تقرير يكشف إحصائية مفصلة ل11 عاماً من العدوان على اليمن    وقفات وفعاليات جماهيرية في ذمار بذكرى اليوم الوطني للصمود    الرئيس المشاط يعزّي في وفاة الشيخ حمد بن صالح النوفي    الاتحاد الآسيوي يقر تأجيل مباراة المنتخب الوطني ونظيره اللبناني إلى مطلع يونيو المقبل    انضباط وظيفي بنسبة 90% في مأرب بثاني يوم دوام بعد إجازة عيد الفطر    تقرير : "الجنوب تحت النار".. تصاعد الانتهاكات يعمّق أزمة اليمن    ذمار: دول العدوان تعمدت قتل وإصابة 799 من أبناء المحافظة    القائد الصبيحي ومنطق الدولة    منتخب الناشئين يستأنف معسكره الداخلي استعداداً لنهائيات آسيا    المباني القديمة في عدن تشكل خطراً على السكان.. انهيار شرفات عمارة في المعلا    فنادق الحديدة تستوعب اكثر من 100 الف اسرة خلال العيد    ارتفاع لأسعار النفط    تصاعد التوترات وتبادل الرسائل بين الولايات المتحدة وإيران وسط تصاعد تداعيات الحرب    الأرصاد يحذر من أمطار رعدية مصحوبة بحبات البرد وتدني الرؤية الأفقية والانهيارات الصخرية    وكالة: صنعاء قادرة على إغلاق مضيق باب المندب    السيارات الكهربائية المستعملة تنتعش في أوروبا بسبب ارتفاع أسعار الوقود    تأجيل قرعة كأس آسيا 2027 في الرياض    منظمة حقوقية:احتجاز المليشيا للوسيط المرادي يهدد مسار تبادل الأسرى ويقوض الجهود الإنسانية    الصبيحي... من وعد الوفاء في الضالع إلى سقوط الجحود في دهاليز السياسة    تدمير 10 دبابات ميركافا وجرافتين D9 في يوم    حملة تغريدات لإبراز مآلات الصمود ومظاهر العدوان خلال 11 عاماً    شبكات تهريب تابعة ل "الإخوان" تغذي مناطق الحوثيين بالغاز    حرب إيران تهدد آمال ستارمر.. أسعار النفط والغاز تعصف باقتصاد بريطانيا    مَرافِئُ الصَّبْرِ وَفَجْرُ اليَقِينِ    صراع سعودي أوروبي.. محمد صلاح يتلقى عروضا مغرية    سقطرى في قلب موسكو.. نصف قرن من دراسات روسية تكشف أسرار الجزيرة اليمنية    وفاة شابين غرقاً أثناء السباحة في شاطئ الكتيب    من يخطف البطاقات الست الأخيرة لمونديال 2026؟    ليس دفاعًا عن الانتقالي، بل لتعرية كذبهم.    وفد الانتقالي يختتم مشاركته بالدورة ال 61 لمجلس حقوق الإنسان    تحذير من أمطار رعدية واضطراب البحر وتوجيهات برفع الجاهزية لمواجهة التقلبات الجوية    الانتقالي يؤكد على التصعيد المستمر حتى فتح مقراته في عدن    مواطنون يرفضون إنشاء مشروع "للزيوت المستعملة" لقيادي حوثي في إب    الذهب يرتفع مع تراجع الدولار وانحسار المخاوف من رفع أسعار الفائدة    المخلافي يوجه برفع الجاهزية وتشكيل غرفة عمليات تزامنا مع موسم الأمطار    صمود الإمارات يعكس قوة النموذج لا مجرد القدرات الدفاعية    فقيد الوطن و الساحه الفنية .. الشاعر حمود صالح نعمان    200 ألف دولار رشوة للتراخيص.. اتهامات مباشرة لمدير شركة الغاز محسن بن وهيط    محمد صلاح يعلن رحيله عن ليفربول .. ما هي وجهة صلاح المقبلة؟    في مدينة إب ..!    اللهم لا شماتة    إشكالية الرواية والتدوين بين قداسة النص وإشكالات النقل    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    الشيخ فهيم قشاش يهنئ الدكتور سالم لعور بمناسبة زواج نجله الشاب أيمن    جامعة عدن تفند مزاعم "اليمني الجديد" وتؤكد سلامة وثائقها الأكاديمية    النقوب خارج الخدمة.. بمديرية عسيلان تعيش في الظلام وسط استمرار الكهرباء بمناطق مجاورة    الحديدة تحتفي بتراثها الثقافي والفني عبر مهرجان "امعيد في تهامة"    استعادة الساعة البيولوجية والتوازن اليومي بعد رمضان: خطوات سهلة وفعّالة    استعادة الساعة البيولوجية والتوازن اليومي بعد رمضان: خطوات سهلة وفعّالة    وزارة الصناعة توجه بتكثيف الرقابة الميدانية ومنع أي ارتفاعات في أسعار الغاز    الدوري الاسباني: ليفانتي يفوز على اوفييدو    العيد ولعبة الكراسي    صنعاء : تعميم هام .. بشان صلاة العيد ..!    