لهذا السبب لا يمكن لإيران خسارة هذه الحرب!    مليون جندي إيراني جاهزون لمواجهة الهجوم البري    فرنسا تتفوق على البرازيل في ليلة اصابة رافيينا وديمبلي    نبلاء حضرموت.. إطلالة متميزة تجمع ممثل الرئيس الزُبيدي والكاتب "هاني مسهور"    الحالمي: استهداف المجلس الانتقالي وقيادته يكشف تناقض شعارات "الحوار الجنوبي"    لماذا لا يمكن أن تكون السلفية بديلاً كاملاً للإخوان في اليمن؟    الإصلاح في قفص الاتهام: اغتيال صحفي في تعز يكشف رعاية الإخوان للفوضى الأمنية    العراق يواجه بوليفيا في ملحق مونديال 2026    الحديدة.. البحر يقبض أرواح شبان في إجازة عيد الفطر وخفر السواحل تنفذ أخرين    الإصلاح وعاصفة الحزم.. موقف وطني مبكّر لحماية الهوية ومواجهة المشروع الإيراني    الاعتداء على محامي في شارع عام بمحافظة الحديدة    السامعي: حزب الله يخوض ملاحم الأبطال الصامدين    تصعيد التوترات بين واشنطن وطهران وسط رفض إيراني للمقترح الأمريكي لوقف القتال    ارتفاع اسعار الاسمدة 40% يهدد قطاع الزراعة في امريكا    محافظ شبوة: اليوم الوطني للصمود ملحمة وطنية صاغتها تضحيات الشعب اليمني    بزشكيان يشكر بوتين بالروسية: دعم روسيا يلهمنا في الحرب ضد أمريكا وإسرائيل    الرئيس المشاط يعزّي في وفاة الشيخ حمد بن صالح النوفي    الاتحاد الآسيوي يقر تأجيل مباراة المنتخب الوطني ونظيره اللبناني إلى مطلع يونيو المقبل    انضباط وظيفي بنسبة 90% في مأرب بثاني يوم دوام بعد إجازة عيد الفطر    تقرير : "الجنوب تحت النار".. تصاعد الانتهاكات يعمّق أزمة اليمن    ذمار: دول العدوان تعمدت قتل وإصابة 799 من أبناء المحافظة    منتخب الناشئين يستأنف معسكره الداخلي استعداداً لنهائيات آسيا    المباني القديمة في عدن تشكل خطراً على السكان.. انهيار شرفات عمارة في المعلا    ارتفاع لأسعار النفط    تصاعد التوترات وتبادل الرسائل بين الولايات المتحدة وإيران وسط تصاعد تداعيات الحرب    السيارات الكهربائية المستعملة تنتعش في أوروبا بسبب ارتفاع أسعار الوقود    شبكات تهريب تابعة ل "الإخوان" تغذي مناطق الحوثيين بالغاز    حرب إيران تهدد آمال ستارمر.. أسعار النفط والغاز تعصف باقتصاد بريطانيا    مَرافِئُ الصَّبْرِ وَفَجْرُ اليَقِينِ    صراع سعودي أوروبي.. محمد صلاح يتلقى عروضا مغرية    سقطرى في قلب موسكو.. نصف قرن من دراسات روسية تكشف أسرار الجزيرة اليمنية    وفاة شابين غرقاً أثناء السباحة في شاطئ الكتيب    وفد الانتقالي يختتم مشاركته بالدورة ال 61 لمجلس حقوق الإنسان    مواطنون يرفضون إنشاء مشروع "للزيوت المستعملة" لقيادي حوثي في إب    الذهب يرتفع مع تراجع الدولار وانحسار المخاوف من رفع أسعار الفائدة    المخلافي يوجه برفع الجاهزية وتشكيل غرفة عمليات تزامنا مع موسم الأمطار    صمود الإمارات يعكس قوة النموذج لا مجرد القدرات الدفاعية    فقيد الوطن و الساحه الفنية .. الشاعر حمود صالح نعمان    200 ألف دولار رشوة للتراخيص.. اتهامات مباشرة لمدير شركة الغاز محسن بن وهيط    محمد صلاح يعلن رحيله عن ليفربول .. ما هي وجهة صلاح المقبلة؟    في مدينة إب ..!    