محمد الخيواني .. لم تعد الجدران في المدن اليمنية مجرد فواصل إسمنتية صامتة أو حواجز مادية تفصل بين رصيف وآخر، بل تحوّلت في ظل أطول عدوان وحصار يشهده التاريخ المعاصر إلى "صحيفة الشعب"، و"متحف مفتوح" وذاكرة بصرية حيّة تختزل مظلومية شعب وصمود أمة، لتغدو الريشة سلاحاً فاعلاً في معركة الوعي والهوية. في شوارع صنعاء، حيث لم يهدأ ضجيج الطائرات ولم يتوقف أزيز الصواريخ طوال عقد من الزمن، ولدت ثورة من نوع آخر؛ ثورة ألوان لم تنكسر، وريشة رفضت إخلاء الساحة لغراب الحرب. في هذا التحقيق نستعرض كيف تحوّل الفن في اليمن من قاعات العرض المغلقة إلى "اشتباك يومي" في الفضاء العام، ليصبح أداة لتوثيق الذاكرة الجمعية ورسالة تحدٍ عالمية بأن الحياة في اليمن أقوى من الموت. كسر التعتيم باللون في قلب هذا التحول الاستراتيجي، يبرز فن الرسم على الجدران أو الغرافيتي ك "بديل وطني وقوي لمواجهة التضليل الإعلام"، وفق محمد الوشلي، مسؤول إعلام الشوارع، الذي يرى أن تحويل الجدران إلى "متحف مفتوح" ليس مجرد تجميل للمدن، بل هو تحول ثقافي وإعلامي استراتيجي بامتياز. وفي حديثه يقول الوشلي إن: "الجدارية تسمح للشارع بالتحدث بلسان صامت لكنه قوي، وهي تنقل رسائل التعبئة والانتصارات والمظلومية بطريقة بصرية مباشرة تخترق الحصار الإعلامي المفروض علينا". ويضيف أن هذا الفن يعمل ك "حائط صد" في مواجهة ما يُعرف ب "الحرب الناعمة"، حيث يعيد تثبيت الهوية الإيمانية والرموز الوطنية في الفضاء العام بعيداً عن محاولات التغريب والطمس. وعن الرؤية المستقبلية، يكشف الوشلي عن توجه جاد وأصيل لتوثيق هذه الجداريات في "موسوعة بصرية كبرى"، لتكون مرجعاً تاريخياً للأجيال القادمة، يوثق كيف استطاع اليمني تحويل "الحجر الصامت" إلى "لسان ناطق" بالثورة والحياة، وهو مشروع يهدف إلى أرشفة السردية اليمنية بالصورة والسياق لضمان عدم اندثار هذه الذاكرة بفعل العوامل الجوية أو الحرب. الفن مقاومة بين الركام وأنقاض المباني التي استهدفها القصف، يبرز اسم الفنان التشكيلي، عبد الملك الجبلي، المشهور فنياً بلقب "ذو الفقار". يروي الجبلي تحوله من رسام تقليدي في عام 2016 إلى "مقاتل باللون"، وكيف وجد نفسه مجبراً على اختيار خندقه. ويضيف بمرارة ممزوجة بالفخر: "عشت زمناً تمطر فيه السماء ناراً، زمناً يخلط بين الدم والتراب. سقطت الفرشاة من يدي في البداية تحت صدمة الحرب، لكنني عدت لأجسد تلك المعاناة على الجدران المحترقة". ويتذكر أحد المواقف التي كادت أن تودي بحياته: "بينما كنت أرسم صور الشهداء في موقع حيوي، سقطت 3 صواريخ دفعة واحدة في محيطي. كان بيني وبين الموت جدار إسمنتي لا أكثر. تكسر زجاج سيارتي وخرجت من المكان مدفوناً بالتراب حرفياً، لكنني عدت في اليوم التالي بإصرار أكبر". بالنسبة إلى الجبلي الفن في اليمن اليوم ليس ترفاً، بل هو فعل "جهادي" يهدف إلى "كشف تزييف العدو بأسلوب يحاكي المستوى المعرفي للمواطن البسيط، عبر رسومات واقعية أو كاريكاتير ساخر يختصر آلاف الكلمات". من المعارض الأنيقة إلى أزيز الطائرات ليس بعيداً منه، يقف الفنان التشكيلي فواز النجار، المعروف بلقب "أبو إلياس"، الذي بدأت علاقته بالريشة منذ نعومة أظفاره، واختياره بوعي كامل التخلي عن المعارض المغلقة والأضواء الخافتة والنخبوية، ليرسم تحت "أزيز طائرات العدوان". يقول النجار: "توجهت إلى الشارع متوكلاً على الله لكشف الوجه القبيح للعدوان الأميركي- الإسرائيلي، فكان الرسم على الجدران بمنزلة مدرسة توعوية، تحوّل المفاهيم السياسية المعقدة إلى لغة بصرية يفهمها الجميع، من النخبة حتى البسطاء". يستمد "أبو إلياس" أفكاره من الواقع الميداني الأليم، ومن الدروس الثقافية، ورغم الصعوبات القاسية، من شح الإمكانيات وانعدام المحروقات وصعوبة التنقل، كان يعمل 12 ساعة متواصلة يومياً تحت القصف. يقول: "طمأنينة الله كانت تملأ قلبي حين أتذكر رجال الله في الميدان، وهذا الثبات هو ما جعل أعمالي تصل إلى الإذاعات ووسائل الإعلام الخارجية وتؤثر في الرأي العام". الجدار صحيفة شعبية في الشارع اليمني، لا يتوقف أثر الجدارية عند حدود القيمة الفنية، بل يمتد ليصبح جزءاً من الوعي اليومي للمواطن. محمد عبد الله صلاح، مواطن يمني يمر يومياً بجانب هذه الجداريات، يصفها بأنها "منبه يومي للوعي" قائلاً إن: "هذه الرسومات تذكرنا بتضحيات الشهداء وجرائم العدو، وهي عامل تحفيزي قوي لمواصلة مشوار النضال؛ فنحن نتصفح تاريخنا المعاصر على هذه الجدران كل يوم". وبالقرب من إحدى الجداريات الضخمة، يجلس بائع الخضار علي رسام، الذي أصبح الجدار شريكه في الذاكرة. ويشرح رسام بعفوية: "كل يوم وأنا أنظر إلى الرسومات وكأنها صحيفة شعبية، أجلس بجوارها منذ 10 سنوات ولم أكمل بعد استيعاب كل ما فيها من إبداعات، وأنا أعلم أن خلف كل لون حكاية عميقة، فأحياناً ينشغل الزبائن بالحديث عن ذكريات لأشخاص يعرفونهم وجدوا صورهم مرسومة هنا، أو لأحداث تعرضنا لها".