مراد شلي .. مرايا الوحي : السلسلة الثالثة (تجسيد المحاضرات الرمضانية ك"مرايا" تعكس أنوار المعرفة الإلهية بطريقة السرد الروائي) (المحاضرة الرمضانية الثالثة) في مدينة المنامة يجلس شابان بحرينيان في غرفة المعيشة يتهيأن لمتابعة المحاضرة الرمضانية الثالثة للسيد القائد . الأول باسم يتابع محاضرات السيد منذ أربع سنوات وقد تأثر بطريقة السرد القرآني العميقة وكيفية ربطها بالواقع المعاصر للأمة . الثاني رائد يشاهد المحاضرات لأول مرة بعد أن نصحه صديقه باسم بمتابعتها لما تحمله من دروس وعبر مستخلصة من القرآن الكريم وسيرة الأنبياء . يجلسان على الأريكة أمام شاشة التلفاز بمنزل باسم وعيناهما متقدتان بالترقب. الجو الرمضاني في الغرفة ممتلئ بالهدوء والانتظار لم يكن الانتظار بالنسبة باسم مجرد متابعة برنامج بل طقس روحي صار جزءاً من حياته منذ عامين حين بدأ يتابع تلك المحاضرات واكتشف فيها طريقة مختلفة لفهم القرآن والتاريخ والواقع قال باسم وهو يعدل جلسته : - ستشعر بشيء مختلف يا رائد عندما تبدأ المحاضرة . ابتسم رائد وقال : - أنا متحمس لأعرف سر تعلقك بها . عند الساعة المحددة ظهرت الشاشة وبدا صوت التلاوة والدعاء يملأ المكان بهدوء عميق وكأن الغرفة نفسها صارت أكثر سكوناً . . فالساعة تشير إلى قرب بدأ المحاضرة في الساعة التاسعة والنصف مساء والتي انطلقت للتو . . " أيها الإخوة والأخوات، في سياق الحديث عن قصة نبي الله موسى عليه السلام على ضوء الآيات المباركة من سورة القصص، كنا تحدثنا بالأمس عن بعض من العبر والدروس المهمة المستفادة من تلك الآيات المباركة، وما نستفيده مما ينبغي أن نستوعبه في إطار ما يهدينا الله له، وتقتضيه ظروف هذه المرحلة، وإلا فهدى الله واسع وما تفيده الآيات القرآنية هو الكثير والكثير، ما نستوعبه أو نقدمه هو الشيء القليل. على ضوء قوله سبحانه وتعالى، يتبين لنا أهمية هذه القصة باعتبار أن مصدرها الله سبحانه وتعالى، وفي إطار هديه لعباده في كتابه المبارك، المهتدي بهدي الله، المنتفع به علما ونورا، واستلهاما من سير الأنبياء عليهم السلام، ومن الأحداث التاريخية التي يقصها القرآن عليه واستفادة من العبر بشكل عام، وكل هذا في إطار مهمته الرسالية المقدسة من نبأ موسى وفرعون " كان باسم يستمع بعينين ثابتتين بينما يتحدث : هذا الكلام يجعلنا يا رائد نشعر بعظمة الله وعبرة القصص القرآني في تبيان الفرق بين الحق والطغيان . هز رائد رأسه وهو يتابع باهتمام ثم قال أشعر أن القصص هنا ليست عن الماضي بل عن حاضرنا نحن . " النبأ المتلقى عن موسى وفرعون هو من خبر مهم وعجيب، فما ورد من القصة هو البعض بحسب مقتضى الحكمة وموطن العبرة ومتطلبات الهداية، وإلا فالقصة طويلة وأحداثها كبيرة وكثيرة، وهي أحداث ساخنة استمرت لسنوات طويلة. القصة فيها نماذج متباينة، نموذج موسى عليه السلام، الذي هو من نماذج رحمة الله بعباده، من نماذج الهدى والإحسان والسعي لإنقاذ المستضعفين، ومواجهة الطغيان والاستكبار، من نماذج الثقة بالله ووعده، والتحمل للمهام الرسالية في ظل ظروف بالغة التعقيد، وهناك النموذج الآخر فرعون في القصة، وهو حاكم مصر في ذلك العصر الذي ولد فيه موسى عليه السلام، ونشأ فيه، وكان فرعون على رأس دولة قوية يمتلك قوة عسكرية ضاربة، وإمكانات اقتصادية هائلة وسيطرة سياسية مستحكمة وشعبا مطيعا وخاضعا " هز رائد رأسه وهو يتابع باهتمام ثم قال: - هذه المقارنة بين موسى وفرعون تبيّن لنا الفرق بين من يثق بالله ومن يطغى على الناس بجبروته، وكيف أن الحق لا يُغلب . " نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق، هذا النبأ الذي قدمه الله لنا هو سليم وصافٍ من أي خرافة أو أسطورة، أو باطل أو كذب، هو