اللهم لا شماتة    إشكالية الرواية والتدوين بين قداسة النص وإشكالات النقل    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    جامعة عدن تفند مزاعم "اليمني الجديد" وتؤكد سلامة وثائقها الأكاديمية    النقوب خارج الخدمة.. بمديرية عسيلان تعيش في الظلام وسط استمرار الكهرباء بمناطق مجاورة    الحديدة تحتفي بتراثها الثقافي والفني عبر مهرجان "امعيد في تهامة"    استعادة الساعة البيولوجية والتوازن اليومي بعد رمضان: خطوات سهلة وفعّالة    استعادة الساعة البيولوجية والتوازن اليومي بعد رمضان: خطوات سهلة وفعّالة    وزارة الصناعة توجه بتكثيف الرقابة الميدانية ومنع أي ارتفاعات في أسعار الغاز    الدوري الاسباني: ليفانتي يفوز على اوفييدو    العيد ولعبة الكراسي    صنعاء : تعميم هام .. بشان صلاة العيد ..!    رسمياً.. 3 دول تفاجئ العالم باعلان الخميس أول أيام عيد الفطر    "إن متُّ فالعليمي مسؤول".. أحمد سيف حاشد يكتب وصيته من نيويورك ويهاجم السلطة    وزارة الأوقاف:الخميس متمم لشهر رمضان والجمعة أول ايام عيد الفطر    شبوة.. عندما يبكي التاريخ في حضرة التقسيم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التوشيح و الإنشاد..قراءة سريعة في الخصوصية اليمنية
نشر في سبأنت يوم 07 - 10 - 2006

على بساط (السنا لاح) نسافر في فضاءات (طرب سجوعه) لنعيد اكتشاف فتنة التوشيح والانشاد اليمني في رحاب(يقرب الله لي بالعافية والسلامة) لنحل ضيوفا(على العقيق اجتمعنا/ نحن وسود العيون/ ماظن مجنون ليلى / قد جن بعض جنوني / فيا جفوني جفوني / وياعيوني عَيوني/وياقلبي تصبر / على الذي فارقوني/ ما زلت ام المطايا/ وقلت هم يحملوني / الى منازل قوم / ساروا ولا ودعوني..)هنا تستفيق الانفاس على تموجات صوت المنشد واقفاً على عتبة روح عبقرية تسكب على ابريق الكلام ذهب الشعر موشحاً بالجمال بخصوصيته اليمنية توشحياً وانشاداً! .
يشكل "مهرجان صنعاء للإنشاد" محطة مضيئة في برنامج المهرجانات النوعية التي دأبت وزارة الثقافة على تنظيمها في إطار اهتماماتها بتوثيق و إبراز الخصوصية الفنية والجمالية في مكونات المنظومة الثقافية اليمنية.
وتتجلى أهمية مهرجان الإنشاد الذي تختتم ليالي دورته الثانية غدا السبت في كونه يحتفي بفن هو في الاصل يحتفي بنا ونحتفي من خلاله بكل مناسباتنا من أفراح وأتراح، لكن هذا الفن على ولعنا به وارتباطه الشديد بطقوس مناسباتنا مايزال الكثير منا يفتقد إلى الخلفية الثقافية لتاريخه وخصوصيته اليمنية في ظل غياب التوثيق وتضاؤل الاهتمام بدارسته ما يجعل من هذا الاحتفاء يسهم في تسليط الضوء على فن عريق من فنون التراث الشعبي اليمني (فن الإنشاد) وعلى أدب فريد ومتميز من آداب التراث في هذا البلد (الموشح أوالشعر الحميني)اللذين بالتقائهما على لسان(المنشد) قد جسدا عبر التاريخ إضافة طربية إلى بنك الإيقاعات اليمنية، هذه الإيقاعات التي ما تزال تشكل روح الخصوصية التي تتجلى في فنون اليمن دون سواها من فنون البلدان الأخرى وهو ما نلحظه عند دراسة (الأغنية اليمنية) أو(الرقص الشعبي اليمني) ويتجلى كذلك في (فن الإنشاد) وغير ذلك ك (الأهازيج و الزوامل) والقائمة تطول.
