بينما كان الفنان الراحل "بدوي زبير" يشدو بصوته الشجي كلمات المحضار الخالدة، لم يكن يدرك أن تلك الألحان ستتحول عقوداً بعد ذلك إلى مرثية سياسية لواقع نعيشه بكل تفاصيله المؤلمة. إن استعادة التراث اليوم ليست مجرد نزهة طربية، بل هي استحضار لشهادة تاريخية على مؤامرة قديمة متجددة تستهدف تمزيق الجسد اليمني. نبوءة "المحضار" وحرائق اليوم قبل أكثر من ستين عاماً، وبحس الشاعر الذي يرى ما لا يراه السياسي، أطلق المحضار صرخته التحذيرية: "يا حضرموت الفتن والفوضوية.. ما بينهم خايف تروحي ضحية" هذه "الفوضوية" التي خشيها المحضار لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت وما زالت "صناعة" تتقنها القوى المتربصة باليمن. واليوم، نرى حضرموتواليمن الكبير يقفان في مهب تلك الفتن التي تُغذى بمال وأجندات الجارة السعودية، التي تصر على تحويل التنوع اليمني إلى صراع، والوحدة إلى تشرذم، في محاولة بائسة لتحويل الجغرافيا اليمنية إلى ساحة خلفية لمصالحها. السعودية.. ازدواجية الخطاب وسموم الممارسة تطل علينا الرياض عبر منابرها الدبلوماسية بخطاب ناعم يزعم الحرص على "وحدة واستقرار اليمن"، لكنها في واقع الأمر تمارس سياسة "التقية السياسية" بامتياز. فبينما تدعي في العلن الحفاظ على الكيان اليمني الواحد، تثبت الممارسات على الأرض عكس ذلك تماماً؛ حيث تعمل بكل ثقلها على تمويل ورعاية مشاريع التشظي، وتغذية النزعات الانفصالية والمناطقية التي تنهش في عضد اليمن. إن هذا التناقض الصارخ بين "القول الوحدوي" و*"الفعل التفكيكي"* يكشف أن السياسة السعودية تجاه اليمن ليست مجرد تدخّل طارئ، بل هي استراتيجية عداء وجودي تهدف إلى إبقاء اليمن غارقاً في دوامة الضعف. فاليمن القوي والموحد يمثل كابوساً تاريخياً لحكام بني سعود، لذا يسعون ل "تفكيك المفتت وتجزئة المجزأ" تحت غطاء من الشعارات الزائفة. الأجندة الصهيونية واليد السعودية في كتابنا "الشرق الأوسط الجديد بأجندة صهيونية"، أوضحنا كيف تتقاطع المصالح الإقليمية مع المشاريع الدولية لإعادة رسم الخارطة. وما يحدث في اليمن اليوم هو حلقة من تلك السلسلة؛ فالتفكيك الذي تقوده السعودية في اليمن يخدم بالضرورة المشروع الأكبر الذي يهدف إلى تفتيت القوى العربية الحية. إن اليد التي تعبث في "حضرموت" والجنوب والشمال، هي ذاتها اليد التي تسعى لتمكين الأجندات الأجنبية في ممراتنا المائية وجزرنا الاستراتيجية. الخاتمة: واجب الرسالة الوطنية إن الليلة تشبه البارحة في أدواتها، لكنها تختلف في وعينا. إن مسؤوليتنا الوطنية والفكرية تحتم علينا كشف هذه الأطماع وتعرية الزيف الذي يغلف خطاب "الأشقاء الأعداء". فاليمن ليس مجرد جغرافيا، بل هو تاريخ وسيادة، ولن يكون ضحية لتلك الفوضى الممنهجة مهما بلغت ضغوط "العدو اللدود". ستبقى حضرموت يمنية، وسيبقى اليمن عصياً على التفكيك، وما ألحان بدوي زبير إلا جرس إنذار يذكرنا بأن الفتنة نائمة، فلعن الله من أيقظها ومن يغذيها بالمال والوعود الكاذبة.