حقائق واقعية، وتلاوتها والوحي بها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، له هدف مهم وحق لقومي يؤمنون، فهذه الأنباء هي من دلائل النبوة، ومحتواها هداية يستفيد منها المؤمنون في زيادة إيمانهم وفي مهامهم الإيمانية المقدسة، فتكون ثمرة إيمانهم بها ثباتهم وثقتهم بوعد الله وبصيرتهم ووعيهم، ومعرفتهم بسنن الله واستفادتهم من هذه الدروس، ويقينهم بأن الله غالب على أمره، وأن الأعداء مهما تعاظمت قواهم وتزايدوا عددا وعدة، ينبغي ثبات المؤمنين وأن لا يهنوا ولا يتراجعوا عن طريق الحق " ابتسم باسم وتحدث قائلا : - يا رائد هذا يجعلنا نفهم أن الإيمان والثقة بالله يغيران موازين القوى، حتى في أصعب الظروف . "فرعون تجاوز حده كعبد لله ومخلوق ضعيف إلى الطغيان والتكبر، وصل به إلى درجة ادعاء الألوهية والاستعباد للناس، واتجه بطغيانه واستكباره إلى واقع الناس ممارسة عملية إجرامية وسياسة ظالمة، استخدم سياسة فرق تسد، واستغل كل فئات المجتمع لإحكام السيطرة عليه. هكذا هي سياسة الطغيان الفرعونية، التي تقوم على استغلال تباينات المجتمع وصناعة المزيد من هذا التباين وتسخير أقوام ضد أقوام، واستغلال الجميع وفق تلك الطريقة، وهي أيضا سياسة طاغوت العصر المستكبر، واستضعاف طائفة منهم تجاه فئة منهم، كما اعتمد بنو إسرائيل سياسة الاستضعاف والإذلال والقهر والظلم بأبشع صوره " هز رائد رأسه وقال : - من الصعب أن نتصور كيف أن الطغيان يمكن أن يستمر بهذه الأساليب لكن الله يوضح لنا أن الحق سيبقى . " وفي مقابل ذلك، نجد إرادة الله الرحيم بعباده، يريد أن يمن على الذين استضعفوا في الأرض، وأن ينقلهم إلى ظروف مختلفة تماما، ينعمون فيها بالكرامة والعزة والحرية الحقيقية، ويتشرفون بأن يتحركوا في إطار مهمة مقدسة وفق تعاليم الله لإقامة القسط والخير في المجتمع، للتصدي للطغيان، وهذا من تدبير الله الحكيم، ومن مظاهر رحمته العظيمة بعباده، وهي سنة مستمرة في كل الأجيال، فالدرس من قصة موسى وفرعون يبين لنا حجم الاستضعاف لبني إسرائيل، وفي مقابل ذلك حجم الطغيان الرهيب بكل وحشية، وكيف كانت قد استحكمت قبضته وسيطرته، في مقابل الحالة من الضعف والاستسلام التي وصل إليها بنو إسرائيل " تحدث سامي قائلاً بحزم : - يا رائد الله دائمًا ينقذ المستضعفين وهذه سنة إلهية ثابتة تذكرنا بأن لا نفقد الأمل مهما طغى الظالمون . " وهكذا المستضعفون في القرآن فرزوا إلى ثلاثة أصناف: الواعون الغير راضين عن وضعهم ويتوجهون إلى الله لتغيير حالهم، وهم جديرون برعاية الله، والنوع الثاني الذين لا يعيون واقعهم ويستسلمون، وأما النوع الثالث فهم المتبعون للطغاة والمستكبرين. وهذه السنة الإلهية ثابتة، فمن المستضعفين من ينقذهم الله ويمن عليهم، ويجعلهم أئمة ووارثين في الأرض، أي ينقلهم من وضعية استضعاف إلى قيادة ومهمة مقدسة في المجتمع، ويترك لهم دورا فعالا وتأثيرا واسعًا في الساحة، وهذا يعطينا الأمل الكبير في قدرة الله على تغيير الأحوال للأمة المستضعفة " عقب رائد قائلاً : - إنها فعلا رسالة عظيمة يا باسم أن الله لا يترك المستضعفين بل يمنحهم فرصة ليصبحوا قادة ويؤثروا في مجتمعاتهم . انتهت المحاضرة وتحدث رائد وهو ينظر إلى الشاشة : الآن فهمت لماذا يسمونها مرايا الوحي لأنها تجعل الإنسان يرى نفسه داخل القصة. ابتسم باسم وقال بهدوء : نعم لأنها لا تحكي لنا فقط ما حدث بل تسألنا دائماً أين نقف نحن في معركة الحق والباطل . . في مدينة المنامة يجلس شابان بحرينيان في غرفة المعيشة يتهيأن لمتابعة المحاضرة الرمضانية الثالثة للسيد القائد . الأول باسم يتابع محاضرات السيد منذ أربع سنوات وقد تأثر بطريقة السرد القرآني العميقة وكيفية ربطها بالواقع المعاصر للأمة .