* ماهو الموشح؟
كما عرفه اميل ناصف في كتابه " اروع ما قيل من الموشحات" الموشح "لون من ألوان النظم شاع في كثير من البلدان و اشتهر في الاندلس في القرن التاسع الميلادي/الثالث الهجري وله قواعده الخاصة في الاوزان والقوافي مع خروج احيانا على اوزان الشعر العربي واتخاذ شكل خارجي مختلف عما نعهده في القصيدة العربية التقليدية." أما شاعر اليمن الكبير الدكتور عبد العزيز المقالح فيعرفه بانه قصيدة متعددة القوافي والاوزان.
وللموشح صيغ واشكال مختلفة اشهرهاأن ينظم الشاعر بيتين يتفق اخر صدريهما على قافية كما يتفق اخر عجزيهما على قافية اخرى ثم ينظم ثلاثة ابيات اخرى يتفق اخر صدرها على قافية و اخر الاعجاز على قافية سواها ثم ينظم بيتين يتفقان في تقفية الصدرين والعجزين مع البيتين الاولين ثم ينظم خمسة ابيات اخرى .
ولم يعرف اصل الموشح ونشأته بالتحديد ومن اول من نظمه فقال البعض انه نشأ في المشرق بادئ الامر وكثيرون رجحوا بانه اندلسي النشأة والانتشار ومهما يكن فان الموشح لم يشتهر كثيرا الا في الاندلس حيث
شاع في القرن التاسع الميلادي وازدهر طوال خمسة قرون حتى شاع في المشرق شيوعه في المغرب حسب علي محسن الاكوع في كتاب "روائع شعر النشيد الصنعاني" .
ويرى عبدالله خادم العُمري ان اول ظهور للموشح كان في الاندلس احتضنه المغرب ثم العراق وبعض الاقطار العربية وكان ظهوره عند فتح الاندلس وخاصة بين القرنين 2-3 من الهجرة النبوية في عهد الدولة الاموية وبرز فيه كثيرون من الاندلس والمغرب وغيرها وابرز من اشتهر ونظر فيه في المغرب ابن سناء الملك توفى 608 ه وفي العراق اشهر من برز ونظر في الموشح صفي الدين الحلي المتوفي بعد منتصف القرن السابع الهجري.
وماذا عن الموشح في اليمن، يقول صاحب ديوان "ترجيع الاطيار" "ان من التوشيح مالا يكون معرباً وهو من اختراع ادباء اليمن قال صاحب سلافة العصر "ولأهل اليمن نظم يسمونه الموشح غير موشح اهل المغرب والفرق بينهما ان موشح اهل المغرب يراعي فيه الاعراب بخلاف موشح اهل اليمن فانه لايراعي فيه الاعراب بل اللحن فيه اعذب وحكمه في ذلك حكم الزجل" .
