الثورة الحقيقية هي إعادة بناء الدولة على أسس مؤسسية على كافة المستويات، ونقلة نوعية كبرى متعددة الأبعاد على المستوى النوعي والكمي والكيفي. إنَّ الثورة في جوهرها ومضمونها تختلف اختلافًا جذريًا عن الانقلابات العسكرية والحركات السياسية أو الحزبية أو المناطقية، لأنها في معظمها تدور في فلك تغيير قيادات ورموز السلطة السياسية العامة. فالثورة الحقيقية ترتكز على محور بناء الدولة المدنية الحديثة، وهي عملية تغيير جذري عميق للنظام السياسي القديم، ومعالجة سلبياته أياً كانت: سياسيًا ودستوريًا واجتماعيًا واقتصاديًا وعلميًا وثقافيًا. ومن هنا ندرك أن الثورات الحقيقية منبعها الشعب؛ فبعض المحللين السياسيين يرجع هذا الحدث إلى تفشي الظلم والفساد والفوضى، وتردي الأوضاع المعيشية والصحية والاجتماعية، بوصفها من أهم العوامل التي تحرك الناس. فعندما تعجز الدولة عن تلبية متطلبات واحتياجات وتطلعات وآمال الشعوب، تظهر الفجوة العميقة باختلال التوازن بين مقدرة الحكومة وأعبائها؛ فالادخار محدود، والأعباء كثيرة، وهنا يحصل الخلل والتردي في ميزان النفقات. وهناك فئة من المحللين السياسيين يرجع سبب قيام الثورة إلى عدم المساواة السياسية، وعدم عدالة توزيع القيم الاقتصادية، متمثلاً في وجود قلة أو طبقة غنية تزداد كل يوم غنى، وأغلبية فقيرة بالكاد تجد قوت يومها، في ظل أوضاع اقتصادية خانقة وغير متوازنة. أما بعض الفلاسفة فيرجعون أسباب الثورات إلى التربية والتعليم المرتبطين بالدعاية لدى الأجيال الناشئة، وهو ما نسميه في وقتنا الحاضر بالتنشئة السياسية والاجتماعية أو الفكرية أو الثقافية المبرمجة، التي ترتبط بالولاء الوطني أو بالمفهوم القيمي المؤدلج. من هنا ينبغي أن نوازن بين المدخلات والمخرجات دون تمييز بين فئات الشعب، مع مراعاة رغبات واحتياجات الشعب ومتطلباته. ودائمًا تتباين شعارات وأهداف الثورات بحسب أوضاع وظروف وخصوصية كل شعب من الشعوب، فكل شعب له خصوصياته التاريخية والثقافية والتراثية، وهوية وطبيعة قضاياه ومشاكله. فالثورات العظيمة هي التي تستطيع أن توفر العدالة الاجتماعية بين المواطنين، والمساواة في الحقوق، وإعطاء كل ذي حق حقه، وأن يعم الأمن والاستقرار كل أرجاء الوطن. دون ذلك تظل الثورات غير قادرة على إحداث تغيير جذري في النظام السياسي، بما يواكب متطلبات المرحلة. ▪ صفوة القول: الثورات العظيمة لا تُمحى بمجرد قلم، أو بتشويه أحداثها ووقائعها، أو تزييف تاريخها؛ لأن التاريخ لا يرحم، ومن يحرف أو يزوّر حقائقه أو يغير مجريات أحداثه لأي سبب من الأسباب فقد ارتكب جناية لن تُغتفر في حق تاريخ الثورات. ومن هنا ينبغي، بل يجب، على القائمين والباحثين والمختصين ألا يخونوا الأمانة العلمية مهما استدعت الظروف، فهناك من يريدون صناعة التاريخ حسب أمزجتهم وأهوائهم، لا كما جرت الأحداث والوقائع. فالثورات العظيمة محورها إصلاح سياسي واقتصادي واجتماعي شامل، بعيدًا عن الولاءات الضيقة أو المجاملات أياً كانت. فبالعدل والمساواة وإعطاء الحقوق يسود الرقي الاقتصادي، والرخاء الاجتماعي، والأمن والاستقرار. ▪ نافذة شعرية: "رحلة حول الكلمات" ما أوحش الليل إذا ما انطفأ المصباح، وأكلت خبز الجياع الكادحين زُمَرُ الذئاب، وصائدو الذباب. السحب السوداء، والأمطار، والرياح، ما أوحش الخريف فوق هذه الهضاب، وهو يدب في عروق شجر الزقوم، في خمائل الضباب. يا مُغلق الأبواب، الفقراء منحوني هذه الأسمال، وهذه الأقوال، فمد يديك عبر سنوات الموت والحصار، والصمت، والبحث عن الجذور والآبار. فناقتي نحرتها، وأكل الأضياف، لعلها أوراق وردٍ طيّرتها الريح،