمن تهيؤات مستقبلية بما لا يعدو إضاعة الجهد أو استغراقه في التسويغ لمكائد الزمن وخرساناته الإخوانية! الأشقاء في دول الخليج كانوا شركاء في توجيه الكثير من أحداث الماضي.. ومنذ العام 1962 غدت اليمن مسرحاً لصراعات إقليمية أنتجت معادلاتها على الواقع، وخلال الفترة 1962-2011، ترك الحبل على الغارب، ولم يجرِ البحث في سبل تنقية العلاقات اليمنية الخليجية من الشوائب، والعمل المشترك على نزع ألغام ومخلفات حقبة الحرب الباردة من ساحاتنا العربية. لم يكن صوت العقل مطلوباً، ولا لغة المنطق مرحباً بها، لتأخذ المعضلات المسكوت عنها خليجياً مسارها المتدرج في التشكل، وفجأة يوفر الربيع لجماعات التداين الإخوانية غطاءها المتحين لما تطلق عليه وعد "التمكين"! حسناً، لم يفت الوقت بعد.. ها هي المملكة تبادر إلى إعلان موقفها من الإخوان والحوثيين.. وأيّاً كان الرأي حول فوارق الخطر بينهما، إلاّ أنهما يمتحان من نزعة إلغائية واحدة، ولكل منهما مشروعه الاغترابي المترخص ثوابت الوطن وقيم الانتماء العربي.. فهل يكون بمقدورنا القول إن مساراً جديداً في علاقات اليمن الخليجية قد بدأ..؟ هو ذاك على ما يفهم من الموقف السعودي. أما إذا وضعت تصريحات المسؤول الأمني الشقيق على محمل الجد، فإن التبشير ب"السابق" ينسحب على تحالفاته "الإخواقمينية"، ومنظومات الصراع الناشبة في حلقوم المستقبل. بيد أن للملهاة قواعدها الطاغية.. وما تراكمه خبرات 5 عقود من مواقف عروبية ناضجة، تهدر الدوحة أضعافه المضاعفة في بعض ساعات من عمر الفوضى الخلاقة.. أليس هذا مفارقة خليجية مستعصية..؟ من قال إن هذه المفارقة ليست شأناً خليجياً يتغذى على أخطاء الماضي..؟ لهذا يظل الحديث عن جذر المعضلة على سجيته السابقة من امتزاج وتداخل السياسات اليمنية الخليجية. وطالما والأمر كذلك، فإن الشراكة في المقدمات تقتضي معادلاً موضوعياً ومسؤولية تاريخية تجاه النتائج.. ما يدعو لمؤازرة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، ودعم جهوده الرامية لبناء اليمن الجديد، ومعالجة إرث التحالفات الخليجية السلبية، وإقامة دولته المؤسسية، بدلاً عن التيه بين أنقاض ماضٍ وضع كل بيضه في متناول الإخوان والحوثيين.