أما تاريخ الموشح في اليمن فقد ذكر محمد عبده غانم في كتابه فقال "أماالزمن الذي ظهرت في هذه الاغاني فيمكن الاستدلال عليه من زمن أقدم قصيدة نظمت من القصائد التي اشتهرت في الغناء الصنعاني وهي القصيدة المنسوبة الى ابن سناء الملك اما اذا شككنا في صحة نسبة هذه القصيدة الى ابن سناء الملك فمن زمن القصيدة التي نظمها كمال الدين ابن النبيه المتوفي سنة 619ه 1195 ولانستطيع ان نكون اكثر ايجابية في حكمنا حتى نصل الى ايام محمد بن عبدالله بن شرف الدين حيث نجد ان قصيدة من قصائده قد غنيت في صنعاء على افتراض انها اصبحت بذلك جزء من التراث الغناء الصنعاني كما نعرفه اليوم ولما كان ابن شرف الدين قد جاء بعد ابن فليته والمزاح ولما كان من الواضح انه قلد اسلوبهما في النظم فاننا نستطيع ان نستتنج ان هذا التراث قد يعود في نشأته الى اواسط او أواخر العصر الرسولي أي ان تراث الغناء الصنعاني بهذا التقدير المحافظ يمتد الى خمسة قرون "وهو ما عارضة الأديب احمد الشامي في كتابه "من الادب اليمني" حيث اعتبر تراث الغناء الصنعاني يعود الى ما هو اقدم من ذلك بكثير.. وهنا لابد من الاشارة الى ان تسمية الموشح الغنائي اليمني اشتهر لاحقا باسم الاغنية الصنعانية.
* الموشح اليمني
ارتبط الموشح اليمني بالغناء وسمي بالغناء الصنعاني وارتبط بالنشيد وسمي النشيد الصنعاني ولكل منهما خصوصياته وهي خصوصيات ترتكز على خصوصية الموشح اليمني الذي يرتبط في موسيقاه والحانه المكونه لجمله اللحنية على موازين ايقاعية لرقصات شعبية ومقامات موسيقية بنفحة محلية تنفرد بها اليمن دون غيرها جعلت منها الحانا مميزة راقية المستوى واضفت عليها نكهة يمنية خاصة حسب الكاتب عبدالقادر قائد في كتابه "من الغناء اليمني " وهنا تتجلى بعض من خصوصية هذا الفن .
ويوضح عبدالله خادم العُمري صاحب كتاب "الموشح – الشعر الحميني والانشاد" ان "الموشح تراث عربي حي والخصوصية اليمنية هي في الشعر الحميني والانشاد فعندما يكون الموشح شعراً يسمى في اليمن حميني وعندما يكون الموشح غناء يسمى في اليمن انشاد و قد يقال توشيح وفي تهامة يقال شلة". ويعرف العُمري الموشح لغة بقوله"هو اسم مفعول من وشح بمعنى طرز وزين واصطلاحاًهو قصيدة عربية طرأ عليها بعض التغيير في الشكل بحيث صارت مكونة من عدة مقاطع فحل المقطع محل البيت مع الاحتفاظ بخصائص القصيدة العمودية والمقطع يتكون من بيت (دور) وتوشيح وتقميع أو تقفيل وقد يستغنى ايضا عن التقميع والتقفيل فيبقى البيت والتوشيح وقد يستغنى أيضاً عن التوشيح فيبقى الييت فقط فيقال حميني مبيت ".
وتمتاز التوشيحات -حسب العُمري- باستخدام بحور جديدة بالتوليد عن طريق التداخل في بحور خليلية أو تفاعيل حليلية مع استخدام مشتقات البحور ومهملاتها ومقلوباتها.
*اذاً ما الفرق بين الموشح والحميني ؟
يجيب العُمري قائلا "ليس هناك فرق في المضمون العام وانما هو فرق في المفهوم الخاص فالموشح هي تسميته الأولى عند ظهوره في الاندلس واحتضانه في المغرب ومن ثم في بعض الاقطار العربية وميزته انه معرب ما عدا(الخرجة) وهي اخر خرجة في التقفيل تكون بالعامية وخاصة الدارج من التداخل بين العربية والاسبانية حينها بينما الحميني هو تسمية يمنية محضة. ولقد اجتهد الباحثون اليمنيون وغيرهم في تعريف كلمة (حميني) واشتقوها من مصادر متعددة ولم يجزموا برأي معين ولكن الباحث عبد الجبار باجل - والحديث ما يزال للعمري - اكتشف ان كلمة حميني نسبة الى حمينية في (حيس) و اثبت من خلال نصوص كثيرة أوردها في بحثه وهي من حيمنيات ابي بكر الحكاك الجوزي من ديوانه المخطوط واعتبر الحكاك الجوزي وهو أول من اشتهر بالحميني.
