قراءة في جدلية الثروة، النفوذ، وقانون الجزاء التاريخي..لطالما ساد انطباع بأن "البيت الخليجي" واحة معزولة عن جحيم الحرائق التي تلتهم العواصم العربية. فبينما كانت بغداد ودمشق وصنعاء وليبيا تغرق في الرماد، كان الخليج يمارس دور "المهندس" خلف الستار؛ يارةً عبر ضخ الأموال، وتارةً عبر توجيه السلاح، وأحياناً عبر صياغة المبادرات التي تمنح الفوضى صبغة "الشرعية". اليوم، ومع تآكل الإجماع الخليجي وبروز صراعات الأجنحة والنفوذ، يطل السؤال الوجودي: هل "المال السياسي" درع أبدي؟ أم أن الكأس التي سُقيت منها شعوب المنطقة بدأت تُدار نحو من ملأها؟ أولاً: ركائز الصمود.. قوة الثروة لا عدالة المنهج إن صمود المنظومة الخليجية لعقود لم يكن نتاج عقد اجتماعي عميق أو عدالة مؤسسية، بل قام على ثلاث ركائز مادية: * دبلوماسية "الشيكات": القدرة على شراء الاستقرار الداخلي وإطفاء الحرائق الخارجية بالسيولة النقدية. * الاحتماء بالمظلة الدولية: تحويل الجغرافيا الخليجية إلى منطقة مصالح حيوية للقوى الكبرى، مما جعل استقرارها "خطاً أحمر" دولياً، بينما كانت سيادة الدول الأخرى "وجهة نظر". * غياب الحراك الشعبي: بفضل بنية الدولة الريعية التي حولت المواطن إلى مستهلك، مما عطل أدوات التغيير السياسي التقليدية. ثانياً: الحصاد المر.. حين تتحول الشقيقة إلى "ملف" في اليمن وفي غيرها من الساحات، لم يكتفِ الخليج بالوساطة، بل تورط في "هندسة الخراب": * في اليمن: تحولت الحرب من استعادة دولة إلى استنزاف كيان، وتُرك الشعب بين مطرقة الجوع وسندان التفتيت، تحت لافتات براقة لم تُطعم جائعاً ولم تؤمن خائفاً. * في سوريا وليبيا والسودان: كان الدعم الخليجي غالباً ما يصب في مصلحة الفصائل لا الدولة، وفي إطالة أمد الصراع لا حسمه، مما حول هذه الأوطان إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية. ثالثاً: قانون الارتداد.. هل اقتربت "ساعة الكأس"؟ يخطئ من يظن أن الخليج سيسقط بنفس سيناريو "الجمهوريات"؛ فلا جيوش عقائدية تنقلب، ولا فقر مدقعاً يولد ثورة خبز. لكن الارتداد الخليجي يأتي من الداخل (من القمة): * تآكل الثقة البينية: الخلافات لم تعد عابرة، بل أصبحت صراعاً على زعامة المنطقة وتصادماً في المشاريع الاقتصادية والسياسية. * تراكم الأزمات المؤجلة: الانفجار في الأنظمة المركزية لا يبدأ من الشارع، بل من تصدع جدران القصر حين تختلف الرؤى وتتقاطع المصالح. * عبء التدخلات: إن النار التي أُشعلت في صنعاء ودمشق خلفت رماداً سياسياً وأمنياً بدأ يتطاير نحو العواصم التي ظنت أنها بعيدة عن المدى. رابعاً: بين الصمود والانهيار.. الخطر الكامن لا يزال الخليج يمتلك أوراق القوة (المال، التماسك الهيكلي، الدعم الخارجي)، لكن مكمن الخطر الحقيقي هو "الغرور السياسي" والاعتقاد بأن التاريخ يمكن شراؤه. إن الاستمرار في تصدير الأزمات للجوار، والتعامل مع قضايا الأمة بمنطق "الأجندات" لا بمنطق "المصير المشترك"، سيجعل من البيت الخليجي عرضة للتهدم من الداخل. خاتمة إن التاريخ لا يغفر، والسياسة ليست مجرد أرقام في الحسابات البنكية. البيت الخليجي اليوم يقف أمام اختبار الحقيقة: فإما مراجعة شاملة تُعيد لليمن استقراره وللمنطقة توازنها بعيداً عن الأجندات المشبوهة، وإما انتظار لحظة "الارتداد" التي قد لا تكون دموية بالضرورة، لكنها ستكون مكلفة ومزلزلة لهيكل الاستقرار الزائف. من زرع الريح في عواصم الجوار، لن يحصد في بيته سوى العاصفة.. فهل حان وقت التوبة السياسية، أم أن الكأس باتت قريبة من الشفاه؟