لقد كان شاعرنا الكبير الدكتور عبدالعزيز المقالح -رحمة الله عليه- إنساناً رقيقاً بمعنى الكلمة.. وشاعراً مرهفاً.. وقلماً ناقداً لا يُجارى، ولا يُبارى.. يحمل بين جوانحه رسالة إنسانية سامية.. وقلباً محباً للجميع.. وقيماً ومبادئ قلّ نظيرها في زماننا هذا.. عشق الشعر حتى الثمالة.. فبادله الشعر عشقاً بعشق.. ووفاء بوفاء حتى أصبح الشعر جزءاً من حياته وكينونته.. لا ينام إلا على زخات همساته ونسائمه.. ومناجاة أحلامه.. فكان هاجسه في نومه وصحوه.. عندما يسطر شعراً تبكي حروفه قبل قوافه.. فتظل متدفقة جارفة صخور الزمن رغم الواقع المتردي.. وسماؤه المتلبدة بالسحب الداكنة.. المقالح عشق صنعاء أرضاً وإنساناً، منذ انبثاق ديوانه الأول: "لابد من صنعاء".. فجاء ديوانه الأول علامة فاصلة في رؤيته الشعرية والإبداعية في زمن ظل شعره مشرعاً على نهر أزمنة متجددة.. هكذا ظل المقالح شاعراً عُروبياً لا يعرف الحدود ولا السدود بين الأقطار العربية ومفكراً وناقداً مبدعاً من خلال مسيرته العلمية والأدبية والإبداعية.. لا يعرف سوى الصفاء الروحي والنقاء القلبي رغم أنّات المنافي وجمرات السنين التي عاصرها طيلة حياته.. والكل يتساءل الآن: لمن تدق الأجراس..؟! وما أكثر أصوات الأجراس في زماننا هذا.. وقد اختلط الحابل بالنابل.. ولكن بعد أن سبق السيف العذل..!! فالمقالح عُرف بتواضعه الجم.. له منشورات نقدية عديدة ومما قاله: "أنا لا أضع اسمي في لائحة النقاد الرسميين، معلناً بكل صدق وتواضع أنني أقف أمام النصوص الشعرية الجيدة إلا موقف القارئ المحب، محاولاً أن أتجنب المفهوم التقليدي للنقد والصورة الشائعة في بعض الأذهان".. هكذا كان ديدن المقالح العملاق شعراً ونقداً وأدباً وأخلاقاً.. يبدو أن المقالح – حتى في أحدث شعره لم يعد قادراً على التزام الصمت تجاه الأوضاع المأساوية التي تعيشها الأمة العربية.. بل ظل منافحاً ومكافحاً بشعره حيث جعل الكلمة تسبق صاحبها الى التعبير عن ردود أفعال هذا التردي المأساوي الذي تعيشه الأمة اليوم.. هكذا ظل المقالح كمسافر في قطار لا يعرف المدينة التي سيهبط فيها ولم يتوقف عند كتاب معين أو نوع واحد من الثقافة والرؤى، بل كان شعره هو الناطق عن هموم أمته وشعبه.. وهكذا ظل مسافراً بلا عودة.. ورحل رحيل العظماء في صمت دون ضوضاء.. نافذة شعرية: (1) باسم الملايين.. أرثيك يا شاعر القوافي الحرّى.. حاملاً بقايا جُرح قديم.. وعتمات وطن حزين.. يا وطناً مزقته المنافي.. وأنّات الأنين.. (2) وطناً يبكي فارسه المغوار.. رحل بين القوافي دون وداع.. وترك وطناً يئن حزناً وأنين.. تعلو وجوهه أعاصير فجر دامٍ.. تبكي.. ولا تدري علام تبكي..؟! (3) يا رب القوافي الحرّى.. يا شاعر الفصول الخُضر.. رحيلك أدمى قلوبنا.. أبكى زنابق الشعر والشعراء.. يا راكباً صنعاء.. تمهل.. وقف على قبره.. وترحّم.. (4) يا شاعر المنافي.. علمتنا لغة الشعر.. وفاتحة البيان.. رحيلك أبكى القوافي.. وهاج مرافئ الأحزان.. (5) رغم الرحيل.. فجرك مازال زاهياً.. وشعرك فجر يُصلى.. في عالم الأموات.. أراهُ فارساً يترجل.. يتحدّى الزمن..