* تاريخ ظهور الموشح اليمني (الحميني)
يقول العُمري " كان اول ظهور للموشح الحميني في اليمن في عهد الدولة الايوبية في القرن السادس الهجري ومابعده وكان ظهوره في منطقة زبيد حيث كانت مدينة زبيد عاصمة للدولة الايويبة وبرز في حمينية بمنطقة حيس جنوب زبيد مما حدا بالباحث عبد الجبار باجل ان يرجع تسميه الحميني الى حمينية الى القول بان اول من عرفنا له نصاً شعرياً هو العلامة الحنفي ابوبكر بن عيسى بن حنكاش في بداية القرن السابع الهجري حيث اشتهر في الفترة 625 ه حتى وفاته 664ه .
ويضيف عبدالله خادم العُمري " ثم جاء بعده و ربما عاصره ابوبكر الحكاك الجوزي صاحب النصوص الكثيرة في هذا الفن و الذي اصله من منطقة حيمنية وفي عهد الدولة الرسولية في القرن الثامن الهجري عهد الحضارة العلمية والادبية وازدهارها بزبيد ، كان ظهور "احمد بن فليته " الذي عده كثير اول من برز في الحميني لعدم توفر نصوص لغيره كابن حنكاش و الحكاك الجوزي وقد اشتهر ابن فليته في الفترة 727-764 ه في عهد ممدوحه الملك الرسولي المجاهد علي بن المؤيد داود وتوفى بعدها".
* مراحل تطور الموشح
وفي بداية القرن التاسع الهجري وفي عهد الدولة الرسولية عصر ازدهار الحضارة العلمية والادبية في زبيد كان ظهور الشاعر الحميني ابوبكر المزاح حيث جعله الباحثون في هذا الفن الثاني بعد ابن فليته ممن برزوا في شعر الحميني وقد عاش في الفترة 831- 842 في عهد ممدوحه الملك الرسولي يحي بن الاشرف اسماعيل وتوفى بعدها.
وفي عهد الدولة الطاهرية من وسط القرن التاسع حتى القرن العاشر الهجري، يقول عبدالله خادم العمري "برز من زبيد العلامة عبدالرحمن بن ابراهيم العلوي في الفترة 864 -939ه في عهد ممدوحه اخر ملوك الدولة الطاهرية عامر بن عبدالوهاب كما اشتهر في الفترة 965- 980 ه في عهد ممدوحه الامام شرف الدين يحي وابنه المطهر توفى 980ه وتوفى قبله.
والملاحظ ان الشعراء الذين برزوا في الحميني في بدايته-حسب العمري - لم يكن بهم احد من اي منطقة يمنية سوى من ذكرناهم وكلهم اما من مدينة زبيد أومن جنوبها كما هو الحال بالنسبة للحكاك صاحب حمينية التي نسب اليها تسمية الحميني.
* الحركة الصوفية وانتشار الموشح
ويؤكد العمري "يعود الفضل في انتشار الحميني الى ازدهار الحركة الصوفية بزبيد في القرن السابع والثامن من الهجرة النبوية لاعتماده في السماع الصوفي وخاصة في عهد الصوفي الكبير اسماعيل بن ابراهيم الجبرتي توفى 806 ه والذي خرج بالشعر الحميني والانشاد الصوفي من الممساجد والزوايا الى عامة الناس في زبيد وغيرها من خلال المناسبات المختلفة كقراءة المواليد النبوية والاذكار والمدائح النبيوية وغيرها.