رسمياً.. 3 دول تفاجئ العالم باعلان الخميس أول أيام عيد الفطر    "إن متُّ فالعليمي مسؤول".. أحمد سيف حاشد يكتب وصيته من نيويورك ويهاجم السلطة    وزارة الأوقاف:الخميس متمم لشهر رمضان والجمعة أول ايام عيد الفطر    شبوة.. عندما يبكي التاريخ في حضرة التقسيم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تريم الغنّاء .. روحانيةُ مكان وصفاءُ زمان
نشر في 26 سبتمبر يوم 01 - 03 - 2010

ت توّج مدينة تريم (الغنّاء) بمحافظة حضرموت في السابع من مارس المقبل عاصمة الثقافة الإسلامية 2010، بعد أن اختارتها المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم (الإيسيسكو) تنفيذاً لقرارات المؤتمر الإسلامي الرابع لوزراء الثقافة، الذي انعقد في العاصمة الجزائرية في ديسمبر 2004.. وتعتبر بلادنا منذ العام 1983 أحد الأعضاء الخمسين من الدول الإسلامية المنضوية في تلك المنظمة الدولية الإسلامية.
وجاء اختيار الإيسيسكو لهذه المدينة التاريخية لتكون حاضرة الثقافة الإسلامية لهذا العام انطلاقاً من دور أبنائها الذي يسبر أغوار الزمن في نشر الإسلام في أصقاع شتّى من العالم بالموعظة الحسنة، وبالتي هي أحسن وقدموا للعالم الصورة الناصعة والرائعة لهذا الدين الحنيف دين المحبّة والسلام والوسطية والاعتدال، وكانت رحلاتهم وهجراتهم الدائمة في أزمنة خلت وتحديداً منذ بدئها في نهاية القرن الخامس وبداية القرن السادس الهجري سبيلاً لنشر الدعوة في تلك الأصقاع، وبخاصة إلى دول جنوب شرقي آسيا الهند واندونيسيا وسنغافورة لتمتد إلى الصين والفلبين وإلى أفريقيا.
وبالرغم من مصاعب السفر والحِل والترحال وتحمّل مرارات وعذابات الاغتراب عن الوطن والأهل، إلاّ أن هدفهم السامي كان قد أنساهم كل ذلك، وبتوفيق من المولى سبحانه وتعالى وبإرادة لا تلين استطاعوا الوصول إلى قلوب كثير من الناس في تلك البلاد البعيدة وإقناعهم باعتناق الإسلام، فذابت فيما بينهم كل الفوارق بما فيها اختلاف اللغات والثقافات وتوحدت قلوبهم ورؤاهم وأفكارهم في ظِلالِ الحق والدين الحنيف (الإسلام).. ومن هؤلاء الدُّعاة الأجلاء من فضّل حياة المهجر واستطاع أن يؤسس له فيها حياة جديدة ومواصلة نشر الدعوة، فأنشئوا مدارس لتعليم علوم الدِّين والقرآن والفقه واللغة إلى جانب اشتغالهم بأعمال التّجارة التي أمّنت لهم العيش الكريم والاستقرار، فيما عاد البعض الآخر منهم للعيش في أحضان الوطن، وفي مسقط رأسهم (تريم)، حاملين معهم بشائر الخير سائرين على دروب العلم، مشتغلين في صروح العلم التي احتضنتها هذه الواحة الغنّاء واحة العلم والعلماء، فدرس على أيديهم أعلام ودُعاة ساحوا وجالوا في البقاع الواسعة من البسيطة؛ سعياً نحو أداء الأمانة والرسالة التي حملوها عن أجدادهم ومعلميهم، فكان أن حالفهم النجاح وأسلم في مجالسهم الكثير والكثير ممن كانوا لا يعرفون عن الإسلام شيئا، فذاع صيتهم ولمع نجمهم في الفضاءات البعيدة؛ بسبب منهجهم الواعي، متّخذين من الوسطية والاعتدال سبيلاً لنشر الإسلام، بعيدين عن أي شكل من أشكال التطرف والغلو والعنف التي نبذها وينبذها ديننا الحنيف..
كما أن اختيار مدينة تريم عاصمة الثقافة الإسلامية يأتي من منطلق ما تمثّله هذه المدينة العريقة من مرجعية دينية وعلمية قديمة وهامة وذات جذور عميقة تمتد إلى عصور تاريخية مختلفة تسافر بنا من حاضر الزمان إلى عهود الإسلام الأولى، وكونها أيضا المدينة اليمنية التي تحتضن مناراتٍ وأربطة وزوايا علمية غارقة في القدم، كان لها دور ريادي ديني كبير وواسع تخرّج منها كثرٌ من العلماء والأعلام من مختلف مناطق بلادنا ودول عربية وإسلامية مختلفة مما جعلها مركزا يشع منه نور العلم والمعرفة.
روحانيةُ مكان
تعتبر تريم المدينة العاصمة الدينية لوادي حضرموت، وكانت قبل ذلك عاصمة ومقراً لملوك كندة ثم عاصمة لوادي حضرموت قبل مدينة سيئون، وتقع على خط عرض 16 درجة ودقيقتين و57 ثانية شمال خط الاستواء، وعلى خط طول 48 درجة و58 دقيقة و32 ثانية شرق خط جرينتش، فيما تبعد عن مدينة سيئون عاصمة الوادي بنحو30 كلم باتجاه الشرق.. اعتنق أهلها الإسلام في السنة العاشرة للهجرة حينما عاد وفد حضرموت من المدينة المنوّرة بعد مقابلته لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأرسل الرسول الأكرم -صلى الله عليه وسلم- زياد بن لبيد ألبياضي الأنصاري عاملاً على حضرموت، وعند ما جاءه كتاب الخليفة الأول أبي بكر الصديق (رضي الله) عنه) قرأه على أهل تريم فبايعوا أبي بكر الصديق وارتد نفرٌ من كندة فقاتلتهم جيوش المسلمين، وكان لمن ثبتوا على إسلامهم من أهل تريم دور لا يستهان به في قتال أولئك المرتدين في المعركة الفاصلة بينهم بحصن "النُجير" 30 كلم شرقي تريم. ومن نتائج تلك المعركة أن جرح فيها عدد من الصحابة، فاستشهدت جماعة منهم بتريم، بعد أن قدموا إليها للتداوي، ووروا الثرى بمقبرة "زنبل" الشهيرة، وسط المدينة، ولا زالت قُبورهم شاهدة على ذلك. ويقال إن عددهم 70 صحابياً.
وعلى مرّ السنين اشتهرت الغنّاء تريم بكثرة علمائها وزواياها العامرة بالعلم، حيث ارتادها ويرتادها طلاب علم من مختلف مناطق الوطن اليمني والدول المجاورة ودول الشرق الأقصى وشرق أفريقيا لطلب العلم والاغتراف من علومها في مجالات: تحفيظ القرآن الكريم والحديث والفقه واللغة وغيرها، وتعتبر "معلامة أبي مريِم لتحفيظ القرآن الكريم" من أوائل وأعرق مدارس تحفيظ القرآن في المنطقة، إن لم تكن الأولى على وجه التحديد، وقد عاودت المعلامة العريقة نشاطها بعد قيام الوحدة المباركة ليتوسّع في عدد من مساجد المدينة المعروفة بعد توقف دام طويلاً بفعل الظروف السياسية أثناء عهود التشطير ناهيك عن "رباط تريم العلمي الإسلامي" الشهير الذي بدأ نشاطه في 14 محرم 1305ه، ولا زال حتى اليوم مناراً علمياً ساطعاً في سماء تريم فضلاً عن "دار المصفى للدراسات الإسلامية" الصرح العلمي البارز.
