في هذا الزمان الكالح، حيث تندثر المعاني بين كذب الأنظمة وخنوع الشعوب المتفرجة، يقف قلب المؤمن مشتعلاً بنار الألم، لكنه موصولٌ بيقينٍ لا يبرد. تحت سماءٍ قاتمة برائحة الدم، وأرضٍ أنهكها الحصار، تُحاصر غزة ليس فقط بقذائف العدو، بل بصمت الجار، وخذلان القريب، وتواطؤ الراكعين لأصنامهم البشرية. لكنّنا _ والله _ نرى ما وراء الدم، ونسمع ما فوق أزيز الطائرات، ونوقن أن لهذا الكون ربًّا لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. هو الذي له الأمر من قبل ومن بعد، وهو الذي وعد عباده المستضعفين، حيث قال تعالى: { وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى 0لَّذِينَ 0سْتُضْعِفُواْ فِى 0لْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ 0لْوَٰرِثِينَ} صدق الله العظيم . في ظل هذا الوضع المأساوي يعلن العدو الصهيوني _كذبا_إدخال شاحنات المساعدات إلى غزة وتأتي الطائرات لتُسقِط "بعض المعلبات". رزمٌ من الطعام تُرمى من علياء الموت، وكأنها تُكفّن المجاعة، لا تُسعفها. علبٌ تُلقى على مخيماتٍ ناحلة، وجراحٍ مفتوحة، وأطفالٍ يشربون الماء من الطين، فيها من الإهانة وإهدار الكرامة والاستهتار بالشعب الفلسطيني ما فيها. ثم تخرج الأبواق المأجورة، من دول الطوق، من عواصم الخنوع، تهلل وتبشّر: "انتهت الأزمة!" "العدو سمح بالمساعدات!" "غزة في خير!" كذبًا وزورًا وتزييفًا لجرحٍ لم يندمل، ومذبحةٍ لم تتوقّف، ومجاعةٍ تزداد عمقًا في أحشاء البسطاء. لكنّا _بحمد الله _لم نكن من أولئك الذين قعدوا على الأرائك، واكتفوا بالدعاء الخافت والقلق المُرتبك. لم نكن ممن مرّت عليهم المجازر كخبرٍ عابر، أو كسطرٍ في صحيفة صفراء. منذ اليوم الأول للعدوان، رفعنا الصوت، وسلكنا درب النصرة، تحرّكنا في كل ميدانٍ أتيح، بالصواريخ والمسيّرات، والمسيرات المليونية والوقفات الاحتجاجية بعد كل جمعة وفي كل مدينة وقرية. ووقفنا بالكلمة، بالصرخة، بالمقاطعة، بجمع تبرّعات، بفضح المتواطئين، فَضْلٌ من الله لا فَضلٌ لأنفسنا. لقد منّ الله علينا بهذا الاصطفاء والاختيار دون باقي شعوب العالم؛ أن لا نكون شهود زور، ولا مجرّد متفرّجين. والله يعلم، كم تساوي كلمةٌ صادقةٌ تُكتب في زمن الخرس، وكم يزن موقفٌ جريءٌ في ميزان الحقّ حين تهوي الأمم في بئر الصمت. وإنّا لنشكر الله، لا لأن البلاء هان، بل لأننا لم نُبتلَ بالصمت والتفرجة، ولا أصابنا العمى عن الموقف العملي الذي يجعلنا نلقى الله بما يبيض وجوهنا يوم العرض عليه. نشكره أن قيض لنا قيادةً مؤمنة وأبقى لنا قلوباً مفعمة بالإيمان، وسلك بنا السبيل إليه في نصرة عباده، نشكره أن جعل لنا ميدانًا نقف فيه، ورمحًا نرفعه في وجه الطغيان. نشكره أن لم يُذهب إيماننا مع طوفان الإعلام، ولم يُجمّد ضمائرنا مع صقيع العجز. أما العدوّ، فإنه يُسقِط القمح، لا حبًا، بل خوفًا. يرتجف من صيحة أحرار العالم، ومن صدى الانتفاضات الشعبية التي توشك أن تُحرّك الحجر في عواصم الخنوع. يرتجف من الصور التي عرّت وجهه أمام العالم، فيريد أن يُرمّم ما لا يُرمَّم، ويجمّل ما لا يُجمَّل. لكنّا نعرفه، ونعرف خُدَعه. ونعرف من أعانه، ومن زيّن له مذبحة الحصار. ونعرف أن العدوّ لا يُملي إرادته على من آمن بالله، ولا يُرهب من جعل موقفه لله وحده. غزة لم تُنقَذ بعد.. ما زالت في مجاعة قاتلة.. وما يُلقى من السماء ليس خلاصًا، بل قيدٌ جديد. غزة تريد كسر الحصار لا تجميل القفص. غزة تريد أن تُفتح لها المعابر لدخول مئات الشاحنات يوميا لا أن يُقذَف لها السُكّر من الجوّ. غزة تريد الحياة، الكاملة، الكريمة، الحرة، التي كتبها الله للمؤمنين. وسينتصر الحقّ، ولو طال الباطل. وسيبقى المؤمن، سيفًا مشهرًا في وجه الزيف، وسيبقى الشكر موصولًا لله أن جعلنا من أهل النصرة، وسيبقى وعد الله هو النور الذي لا يُطفئه الليل، ولا تُخفيه غمامة الأعداء. وما النصر إلا من عند الله. وسينتصر الحق، لا لكثرة عديده وعتاده، بل لأننا نؤمن أن الله لا يُسلم عباده للمجرمين.