ويتابع "ثم برز في عدن في عهد الدولة الطاهريةايضاً الولي المشهور ابو بكر العيدروس توفي 914 ه والذي كان صديقاً لاخر ملوك الدولة الطاهرية عامر بن عبدالوهاب الطاهري ت 923 ه وبرز في تعز في عهد الدولة الطاهرية ايضاً ونفس الفترة سلطان العاشقين الصوفي الكبير محمد بن علي السودي ت 932 ه والمشهور عبدالهادي السودي ، ويأتي في القرن العاشر الهجري في الزاوية المطمورة عملاق الحميني الصوفي الكبير الولي المشهور حاتم بن احمد الاهدل توفي 1013ه وفي نفس الفترة من القرن العاشر الهجري حتى بداية القرن الحادي عشر الهجري برز في صنعاء الشاعر الكبير في الحميني ابن شرف الدين محمد بن عبدالله ت 1016 ه الذي يعود الفضل اليه في انتشار الحميني في عموم اليمن وخاصة في المناطق الشرقية من اليمن .
ولم يشتهر في القرن الحادي عشر الهجري في تهامة سوى الفقية ابي بكر مهير توفي 1029ه ولاسباب يعددها عبدالله خادم العمري في الاتي: انتقال عاصمة الدولة من زبيد الى صنعاء وقربه من السلطة وتسليط الاضواء عليه دون غيره من المناطق الشرقية اكثر من غيره في المناطق التهامية للسبب نفسه .
إمام المنشدين جابر احمد رزق ولم يشتهر في القرن الثاني عشر الهجري سوى العلامة الولي ابو بكر بن الهادي القديم ت 1208 ورغم ورود نص له في مخطوط "نشر الثناء الحسن" للوشلي الا ان الباحثين لم يشيروا اليه كاحد البازين في شعر الحميني اما القرن الثالث عشر الهجري فقد كان لزبيد وتهامة نصيب الاسد من المبرزين في هذا المجال حتى منتصف القرن الرابع عشر الهجري وابرزهم على مستوى الساحة بزبيد هو الشاعر الكبير احمد بن حسن المفتي صاحب ديوان "صنعاء حوت كل فن"ففي وسط القرن الثالث عشر حتى منتصف القرن الرابع عشر -حسب العمري-ظهر كثير من المبرزين من مختلف البيوت العلمية في تهامة وظهرت اسر كثيرة في اداء وشعر (الشلة) وكانوا يدعون الى المناسبات المختلفة في مختلف المناطق اليمنية وخاصة تهامة ولايستقيم أي عرس الا بحضورهم وأهم هذه الاسر بنو حبيب في زبيد وبنو صايم الدهر في الحديدة والزيدية وبنو الدوم في الحديدة وبنو الصافي في بيت الفقية وبنو العياني في بيت الفقيه وغيرهم كلهم جاءوا بعد ظهور امام الوشاحين والمنشدين في اليمن صاحب مئات الالحان في الشلة الشاعر الكبير والفنان المشهور جابر احمد رزق ت 1322 ه وهو اول من اسس فرقة للشلة بالحديدة في الربع الاول من القرن الرابع عشر الهجري وقد كان المنافس له الفقية عبدالرحمن ناصر شيخ 323ه
* الموشح وعلاقته بالسماع
زاد من سعة انتشار الحميني ازدهار الحركة العلمية والادبية بزبيد ويقول عبدالله خادم العمري "لم ينحصر السماع على الزوايا الصوفية وقراءة المواليد في المساجد بل خرج به الصوفي الكبير اسماعيل بن ابراهيم الجبرتي الى عامة الناس في مختلف الاماكن لذا نجد في القرن العاشر انتشر الانشاد في معظم مناطق اليمن حيث لم يقتصر على الشعر الحميني فحسب بل تزامن الموشح الحميني مع الانشاد الحميني.
كماأن الصوفيين في السمَّاع وغيرهم من المنشدين استخدموا الات موسيقية مع الغناء مثل الطار والدف والطبول وغيرها ولم يبق ذلك الازدهار مقتصراعلى الشعر الحميني المغنى والسماع والغناء بمصاحبة الالات الموسيقية كالطار والدفوف والشبابة والمزامير وغيرها فحسب بل كانت الاغنية اليمنية التراثية تاخذ حيزا من هذا الوجود في عهد الدولة الرسولية.