واشتهرت تريم بمدينة المآذن، وعُرفت بمدينة ال365 مئذنة جميعها مبنيّة بمادة الطين وفق طراز معماري إسلامي بديع تنتشر في كل أرجائها أبرزها "مئذنة مسجد عمر المحضار"، وارتفاعها نحو 170 قدما، نحو 57 متراً، ولا زالت منذ تشييدها في أوائل القرن الرابع عشر الهجري تعانق عنان السماء كنموذج حيّ على المستوى الراقي البديع الذي وصل إليه فن وهندسة العمارة الطينية في تريم خاصة، وفي اليمن بشكل عام، وأصبحت المدينة الزاهية بمآذنها ومعالمها وعلمائها مكانا يفوح منه عبق وأريج روحاني تنشرح له الصدور، وكما ذكر المؤرخون أيضا أن تريم كانت تحتضن 300 مفتٍ، من علمائها الأجلاّء مما جعلها تتبوأ هذه المكانة الإسلامية التاريخية فضلاً عن كونها اشتهرت بمدينة العلم والعلماء.. فيما يحتضن جامع تريم في جهتيه الشمالية والشرقية "مكتبة الأحقاف للمخطوطات" كثاني مكتبة للمخطوطات بعد مكتبة "صنعاء"، أسست في أوائل سبعينيات القرن الماضي، وتضم المكتبة تحت سقفها أكثر من 5 آلاف مخطوط من المخطوطات النفيسة والقديمة في علوم الدِّين وشتى العلوم الإنسانية.
مدينةٌ عريقة
ذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان: "أن تريم إحدى مدينتي حضرموت، لأن حضرموت اسمٌ للناحية بجملتها ومدينتيها شبام وتريم، وهما قبيلتان سميت المدينتان باسميهما). ويقول مرتضى الزبيدي في كتابه تاج العروس: "إن تريم سميت باسم بانيها -تريم بن حضرموت- ويؤكد المؤرخون العرب أن مدينة تريم كان اختطاطها في القرن الرابع قبل الميلاد). فيما ذكر كتاب معالم تاريخ الجزيرة العربية للأستاذ سعيد عوض باوزير: "أن تريم كان تأسيسها في عهد الحكم السبئي لحضرموت وأنها سميت باسم أحد أولاد سبأ الأصغر أو باسم القبيلة التي من تريم هذا". ومن الآراء التي تؤكد على قدم وعراقة المدينة ما رواه أحد المؤرخين من "أن تريم اختطت في زمن أسعد الكامل أحد التبابعة الحميريين في القرن الرابع الميلادي"، ويقترب من هذا الرأي ما كتبه الأستاذ علي بن عبدالرحمن المشهور بكتابه شروح الصدور: "أن حصن الرناد بني قبل البعثة النبوية بأربعمائة عام" وحصن الرناد من أشهر القصور التاريخية بالمدينة التي يجري ترميمها حاليا ليكون مركزاً من مراكز الإشعاع الثقافي في تريم بعد أن كان مقراً للحاكم في فترات زمنية متعاقبة، ومما يفيد ذكره في هذا الصدد ما علمناه مؤخراً عن اكتشاف مجموعة آثار قديمة في ثناياه أثناء عمليات الصيانة والترميم تؤكد قدم هذا المعلم التاريخي.
وحول حدود مدينة تريم القديمة، ما قاله الشيخ محمد بن عبدالله الخطيب في كتابه بُرد النعيم: "إن أصل مدينة تريم القديمة الخلِيف والأزرّة وهما حارتان متصلتان بالحصن والسوق النجدية"، أي أن تريم القديمة كانت تقع حول حصن الرناد وتحتل تلك المساحة اليوم القسم الوسط من المدينة الحالية التي نمت وتطوّرت وتوسّعت لتقدر مساحتها الإجمالية بنحو 3500 كلم مربع.
حضارةُ طينٍ
كان الطين مادة من مواد البناء الأساسية منذ فجر التاريخ؛ كونه أولاً من المواد الوفيرة على الأرض، وثانياً لسهولة الحصول عليه وتشكيله واستخدامه؛ لذلك صُنع منه الطوب بأنواعه المختلفة، ومنها ما يُعرف في حضرموت بالمدر أو اللِّبن، وهو الطوب غير المحروق المستخدم في البناء، بالإضافة إلى أن الطين الخام يدخل أيضاً في صناعة الفخّار وغيرها، لذلك فإن علاقة أبناء الغنّاء تريم بالطين علاقة وطيدة تؤكد ارتباطهم بالأرض، فقد صنعوا منها حضارة عميقة الجذور ذات تقنيات هندسية دقيقة وثقافية أيضا وبخاصة لارتباطها بفنون العمارة والبناء.
