المؤسف المعيب أن العرب لا يقرؤون التاريخ، وإن قرأوه اختلفوا حول وقائعه وأحداثه وتفسيراته المتباينة، وفسّروه حسب رؤاهم السياسية والمذهبية والحزبية، وهنا تكمن الكارثة. بلادُنا محتلةٌ طوال ما يزيد عن سبعة قرون، وما زالت هناك عقول تفكر بالانفصال والتمزق والشتات، في حين إنّ دول أوروبا والغرب وآسيا في خطوات متسارعة نحو الحضارة والتقدم والرقي العلمي والثقافي والفكري والاقتصادي. والمؤسف المشين أن العرب ما زالوا في صراع مع الخلافات السياسية والحزبية والمذهبية؛ هذا من آل فلان، وذاك من آل زعطان، وهذا ما أدى إلى إشعال الفتن بين الشعوب والأمم، وشكّل ثقافةً عنصرية وحالةً من الاغتراب النفسي والفكري والعقدي بين أبناء الأمة الواحدة، وفي ظل غياب العدالة الاجتماعية تسود الفوضى والغوغاء، فإياكم والتسويف، فإن الأيام تمر مرّ السحاب، وأنتم على وشك الرحيل والارتحال. هناك أنظمة عربية ما زالت تعيش عهد السلاطين والملوك الذين عاشوا حياة البذخ والترف والفساد، نسوا حياة الآخرة فأنساهم الله أنفسهم، أولئك هم الفاسقون. فكم من مستقبلٍ يوماً لا يستكمله، ومنتظرٍ غداً لا يبلغه، وكم من امرئ بين أهله آمناً مطمئناً يأتيه الموت بغتةً، والموت أقرب إليه من شراك نعله. هناك أنظمة عربية ليس لديها مشروع حضاري أو ثقافي أو تنموي، وهذا ما أدى إلى تراجع الدور العربي والقومي وإلى حياة التخلف والتمزق والضياع. لذا عندما نستقرئ التاريخ نجد أنّ الأوروبيين حينما قدموا إلى بلادنا مع نهايات القرن الثامن عشر الميلادي، اتضح للعرب أن زمناً طويلاً مضى على غفلتهم وغفوتهم، حيث عاشوا في ظل «الخلافة الإسلامية» الوهمية، والإسلام المتمذهب. لا غرابة أن يكون المأساوي موضوع الأنظمة العربية العميلة التي باعت شرفها وكرامتها وعزتها من أجل السلطة والنفوذ. فمأساة الفلسطينيين في غزة وصمة عار، وتظل لقرونٍ مديدةٍ جاثمةً على صدور الذين خانوا العهد وغدروا بالعهود. شعبٌ مستضعف تحرقه قنابل العدو وقذائفه الصاروخية جواً وبراً وبحراً، وهو صابر محتسب، والأمر المحزن الحزين في ظل صمتٍ عربي وإسلامي ودولي وأممي. يبدو أن المأساوي يعيش حالة اغتراب غير قابلة للتعريف، يُعالج عبر القصص والروايات، بينما المأساوي الفلسطيني منذ عقودٍ طوال عصيٌّ على التعريف والمفهوم المعجمي إلى حدود الحزن والبكاء والألم. ▪ صفوة القول: ما زالت معظم الشعوب العربية تعيش مرحلة الاحتقان، والتناقضات الاجتماعية والثقافية والسياسية المتراكمة. وصدق دكتورنا وأديبنا الراحل عبدالعزيز المقالح حينما قال: «إنّ تخلف الثقافة وما يعانيه المثقفون من نقص في ثقافتهم هو وراء ما تكابده الأمة العربية من انكسارات، ومن تخبط في المنطلقات المؤدية إلى التحرر والتطور والمشاركة في بناء حضارة اليوم بأبعادها المادية والمعنوية...». وهذا عين الحقيقة التي افتقدتها كثير من الأمم والشعوب العربية، في ظل الأوضاع الراهنة والسياسات التسلطية القمعية. ▪ نافذة شعرية: أهكذا نموت بهذه الأرض الخراب.. ويجف قنديل الطفولة في التراب.. أهكذا شمس النهار.. تخبو وليس بموقد الفقراء نار.. مدن بلا فجر تنام.. وعصافير جوعى.. وريح تئن في قلب الظلام.. مدن بلا فجر.. بلا ربيع.. فلمن تغني..؟ والمقاهي أوصدت أبوابها.. ولمن تصلّى..؟ أيها القلب الصديع.. والليل مات.. ونحن من منفى إلى منفى.. فقراء بلا مأوى.. والأرض رغم حقدكم تدور.. أهذا الفقر من جود أياديك..؟! أهذا الحجر الصامت من قبري..؟! أهذا الزمن المصلوب من عمري..؟! أهذا أنت يا فقري..؟! بتصرف: