لم تعد الخرائط التي تُستدعى اليوم من عمق التاريخ مجرد مادة معرفية، بل تحولت إلى أدوات شعبوية تُستخدم لتوجيه الوعي السياسي وتبسيط الواقع المعقد، من الإمبراطوريات الفارسية والعثمانية، إلى ما يُروّج له تحت مسميات مثل "إسرائيل الكبرى" أو "اليمن الكبير"، نحن أمام موجة تستبدل السياسة بالحنين، والعقل بالعاطفة. المشكلة في هذه الخرائط أنها لا تُعرض بوصفها تاريخًا، بل كحق مكتسب، تُختزل قرون من التحولات في صورة واحدة، ويُقال للناس إن الحدود الحالية مجرد خطأ يجب تصحيحه، هكذا تُبنى السرديات الشعبوية، وعدٌ باستعادة مجد مفقود، دون أي قدرة على تقديم نموذج قابل للحياة في الحاضر.
هذه المقاربة خطيرة، لأنها تُعيد تعريف مفهوم الدولة، فبدل أن تكون الدولة إطارًا قانونيًا وسياسيًا يقوم على المواطنة والمؤسسات، تتحول إلى فكرة عابرة للحدود، مفتوحة على صراعات لا تنتهي، حين يُقدَّم "الحق التاريخي" بوصفه أساسًا للسياسة، تصبح كل دولة مشروع نزاع مؤجل، وكل حدود دعوة ضمنية لإعادة الرسم بالقوة.
الدولة الوطنية ليست نقيضًا للتاريخ، بل هي نتيجته الأكثر نضجًا، هي الصيغة التي استقر عليها العالم لتنظيم العلاقات بين الشعوب، وضمان الاستقرار، وإدارة المصالح، إضعافها لصالح سرديات أيديولوجية يعني فتح الباب أمام الفوضى، لا استعادة النظام.
مواجهة هذه النزعات لا تكون بالشعارات، بل بإعادة الاعتبار لمفهوم الانتماء الوطني، انتماء يقوم على دولة القانون، وعلى مؤسسات قوية، وعلى مواطنة متساوية، لا على ذاكرة انتقائية تُستخدم لتبرير التوسع أو الهيمنة، كما تتطلب هذه المواجهة تفكيك الخطاب الشعبوي، وكشف تناقضاته، وإبراز عجزه عن تقديم حلول حقيقية.
الشرق الأوسط لا يحتاج إلى خرائط جديدة، بل إلى وعي جديد، وعي يدرك أن القوة لا تُقاس باتساع الجغرافيا، بل بقدرة الدولة على إدارة واقعها، وبناء اقتصادها، وحماية مجتمعها. فالتاريخ، مهما كان مجيدًا، لا يمكن أن يكون بديلًا عن السياسة.
هذه الخرائط، رغم جاذبيتها في الذهنيات الشعبوية، ليست سوى هروب إلى الماضي، ومن يختار أن يعيش في خرائط قديمة، يخاطر بأن يفقد مكانه في خريطة الحاضر.
لن يجد جواد ظريف لحظة أخرى تناسب نشر خريطة إمبراطورية فارس واستدعاء التاريخ كهذه اللحظة التي تتلقى فيها إيران واحدة من هزائمها التاريخية، قد لا تكون الأخيرة ولكنها ليست بالمطلق الأولى فلطالما هٌزمت إيران بل واستسلمت وتكرعت كؤوساً من سمّ الاستسلام المهين.