وتجدر بنا الإشارة هنا ذكر أبرز خصائص ومميزات العمارة الطينية، بحسب دراسات بعض الاختصاصيين في البناء والتشييد، وبحسب ما أثبته الواقع، ومن تلك المميزات ما يلي:
* تعدد الأشكال ونعومة وسهولة التشكيل..
* تعطي الطين إمكانية كبيرة للزخرفة والانسجام وسط الفراغات..
* مقاومة الأحوال والظروف المناخية والتنظيم الحراري، فتجد البناء الطيني دافئا في فصل الشتاء وباردا في فصل الصيف.
* إمكانية ارتفاع المباني الطينية، وللدلالة على ذلك برج بابل المبني من الطين في القرن السابع قبل الميلاد وبارتفاع يصل إلى تسعين متراً، ومدينة شبام الشامخة بمبانيها العالية (مانهاتن الصحراء) وفي العصر الحديث منارة مسجد المحضار بتريم -السابق ذكرها- ويصل ارتفاعها إلى حوالي 56 متراً وغيرها من الشواهد.. وقد أضاف أجدادنا إلى الطين مواد التّبن والقش والإثل، وبذلك كانت لهم ريادة التوصل إلى فكرة مدهشة لتحسين مادة الطين بتلك المواد والإضافات التي تزيده قُوة ومتانة وتمسكاً وتطيل من عُمر البناء حتى أصبح البيت الطيني أطول عُمراً من الآخر المبني من الإسمنت بفارق سنوات كبيرة..
ولهذا السبب كانت مباني الأجداد شاهداً حيّا على التفوّق والإبداع الهندسي المتميّز، لذلك فالدعوة لكل الجهات الرسمية والمتخصصين في فن العمارة الطينية -وطنيا ودوليا- إلى الحفاظ على حضارة الطين بفنونها البديعة وتوثيقها وتشجيع أبناء الوادي على التوسّع في البناء الطيني والتخلّي عن ثقافة "الإسمنت" التي أصبحت تغزو كثيراً من الأحياء في وادي حضرموت عامة، وفي تريم بشكل خاص، في صورة هدفها تشويه الصورة الحضارية والجمالية للمعمار الطيني الذي ذاع صيته عالميا..
ويحق لزائر تريم أن يصفها بمتحف رائع للقصور الطينية البديعة التي شيّدها البناءون المحليون من تريم مستفيدين من الطراز المعماري السائد في جنوب شرقي آسيا، حيث كانت وجهة من وجهات هجراتهم -كما سلف ذكره آنفا. وتتميز تلك القصور بكثرة أقواسها والنقوش التي تبرز على جدرانها الداخلية وأسقفها ومن الطين أيضاً بعد أن استطاع المبدعون من البنائين التريميين من تطويعها ليرسموا منها لوحات ساحرة. كما أن أبواب ونوافذ تلك القصور لم تخلوا أيضا من الإبداع، فامتلأت هي الأخرى نقوشاً وزخرفة حفرت عليها حتى أصبحت غاية في الفخامة والجمال، فضلاً عن الحدائق والبساتين الخضراء التي اشتهرت بها تريم آنذاك، فجعلت منها واحة غنّاء جميلة وموطناً رئيساً من مواطن حضارة الطين البالغة في الروعة والجمال..
ومن تلك القصور عِشَّة والمنيصورة ودار السلام وحمطوط وقصر القبة وسلمانة وغيرها ناهيك عن قصر الرناد، الذي سبق ذكره فضلاً، عن مآذن مساجدها المعتمدة في بنائها على مادة الطين، وتتخذ الطويلة منها شكلاً دائريا مخروطياً ذات طابع معماري متميّز، فتجدها تتسع عند القاعدة ثم تضيق تدريجيا حتى قمتها مما يجعلها مؤهلة لأن تكون مادة خصبة عند دراسة مميّزات عمارة المساجد في تريم من قبل الباحثين.