لقد اشتهرت زبيد في عصر الدولة الرسولية - حسب العمري - بصناعة الات الطرب المختلفة وعلى رأسها الأعواد بجميع أشكالها وراجت تجارتها في اليمن و خارج اليمن مما جعل الدولة الرسولية تقوم بوضع المواصفات للأعواد وتحدد اسعارها وفقا لنوعها وجودتها وما الى ذلك من المواصفات لكل شكل ونوع وهذا يدل ان الاغنية اليمنية التراثية ومنها الاغنية الصنعانية قد ظهرت بمصاحبة الموسيقى (العود والايقاع) كخصوصية يمنية.
* زبدة القول
بقى أن نختتم هذه القراءة العابرة في خصوصية الموشح والنشيد في اليمن بالقاء نظرة بعين الفؤاد على اوزان الموشح وصيغه وفي هذا يوجد للموشح اوزان كثيرة وتعتمد على ذوق الشاعر وقدرته على احداث تداخل بين بحور او تفاعيل خليلية اما اشكال الموشح هي في عدة صيغ، الاولى كل مقطع يتكون بيت (دور) وتوشيح وتقميع او تقفيل، والثانية كل مقطع يتكون من بيت وتوشيح فقط، والثالثة كل مقطع من بيت وتوشيح فقط، وفي الصيغة الرابعة كل مقطع يتكون من بيت فقط وتسمى حميني مبيت وفي هذه الصيغ نورد امثلة من اروع ما قيل في الموشح اليمني والتي ما يزال ينشدها المنشدون الى اليوم يقول احمد بن حسين المفتي في (يقرب الله لي في العافية والسلامة )
يقرب الله لي بالعافية والسلامة / وصل الحبيب الأغن
ذاك الحبيب الذي حاز الحلا و الوسامة / وكل معنى حسن
ونسأل الله تعالى عودنا من تهامة / لا سفح صنعا اليمن
لأن صنعا سقاها الله فيض الغمامة/ منزل حوى كل فن
(توشيح)
مامثل صنعاء اليمن / كلا ولا اهلها
صنعا حوت كل فن/ ياسعد من حلها
تطفي جميع الشجن /ثلاث في سفحها
(تقفيل)
الما وخضره رباها الفايقة بالوسامة / وكل وجه حسن
كم يضحك الزهر فيها من دموع الغمامة / فيا سقاها وطن
ويقول القاضي عبد الرحمن الانسي في (ياحي ياقيوم)
ياحي ياقيوم / ياعالم بما تخفي الصدور
يارازق المحروم / يامن بحر جوده لايغور
ياناصر المظلوم / يا ذا الانتقام ممن يجور
يامنقذ المحتوم / في الساخط وفي الراضي الصبور
أما محمد بن شرف الدين فيقول في(صادت فؤادي)
صادت فؤادي بالعيون الملاح/ وبالخدود الزاهرات الصباح
نعسانة الاجفان هيفا رداح / في ثغرها السلسال بين الاقاح
( بيت)
فويتنة في خدها وردها سويحرة هاروت من جندها
في مزحها لاقت وفي جدها افدي بروحي جدها والمزاح
(بيت)
جنانية مثل القمر حورية / تزري بحور العين فردوسية
بحسنها لي ملهية مسلية إن همت فيها ماعليا جناح
(بيت)
غزال تلحظني باجفان ريم/ رقت معانيها كمثل النسيم
لها كلام يطرب ونغمه رخيم/ تهزني مثل اهتزاز الرماح
(بيت)
في صدرها الفضي تفاحتين/ وجيدها السامي ككاس اللجين
والسحر تنفث به من المقلتين / وفي لماها البرق لألأ ولاح


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.