تاريخيًا، شهدت العملة الوطنية في بلادنا، وخاصة بعد مايسمى بالوحدة اليمنية، تقلبات حادة بين الارتفاع والانخفاض مقابل العملات الأجنبية. حيث كانت هذه التقلبات، التي غالبًا ما ترتبط بأسباب اقتصادية او سياسية، تُحدث تأثيرًا مباشرًا وتلقائيًا على أسعار السلع والمواد الغذائية والاستهلاكية والخدمات. فمع كل صعود أو هبوط في قيمة الريال اليمني، كانت أسعار كل شيء بدءا من المواد الغذائية والاستهلاكية والخضروات والفواكه إلى قطع غيار السيارات وأجرة المواصلات ترتفع أو تنخفض بنفس القدر، دون الحاجة لتدخل حكومي لضبط الأسعار، وهو ما يتماشى مع المبادئ الاقتصادية المعروفة في كل دول العالم. لكن ما حدث مؤخرًا في بلادنا خالف تمامًا هذه القاعدة الاقتصادية الطبيعية، حيث شهد الريال اليمني ارتفاعًا مفاجئًا وملحوظًا أمام العملات الأجنبية دون ان تسبق ذلك أي إجراءات إصلاحية اقتصادية أو نقدية أو حتى سياسية مبررة. ومع ذلك، لم تنعكس هذه القفزة الإيجابية في قيمة العملة المحلية على أسعار السلع في الأسواق إلا بنسبة ضئيلة جدًا لا تتناسب مع الانخفاض الكبير في أسعار العملات الأجنبية. ورغم أن الحكومة، ممثلة في وزارة التجارة والصناعة ومعها السلطات المحلية، تدخلت فورًا لضبط الأسعار، إلا أن النتائج كانت عكسية وغير مجدية، حيث لم تنخفض الأسعار إلا بنسبة 8.5%، في حين تجاوز انخفاض قيمة العملات الأجنبية أمام الريال اليمني 44%. حيث كان هذا التدخل الحكومي، الذي لم يكن مطلوبًا او مبررا في الأصل، بمثابة دليل على أن الآلية التلقائية التي كانت تعمل في السابق قد تم سحقها تحت اجراءات حكومية مشبوهة. وفي تطور لافت، عادت أسعار العملات الأجنبية للانخفاض مرة أخرى بشكل حاد ومفاجئ، منذ ليلة الامس في توقيت يتزامن مع اقتراب موعد صرف رواتب منتسبي المجلس الانتقالي الجنوبي وقواته المسلحة بالريال السعودي على نحو يثير تساؤلات حول وجود دوافع سياسية وراء هذه التقلبات النقدية لا علاقة لها بالأسس الاقتصادية حيث يبدو أن الهدف من هذه التقلبات هو استنزاف مدخرات الشعب ورواتبه بالعملة السعودية على وجه الخصوص. وهذا الاحتمال يتعزز بحقيقة أن أسعار السلع والمواد المختلفة لم تتغير أو تنخفض إلا بنسبة طفيفة جدًا مقارنة بانخفاض قيمة العملات الأجنبية أمام الريال اليمني. وهذا يعني أن المواطن لن يستفيد من انخفاض سعر الصرف، ان لم يتضرر منه. ان الشعب لا يعارض أو يستاء من انخفاض سعر صرف العملات الأجنبية، بل يرحب به بشرط أن يقابله انخفاض مماثل ومتناسب في أسعار السلع والمواد الأساسية. أما أن تنخفض أسعار العملات الأجنبية دون أن يقابلها انخفاض مباشر في أسعار السلع، فهذا عملً يهدف إلى مضاعفة معاناة المواطنين وإفقارهم، ولا يهدف إلى رفع المعاناة عنهم، بشكل يخدم أجندات سياسية خارجية.