ومن المنائر أو المآذن القديمة التي لا زالت تشمخ في سماء تريم مئذنة مسجد باعلوي وسط تريم وبالحي القديم (حافة السوق)، ومئذنة مسجد الزُهرة بحي النويدرة شمالاً، ومئذنة مسجد النور بحي عيديد في الغرب وغيرها. ومن البنائين المعروفين على مستوى حضرموت من أسرة آل بن عفيف بتريم، وفي المقدِّمة منهم معلم البناء المخضرم "سليمان عمر بن عفيف"، -رحمه الله- الذي استعان بهم العلامة والأديب "أبو بكر بن عبد الرحمن بن شهاب" أحد أعلام وشعراء تريم الذي عاش ردحا من الزمن في المهجر متنقلاً بين الهند ودول إسلامية أخرى، وتُوفي سنة 1936، استعان بهم مع بداية القرن التاسع عشر الميلادي لإعادة بناء مسجد المحضار، وقد أراد لمنارته أن تكون مربّعة وهرميّة الشكل مستوحى من المآذن التي تسود تلك البقاع التي كان يهاجر إليها ويتنقل فيها كالهند وغيرها، وللمرة الأولى في تاريخ العمارة الطينية في حضرموت تم تشييد منارة مسجد المحضار كمنارة مربعة القاعدة هرمية الشكل، وبهذا الارتفاع الشاهق على يد المعلم سليمان المبدع في فن البناء الطيني، الذي استطاع بخبرته الطويلة وإبداعه أن يبتكر حلولاً وأفكاراً للكثير من المصاعب الفنية التي واجهته أثناء عمليات البناء، وقد أثمرت أفكاره وحلوله الكثيرة عن أول وأطول منارة طينية رائعة مربعة وهرمية الشكل في وادي حضرموت، بل وعلى المستوى العالمي. ومن تلك الأفكار استعانته بأخشاب خاصة تم وضعها بصورة أفقية في مقاطع المنارة في حالة تشبه الجسور المسلّحة في البناء الإسمنتي الحديث، ولأن تلك المنارة كانت من المنائر الغريبة على المنطقة في تلك الحقبة الزمنية، فقد تحدّث عنها الرحالة الهولندي فاندر ميولن أثناء زيارته لمدينة تريم عام 1931: "من المؤسف أن هذه المئذنة مبنية على النسق الحديث، المآذن الحضرمية الأصيلة هنا مستديرة وتضيق قليلاً عند القمة، وفي قمتها أعمدة صغيرة تقف عليها القبة ويبرز اللون الأصفر الشاحب واضحاً عكس السماء الداكنة في زرقتها وفوق أشجار النخيل بألوانها الخضراء الرمادية، ولكن هذه المئذنة مربّعة وملونة بالأزرق والأبيض، وفيها العديد من النوافذ الصغيرة وتزينها حواشٍ رمادية، وهي تضيق أيضاً عند القمة، حيث هناك سلالم لولبية من الطين لا تناسب إلاّ الأشخاص النحاف..".
تحضيرات لاستقبال الحدث
في هذه الأثناء، تسارعت وتيرة التحضيرات لاستقبال الحدث العالمي الإسلامي الكبير (تريم عاصمة الثقافة الإسلامية2010).
وقد أصبحت مدينة تريم حاليا ورشة عمل ميدانية يتم من خلالها تنفيذ العديد من مشاريع البنى التحتية، فضلاً عن مشاريع جمالية وترميمات في كثير من القصور التاريخية والأثرية؛ لتكون مهيأة لاستقبال ضيوفها من عدد من الدول العربية والإسلامية، ومن مختلف مناطق البلاد ليشهدوا حفل التتويج والمشاركة في الفعاليات المختلفة التي ستشهدها على مدى عام كامل..
وقد أعدت وزارة الثقافة برنامجاً حافلاً يتضمّن فعاليات دينية وثقافية وسياحية وإعلامية، كما ستُقام العديد من الأسابيع الثقافية لمحافظات الجمهورية، وبعض الدول الإسلامية.
وكُلنا أمل أن نكون عند مستوى الحدث؛ مواطنين وسلطات تنفيذية ومثقفين وغيرهم، لنظهر أمام العالم الإسلامي بالمظهر الذي يجب أن تكون عليه تريم عاصمة للثقافة الإسلامية، وهو تكريم ليس لهذه المدينة فقط بل لكل مدن اليمن، ولأبناء اليمن عامة الذين كان ولا زال لهم باع طويل في نشر الإسلام في الكثير من أصقاع عالمنا الواسع وللحضارات اليمنية التي أسهمت وأثرت كثيرا في صُنع وتطوّر الحضارة الإنسانية بشكل عام.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.